الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الدرس بمناقشة قاعدة الحدود تسقط بالشبهة التي ذكرها الإمام النووي، مشيراً إلى أهمية الشبهات في إسقاط الحدود وتوضيح معانيها وأمثلتها.
يناقش المقطع القاعدة الفقهية التي تنص على أن الأمين لا يضمن ما في عهدته إلا إذا فرط أو تعدى، معتمداً على إجماع العلماء والآيات القرآنية.
يتناول هذا الفصل أهمية العدالة والكفاية في الولايات مثل ولاية اليتيم أو المرأة، ويشترط في الولي أن يكون عدلا وأمينا.
يفصل هذا الجزء مفهوم فرض الكفاية ومسؤولية الأفراد تجاهه، مشيراً إلى أنه يسقط عن الباقين إذا قام به من يكفي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، خاله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى في مقدمة المجموع، فذكر الشيخ والإمام النووي رحمه الله بعض المسائل الفقهية أو الأصول والقواعد التي ينبغي للمعلم أن يذكرها في آداب المعلم، أو أن يلقنها الطالب، والمراد بها القواعد التي هي ثابتة، وليست مما اختلف فيه، بل هي ثابتة. ذكر منها بعض القواعد، منها: الحدود تسقط بالشبهة. الحدود تسقط بالشبهة؛ لأن درء الحدود بالشبهات لابد منه. ولما جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: «أن أخطأ في العفو أحب إلي من أن أخطأ في العقوبة». إن أخطأ في العقوبة، إن أخطأ في العفو أحب إلي من أن أخطأ في العقوبة. وهذه الشبهات التي يدرأ بها الحدود قد تكون شبهة في الدليل، قد تكون شبهة في عدم قيام أركان الجناية، أو قد تكون شبهة في الحق. مثلا في عدم قيام أركان الجناية، مثلا أن يأتي الرجل إلى امرأة يظن أنها زوجته، مثلا يكون في سفر أو جاء من سفر أو مكان بعيد، ودخل بيته وقد جعلت مثلا هذه المرأة أختها تنام مكانها، وهي لا تعلم أن زوجها سيأتي، فجاءها وهو لا يدري أنها أخته أو أخت زوجته، فهنا لوجودها في مكان أختها هذه الشبهة يدرأ بها الحد. فهذا شبهة في أصل أو في ركن الحد وعدم استيفائه. قد تكون في الدليل، كما في الأشياء التي مختلف فيها، مثلا تزوج بغير ولي، فقد أجازه الحنفية وكذا وغيرها من الأمور المختلف فيها بسبب مثلا صحة الدليل أو ضعفه. وكذلك أيضا قد يكون في الحق، مثلا رجل يسرق من مال ابنه، أب يسرق من مال ابنه، فهذا يدرأ بها الشبهات؛ لأنه له حق، وقد أعطاه الشرع الأحقية «أنت وما ملك لأبيك». أو كذلك زوجة تأخذ من مال زوجها، تأخذ بحقها، أي تسرق بدون إذنه، تأخذ وتسرق من ماله، فهذا أيضا لا يدرأ بها الحدود؛ لأنها شبهة لها حق. وغيرها من هذه الشبهات. وأما قول بعض الناس اعتراضا على هذه القاعدة: أن هذه القاعدة قد تسقط الحد، فليس بصحيح؛ لأن الحدود إنما تقام على اليقين أو الظن الغالب عند القاضي وغيره. وأما إذا وجد الشك فإن الحدود لا تقام. ولهذا احتاط الشرع في مسألة الزنا، فجعل أربع شهداء، وفي غيرها شاهدين. فهذه الأمور مهمة. ثم قال رحمه الله: «وأن الأمين إذا فرط ضمن». أيضا هذه من القواعد التي اتفق عليها مثل الأولى: درء الحدود بالشبهات. ذكر الإمام ابن المنذر إجماع العلماء على هذه القاعدة: وأن الحدود تدرأ بالشبهات. وكذلك أيضا الأمين إذا فرط ضمن، هذا متفق عليه. وكما أنه أيضا متفق عليه أن الأمين لا يضمن إلا إذا فرط أو تعد، وهي نفسها، لكن من ناحية عدم التفريط أو التفريط. فإن الأمين إذا فرط ضمن، وأما إذا لم يفرط لا يضمن الأمين. مثلا مثل الذي يودع عنده المال، أو الوكيل، الوكيل يعتبر أمينا. الإنسان وكل إنسانا في عمل، فهذا يعتبر أمينا. كذلك أيضا الوكيل، وكذلك المودع عنده. وكذلك أيضا الذي يشارك في شركة أملاك، مثل شركة المضاربة، شركة المضاربة أيضا المضارب يعتبر أمينا؛ لأنه أعطاه صاحب المال هذا الحق، فأمنه في هذا المال يعمل به. فكل ذلك يعتبر من الأمانة. والأصل أن الأمين لا يضمن؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ما عَلَى المُحسِنينَ مِن سَبيلٍ﴾. لكنه إذا فرط أو تعدى ضمن. إذا كان هذا عن تفريط منه فهو ضامن. مثلا أن يكون إنسانا يعطى مالا، يقال له: هذا المال أمانة عنده، وديعة، فيقوم يضع هذا المال الذي هو ذهب أو فضة أو مال نقد، يضعه في غرفة استقبال الناس، يضعه في الغرفة ويرميه، فهذا لا شك أنه تفريط. فإذا سرق هذا المال فهو مسؤول عنه. وأما إذا كان أخذ هذا المال ووضعه في المكان الذي يوضع فيه المال غالبا، فهذا وإن سرق فإنه لا يضمن. قال: «وأن العدالة والكفاية شرط في الولايات، بل هي شرط في كل الأمور». العدالة لا بد منها في الولايات، أن يكون الولي عدلا، سواء كان ولي اليتيم أو ولي المرأة أو غيره. فإن كان مثلا ولي المرأة فاسقا شاربا للخمر، وأيضا بعيد عن الدين، فمثل هذا إذا كان مثلا لا يبالي بابنته، فإنه تسقط ولايته عند جمهور العلماء، وتحول إلى غيره من الأولياء. فلهذا لابد أن يكون عدلا، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ خَيرَ مَنِ استَأجَرتَ القَويُّ الأَمينُ﴾. تكون الأمين معنى العدل، عنده عدالة عنده دين. والولي ليس أنه مثلا كما قلنا شرطه أن يكون معروفا بالعدالة، لكن لا يكون ممن يعضل، ويكون أيضا كذلك ممن لا يبالي أن يزوج ابنته أو يزوج أخته من هو ليس بعدل، بل هو فاسق ظاهر فسقه. ومثل هذا ولايته ليست صحيحة، أن يأتي لها بالفاسقين. فالقاضي مثلا معناه ينزع ولايته. كذلك أيضا الولاية على اليتيم أيضا إذا كان هذا الولي فاسقا تسحب منه الولاية، أن ما يعطى ولاية يتيم أو غير ذلك من هذه الولايات، فلابد فيها من العدل. فهذه قاعدة من القواعد المهمة، يريد المؤلف رحمه الله أنها تعلم لطالب حتى يعرف مثل هذه القواعد فترسخ في ذهنه. قال: «وأن فرض الكفاية إذا فعله من يحصل به المطلوب سقط الحرج عن الباقين، وإلا أتموا كلهم بشرط الذي قدمناه». وأن من ملك عقد الإقرار به. فرض الكفاية إن شاء الله وتعالى نتركه في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.