الدرس في التعليق على شرح الورقات للشيخ العثيمين 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش مفهوم المجاز في اللغة والشرع وعلاقته بتأويل الصفات، ويبين أن القول بالمجاز أو عدمه لا يلزم منه تأويل الصفات أو عدمه. يشرح أنواع الحقائق اللغوية والشرعية والعرفية.
يناقش انتقاد استخدام المجاز في تفسير النصوص الدينية وتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، ويشير إلى أن المعنى الحقيقي للكلمة يتحدد بالسياق. يستدل على ذلك بأمثلة من القرآن الكريم واللغة العربية.
يتناول كيفية تأويل الحنفية لبعض الأحاديث النبوية لتتوافق مع مذهبهم، وانتقاد ابن القيم لتأويلاتهم ووصفها بالطاغوت. يشير إلى أن هناك أنواعًا أخرى من المجاز لم يذكرها المؤلف.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، آله وصحبه، وعلى ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المثال الثالث يقول: والغائط المنقول عن محله. وهذه المثلة، كما ذكرنا قبل، مثلة الحقيقة والمجاز، وفيها ثلاثة أحوال. والصحيح، كما رجحه الشيخ هنا، أنه ليس هناك مجاز في اللغة، ولا في الشرع. لا في اللغة ولا في الشرع. ولكن هناك تنبيه من ناحية أنه لا يلزم، مثلا، من القول بعدم المجاز عدم تأويل الصفات. وكما أنه أيضا لا يلزم القول بالمجاز تأويل الصفات. أنا ذكرنا أن هذا الباب دخل منه أهل الكلام بتأويل الصفات، لكن ليس معنى ذلك أن كل من يقول مثلا بالمجاز يؤول الصفات. لا، هناك من أهل السنة من قال بالمجاز. والعكس كذلك، هناك من لم يقل بالمجاز وهو يؤول الصفات. مثلا، كابن حزم، ابن حزم ينفي المجاز في القرآن واللغة، وكثير من الظاهرية، وتجدهم مؤولة للصفات. وبعض المؤولين للصفات، كبعض الأشاعرة مثلا، كأبي إسحاق الاسفرايني، وابن خويز من المالكية، وجماعة من علماء المذاهب، ممن بعضهم يكون مؤولا. كأبي إسحاق الاسفرايني، هذا من الأشاعرة، لكنه لا يقول بالمجاز. والشوكاني رحمه الله، في إرشاد الفحول، أنكر على أبي إسحاق الاسفرايني إنكاره للمجاز، وقال: هذا من لم يعرف القرآن واللغة. وهذا تحويل. أنا ذكر شوكاني بعض من يقول بعدم المجاز، وأنكر عليه. والشوكاني في كتبه القديمة كان يؤول الصفات، ثم بعد ذلك تراجع عن ذلك. لكن مسألة عدم القول بالمجاز، أو القول بالمجاز في القرآن أو في اللغة، لا يدل على أن من قاله فإنه مؤول، ومن لم يقل به فإنه ليس مؤولا. لا، لكن دخل به كثير من الجهمية والمعتزلة. دخلوا بهذا من ذلك المكان. وأيضا هناك مسألة أخرى في مسألة الحقائق. قلنا أن الحقائق ثلاثة: حقيقة شرعية، وحقيقة عرفية، وحقيقة لغوية. ولا شك أنها تقدم الحقيقة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية. لماذا؟ لأن اللغة هي الأصل، واللغة هي الأصل، والمنقول عن الأصل هو الذي يقدم. أنا كما هو معروف في القاعدة أن المنقول يقدم على الأصل. المنقول عن الأصل يقدم على الأصل، هذه قاعدة معروفة عند العلماء، هي قاعدة أصولية. ومنهم من يستخدمها أيضا في القواعد الفقهية. معنى المنقول عن الأصل مقدم على الأصل، لأن المنقول على الأصل حكم جديد، فلهذا فهو يقدم على الأصل. فلهذا قول جماهير أهل العلم، أو أهل الأصول، أن الحقيقة الشرعية أولا تقدم، ثم الحقيقة العرفية، ثم بعد ذلك الحقيقة اللغوية. ونقل هذا اللفظ من الحقيقة الشرعية، أو من الحقيقة اللغوية إلى الحقيقة الشرعية، هل له مناسبة أم نقل كلي؟ فبعض المبتدعة يقولون أنه نقل كلي. وغالبا هؤلاء الذين ينفون العلة في أفعال الله عز وجل. وإنما هو نقل لمناسبة. نقل لمناسبة، وإلا تجد أن الأصل أيضا له علاقة. غالبا تكون له علاقة. مثلا الصلاة، الصلاة صحيح أنها في الشرع أعمال مخصوصة، لكن تعتبر من الدعاء. ولهذا العلماء يقولون: هذه العبادات هي دعاء. العبادة دعاء. لماذا؟ لأن الإنسان يعمل هذه الأشياء لأجل أن يتقبلها الله عز وجل منه، كأنه يعمل ويقول: اللهم تقبل منه هذا العمل. فهو ترجع إلى الدعاء. فلهذا قالوا: هناك علاقة بين الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية. فانتقال اللفظ من الحقيقة اللغوية إلى الشرعية، أو إلى العرفية، له مناسبة. وكذلك له علاقة. وهنا الآن ذكر المؤلف رحمه الله المثال الثالث الذي ذكره، وهو في المجاز بالنقل. المجاز بالنقل، قالوا: الغائط المنقول عن محله. وأيضا هناك أمر مهم حصل فيه خلاف بين أهل السنة وبين المبتدعة، وهي مسألة: مسألة معنى كلهم اتفقوا على أن لكل حقيقة مجاز. هم يقولون لكل حقيقة مجاز. معنى الذين يقولون بالمجاز. لكن اختلفوا: هل لكل مجاز حقيقة؟ هل لكل مجاز حقيقة ترجع إليه؟ فكثير المبتدع يقولون: لا، لا يلزم أن يكون له حقيقة. معنى أنهم أرادوا أن يدخلوا في الصفات والأسماء ويؤولوها، لأنها ليس لها أصل. مثلا اسم الرحمن، هل لهذا الاسم أصل من قبل؟ معنى فلم يسمى الرحمن إلا الله عز وجل. فقولهم مثلا: أنه قد يكون له مجاز. الاسم الذي ليس له أصل في الحقيقة، معنى ما يرجع إلى حقيقة له مجاز، ولا يرجع إلى حقيقة. وهذا كلام غير صحيح. معنى ولهذا دخلوا في تأويل الصفات بسبب هذا. معنى يؤولون الصفات. وإذا نقلت هذا المعنى قلت لهم: أين حقيقة هذا اللفظ حتى تقولون مثلا أنه مجاز؟ فيقولون: لا، ما في حقيقة له، هو مجاز. فهذا كلام غير صحيح، كلام باطل. ولهذا ذهب كثير من أهل السنة، كما قرروا، أن لكل مجاز حقيقة. يعني إذا قلت بالمجاز، لأن المجاز فرع، فإذا كان فرع لابد أن نرجع إلى أصل. فكيف لا ترجعونه إلى أصل؟ فهذه نقطة مهمة في هذا الباب. فالمثال الثالث قال: والغائط المنقول عن محله. الغائط أصله الموضع المطمئن، لكن صار حقيقة بالخارج من الدبر. ولا يمكن لأحد أن يفهم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تستقبل قبلة ببول ولا بغائط، يعني لا تجعل المنخفض من الأرض أمامك. لا أحد يقول بهذا. فهو حقيقة شرعية، وأنشئت فقل عرفية في الشيء الخارج من الدبر. لأن الشرع سماه غائطا، ولأن الناس في العرف أيضا يسمونه غائطا. قال: ولا يمكن لأحد أن يقول له: أين فلان؟ قال: ذهب إلى الغائط، أن يظن أنه إلى حفرة من حفر الأرض. وهذا ممتنع في الأصل. لأن الآن المجاز يقولون: إيش اللفظ المستعمل في غير موضعه؟ فإذا كان مستعملا في غير موضعه، فلابد أولا أن يحمل على اللفظ المستعمل. فإن دلت قرينة على أنه ليس مستعملا، صرف هذا اللفظ. لكن الآن أين القرينة التي تدل على أنه أن هذا اللفظ استعمل في غير الموضع؟ أين هذه القرينة؟ والآن عندنا أنه بالشرع استعمل الغائط: لا تستقبل قبلة ببول ولا بغائط. واستعمل كذلك في العرف. فأين هذا الاستعمال الذي استعمل في غير موضعه؟ ليس هناك شيء. هذه الكلمة لم تستعمل في غير موضعه، بل هذا موظةها الذي عرف في الشرع، وعرف في اللغة، وفي أيضا كذلك العرف. طيب قال: فلهذا، كما قلنا من قبل، أنه ليس هناك دليل مع هؤلاء الذين يقولون بالمجاز أن هذه الكلمة استعملت كذا، ثم استعملت كذا. لا يستطيع أحد أن يثبت أن العرب أولا قالوا: الغائط هو المنخفض من الأرض، ثم بعد ذلك أطلقوا عليه هذا. تخرص فقط، واستنتاج. مثلا أيضا كذلك أيضا مثل مثلا كلمة: قلنا الضعينة. الضعينة قالوا: أن المراد بالضعينة هي الناقة التي يحمل عليها الهودج، ثم سميت المرأة بذلك، لأنها هي التي تطلع الهودج في هذه الضعينة. فسميت المرأة بالضعينة. وهذا ثم هنا كأنه هناك ترتيب. لكن من أين لهم هذا الترتيب؟ أن العرب كانت تسمي الناقة الضعينة، ثم سمت المرأة الضعينة. فجاء أيضا في الشرع أن المرأة تسمى ضعينة. وترى الضعينة تمشي من الحيرة إلى مكة. حديث عدي بن حاتم: قالت: وترى الضعينة. فدل على أنها استعملت أيضا في الشرع، واستعملت أيضا كذلك في العرف. معنى العرب يقولون للمرأة ضعينة. فلهذا فليس لأهل المجاز دليل على هذا. فقولهم مثلا: استعمل في غير موضع، هذا تخرص. لأنه ما ندري قد يكون أيضا أن الناس كانوا يستعملون هذا، ثم استعملوا المنخفض. معنى معنى ممكن نعكس. إيش الذي يمنع؟ لو قلنا مثلا: الغائط هذا هو أصل، وهو خروج. هذا معنى خروج، أو قضاء الحاجة. وسمي المنخفض من الأرض غائطا، لأن الناس يبحثون إذا أراد أن يقضي حاجته، بحث على المنخفض من الأرض. فما الذي سيعارض في هذا؟ نفس النتيجة، ومعناه ممكن أن تكون هذه أصح. أيضا هذه أصح. فلهذا فقولهم: أن هذا كانوا يطلقون، ثم فعلوا كذا، هذا أو ثم قالوا كذا، هذا ليس صحيحا. وهم أرادوا أن يدللوا على هذا المجاز، وأن الكلمة نقلت من اللفظ الأصلي المستعمل إلى لفظ غير. أو اللفظ إلى وضع غير مستعمل. وهذا كلام غير صحيح. بل هذا مستعمل، وهذا مستعمل، وهذا أصل، وهذا أصل، وهذه حقيقة، وهذه حقيقة أيضا. قال: المثال الرابع. طيب قال: حتى كلمة يقضي حاجته استعملت في أكثر من معنى، ويعين ذلك السياق. فأحيانا يكون المراد: يقضي حاجته، يأتي أهله. وأحيانا يكون المراد: يقضي حاجته، يبول أو يتغوط. وأحيانا يكون المراد: يقضي حاجته، يشتري طعاما من السوق. ويعين ذلك كله السياق. معنى لو قال الإنسان: ذهب فلان إلى السوق ليقضي حاجته، هل ليقضي حاجته؟ لا يقدر حاجته. معنى يأتي بملازمه من الطعام أو الشراب أو اللباس، فيفهم على السياق. ومسألة معنى فهم الكلام بسياقه، لا يدل على أنه وضع في غير موضعه. لا يدل على أنه وضع في غير موضعه. وأن هذا حقيقة، وهذا مجاز. فطيب الآن لو قلنا مثلا: إيش معنى يقضي حاجته؟ قضاء الحاجة. فإن قالوا مثلا: أن الأصل أن قضاء الحاجة هو الذهاب إلى الخلاء. طيب من أين لكم هذا؟ الآن عندما يأتي قضاء الحاجة، ما تستطيع أن تميز بين مثلا قضاء الحاجة الذي هو معناه قضاء حاجة من السوق، أو مثلا قضاء حاجة مثلا من قضاء حاجة له خاصة، معناه لأهله، أو كذا. مثلا يقول: قضاء حاجته، إنسان قضاء حاجته. هذا كلام قد ما يستطيع الإنسان أن يميز: أيش قضاء حاجته معناه؟ قضاء حاجة أهله، قضاء معناه له حاجة قضاها. فلهذا كما قلنا: أحيانا ما يعرف إلا بالسياق. بالسياق الكلام. وهذا لا يدل على تقديم وضع على وضع. قال: المثال الرابع، قوله: يريد أن ينقض. قالوا: الجدار لا يريد. فنحن نقول لهم: أنتم أعلم بخلق الله أم الله؟ إن قالوا: نحن أعلم، كفروا. وإن قالوا: الله أعلم، قلنا: الله أثبت إرادة للجدار. كيف أنتم تقولون: لا؟ ثم نقول لهم: أوليس الحجر قد هرب بثوب موسى عليه الصلاة والسلام؟ ولهذا لأنهم يعتقدون أن الجماد لا إرادة له. فبعض الباطنية والفلاسفة لما ألجمهم بعض المعتزلة أو بعض أهل السنة، فقال لهم: أنتم الآن تقولون: أن الإله لا له صفات، ولا أسماء. فكيف تثبتون وجوده؟ كيف تثبتون وجوده؟ فالجهمية قالوا: وجوده إنما نثبته بالعقل، لأنه لابد من وجود إله. فإثبات وجوده بالعقل. طيب ليش أن نفيتم الصفات؟ قالوا: لأن العقل لا يستلزم الصفات، لأنه إذا وجدت له صفات فهو مخلوق، أو يشابه المخلوق. الأشاعرة قالوا: نحن أثبتنا هذه الصفات بالعقل. السبع الصفات، قالوا: أثبتناها بالعقل. المعتزلة قالوا: نحن أثبتنا الأسماء بالعقل، ونفينا الصفات بالعقل. فلهذا قال شيخ الإسلام: بأي عقل نحكم؟ بعقل من نحكم؟ بعقل الباطنية والفلاسفة، أو بعقل الجهمية، أو بعقل المعتزلة، وبعقل الأشاعرة؟ والعجيب أن كلهم يقولون: هذا مضطرد بالعقل، وهذا بإجماع أهل العقل. طيب أي عقول هذه نحكم بها في هذا المجال؟ ولهذا الفلاسفة، لأنهم غالبهم كفار، قالوا: لا نقول: لا موجود، ولا معدوم. جمعوا بين النقيضين. هم أرادوا أن يفروا، فقالوا: لا موجود، ولا معدوم. ثم شبهوا الله عز وجل بالجمادات. قالوا: مثل الجدار، الجدار موجود، ولا موجود، لأنه ليست له إرادة. هكذا يقولون. وهذا كذب، ونفي عن الجدار الإرادة أيضا خطأ، وتشبيه الله عز وجل بالجمادات، هذه جريمة. فلهذا وقعوا في هذه الجريمة، أرادوا أن يفروا من شيء، وهو إثبات وجوده، فقالوا: لا موجود، ولا معدوم. وقد رد عليهم شيخ الإسلام ردًا وافيًا في كتابه: درء التعارض بين العقل والنقل. وكذلك رد مختصر له في كتابه: التدمرية. قال: ثم نقول لهم: أوليس الحجر قد هرب بثوب موسى عليه الصلاة والسلام؟ فمن الذي أرغمه؟ أو هو أراد؟ الجواب: هو أراد. ولهذا جعل موسى يضربه وينادي: ثوب حجر. إذن له إرادة. وكذلك أيضا نقول لهم: إن الله عز وجل يقول: ﴿تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾. أي يسبح بإرادة، أو بغير إرادة؟ لو كان بغير إرادة، فلا مدح له، ولا يمدح من يفعل بغير إرادة. فلهذا فالجمادات لها إرادة. ومن أين سيأتي التسبيح إذا لم تكن لها إرادة؟ فقوله جل وعلا: أراد أن ينقض، يعني أنه له إرادة. أراد أن يسقط، مثل الإنسان. مثلا أحيانا بدون إرادته يسقط، فهل يصح يقال مثلا: أراد أن يسقط؟ نعم، يقوله الناس. وفي اللغة مثلا: فلان أراد أن يسقط نفسه، يخرج مثلا وهو متعب، أو يقوله: أراد أن يسقط، وهو لم يتعمد السقوط، وإنما قد إن سقط فهو بدون شعور، وبدون أنه يريد ذلك. وتسمى كذلك إرادة. فالإرادة هو كل ما يفعل، ما يفعل إلا بإرادة. ولهذا قرر شيخ الإسلام أن كل أفعال الناس فيها إرادات. قالوا: كذلك أيضا نقول لهم: إن الله عز وجل يقول: ﴿تسبح له السماوات السبع والأرض﴾. قال: إذن هذه المخلوقات العظيمة لها إرادة. لكن لا نفهم نحن إرادتها، يفهمها من يعلمها، وهو الله، ويخبرنا عنها. فانظر إلى ذاك الجذع الذي حن. جذع شجرة وحن وأخرج صوتا. فهذا يدل على أن له إرادة. حجر يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا قالوا: ها هو النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أحد جبل يحبنا ونحبه». أهل المجاز يقولون: في هذا الحديث كيف لا يحبنا ولا نحبه؟ لأنه حجر جماد، كيف يحبه ونحن لا نحبه؟ لأننا لا نحب إلا الذي يماثلنا. نحب الزوجة، لا بأس. قالوا: بهذا يتبين ضعف هذه الأقوال، وأنها محدثة. فإن الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين رحمهم الله، لم يتكلموا بالمجاز، ولم يقسموا الكلام إلى هذه التقسيمات. فهم يفهمون من المتكلم مراده بمقتضى سياق كلامه. وأول من قال بالمجاز هم الجهمية. فليس هناك مجاز. لكن إذا قال قائل: ما تقول في قول الإمام أحمد؟ وهو ذاك الرجل، لما قيل له: إن الله يقول: «إنا نحن نزلنا» وأشباهها. وهذه تدل على الجمع، والله واحد أحد. قال: هذا من مجاز الكلام، من مجاز الكلام. قال: فقد استدل الذين يقولون أن الكلام ينقسم إلى حقيقة ومجاز بهذه الكلمة من الإمام أحمد. ولهذا تجد أنهم يقولون: فقال بالمجازة لأئمة الأربعة. وهي معناه مثلا لأئمة الثلاثة، ورواية عن أحمد. مع أن هذا الكلام غير صحيح. لم يقول أحمد في شيء من الكلام أنه يقول بالمجاز. ولا لأئمة الأربعة. ليس في كلام الشافعي أبدا شيء مما يدل على هذا. وأما قول أبي عبيدة معمر: مجاز القرآن، فهو مما تجوزه اللغة، ليس مجاز معناه أنه على ما يستعملونه أو لا. وإن حصل ذلك من معمر، فمعمر معتزلي. أبو عبيدة معمر مثنى، عنده اعتزال. فلكن لم يقصد مجاز القرآن أي هذا الذي يقصده المتأخرون. قالوا: يجاب عن ذلك بأنهم لم يفهموا مراده. فمعنى قوله: مجاز الكلام، يعني مما يجوزه الكلام. وليس من باب المجاز الذي هو ضد الحقيقة. فالمعنى أنه يجوز في الكلام أن ينزل الإنسان نفسه منزلة الجمع، بناء على التعظيم. فهو أسلوب من أساليب العرب، ومما تجوزته اللغة. فالله تعالى لا شك أنه أعظم من كل شيء، ونزل نفسه منزلة الجماعة، لأنه عظيم عز وجل. فلذلك نقول: إنه لا دلالة في كلام الإمام أحمد رحمه الله على تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز. قالوا: خلاصة القول: أننا نرى أن اللغة لا تنقسم إلى مجاز وحقيقة. لأننا نرى أن الذي يعين المعنى هو السياق. أما اللفظ المجرد، والكلمة المجردة، فلا معنى لها إلا بسياقها. ولهذا تكون هذه الكلمة في سياق لها معنى، وفي سياق آخر لها معنى آخر. مثل ما ذكر في قضاء الحاجة. مثال ذلك: رجل قال: أنا عندي عين منقودة. وقال الآخر: أنا عندي عين جارية. وقال الثالث: أنا عندي عين ترى البعيد. فكلها عين. أو يقول مثلا إنسان أيضا: أنا عين من عيون الدولة. أنا عين من عيون الدولة. أو هذا عين من عيون الأعداء. معنى عين هنا أيضا تدخل في هذا. معنى أنا أحفظ مثلا. وقال: أنا عين من عيون الدولة، أنا أحافظ على ممتلكات الدولة على كذا. وإذا قال: هذا عين أو عين من عيون الأعداء، معنى أنه جاسوس. أو يقولون مثلا: هذا عين لفلان، هذا عين لكذا. أو أصيب أيضا بالعين. كل هذا معنى استعملت العين، وكلها بمعنى آخر. معنى آخر. فهل نقول مثلا: المراد بالعين الأصل هي التي تنظر؟ وهذا كله مجاز؟ فهذا بعيد. قال: فكلها عين، وكل الأمثلة الثلاثة مختلفة. وما الذي جعلها مختلفة؟ الجواب: السياق. والغريب أن القائلين بالمجاز يرون أن هذه الكلمة مستعملة في حقيقتها في كل السياقات الثلاثة الماضية. لم يقولوا أن هذا في استعمال غير الحقيقة. لأن العرب أكثرت من هذا. أنا يقول: هذا عين، وهذا مثلا. معنى العين معنى نفس الشيء. فيعين فيقال: هذا عين، وهذا غائب. أنا الشيء الغائب غائب، والشيء الحاضر يقوله العين. كذلك مثلا النقد، النقد يقوله العين، والآجل. معنى معنى الغائب، العاجل إما نقد. معنى يقول: عين منقودة، أو مؤجلة. قال: فنقول: الأول أنا عندي عين منقودة، المراد الذهب، لأنه منقود. وقول الثاني: أنا عندي عين جارية، المراد الماء. وقول الثالث: أنا عندي عين ترى البعيد، المراد العين الباصرة. وكلها مستعملة في حقيقتها. والذي عين المعنى هو السياق. ولهذا بعض الناس يقول: كيف يقول شيخ الإسلام رحمه الله: وهو ذاك الرجل الفاهم، ليس فيه مجاز؟ وكيف يجيب عن الآية: «يريد أن يقضي»؟ وكيف يجيب عن الآية: «واخفض له ما جناح الذل من الرحمة»؟ وما أشبه ذلك؟ قال: وهو يقول: أنا أقول: إن حقيقة الكلام هو ما دل عليه الكلام في سياقه. فإذا دل الكلام على شيء في سياقه، فهذا حقيقة. أنا ليس لفظ مستعمل في غير موضع، بل هو حقيقة. لأن السياق دل عليه. ولهذا إذا أردت أن تصرف المعنى الذي دل عليه السياق إلى معنى آخر، قال لك الناس: هذا خطأ، خالفت الظاهر. مثلا لو قال مثلا: هذا يريد أن ينقض، فأقام. أو مثلا مثلا العين، لو قال مثلا: هذه عين منقودة، هي معنى عين باصرة. عين منقودة باصرة. فهذا سيكون خطأ. أو لو فسر مثلا العين هنا، فقال: هذه العين المراد بها التي تبصر. فيقال أيضا: هذا خطأ أيضا. لما قال الله عز وجل: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾. النظر هنا عدي بإلى. وغالبا إذا عدي بإلى، فالمراد به نظر الحقيقي، نظر العين. فقالوا: هنا العين ليست المراد بالنظر هنا، ليست النظر، وإنما النظر إلى رحمته، نظر إلى كذا. من أين لكم هذا؟ فالآن السياق ما يدل عليه، يدل على أنه ينظر إلى الله. ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾. فلهذا فهم يقعون في التناقض بسبب هذا. قال: ثم قولهم: إن المجاز هو الذي يتبادر خلافه لولا القرينة. نقول: هذه القرينة جعلها حقيقة. ثم إن المجاز توصل به إلى معان باطلة، أو توصل به إلى معان باطلة. فقد توصل به إلى نفي الصفات لله عز وجل. وتوصل به إلى إبطال إحكام شرعية فقهية، حيث حملت على المجاز. فصار فتح باب للشر. وهذا نفي الصفات واضح. وتوصل به إلى إبطال إحكام شرعية فقهية. مثل ما قلنا في نفي الصفات. أو حتى في العبادات، أن بعضهم بعض الآن كما قلنا: القبورية يقولون: إذا جاء العبد أو الشخص إلى القبر، فقال: يا فلان، هب لي ولدا، أو اجعل زوجتي تلد. فقالوا: هذا مجاز عقلي. هذا مجاز عقلي. لا يمكن أن الإنسان يطلب من غير الله. هكذا يقول بعض القبورية الآن. قالوا: لا يمكن أن يطلب العبد من غير الله. لكن الأصل أنه يطلب من هذا، يريد منه أن يدعو الله. أنه طيب ليش يخاطبه؟ معنى إذا أراد أن يدعو الله، سيقول: يا فلان ادعو الله لي أن أرزق بولد. لماذا يقول: يا فلان؟ معنى أعطيني ولدا. أو يفعل مثل ما بعض القبورية يفعلون: إذا جاء المرأة تريد ولدا أو كذا، ترمي بخيط. وبعضهم يرمون بورق يدخلونه في مكان القبر. وبل بعضهم تطلع في القبر المرأة لأجل أن تلد. فهذا كله باطل. فهذا كله يدل على أنهم أرادوا من هذا صاحب القبر. ولو كانوا لا يريدون من صاحب القبر، لقالوا: يا فلان ادعو الله لنا بكذا. ادعو الله لنا بكذا. لكنهم الآن يطلبون منه. وأيضا كذلك قال: أيضا إلى إبطال أحكام شرعية فقهية. هذا كثير في مذهب الحنفية، وفي غيره. يؤولون الأحاديث على غير تأويلها. يقولون: هذا ليس المراد كذا، بل يحاولون أن يتعسفوا ويقولون: معناه أن هذا يخالف العقل. مثلا في بعض الحنفية، عندما يعلم الإنسان الحديث، مثلا: «يقشطون السنام شطونا حتى يخرج الدم». فهذا جاء في الشرع. فالحنفية قالوا: لا، هذا مثلا وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم التقليد. وكذا فتأولوا إلى غير ما جاء. والمهم أشياء كثيرة يتأولونها، لأجل أن تسير على مذهبهم. قالوا: لذلك سماه ابن القيم رحمه الله في «النونية»: الطاغوت. لأنه استعمل لإماطة الحقائق الشرعية. وكذلك ما قلنا في الصواعب. قال: وليعلم أن هذه الأنواع الأربعة التي ذكرها المؤلف رحمه الله، ليست هي كل مجاز. فالمجاز له أنواع كثيرة ذكرها في كتب البلاغة.