الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
اختلف العلماء حول نسخ آية "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه". الجمهور ذهب إلى النسخ بينما رأى البعض أنها محكمة.
تناول المقطع آراء العلماء حول قتال المشركين في الأشهر الحرم، حيث يرى ابن جرير النسخ مستدلاً ببيعة الرضوان. بعض العلماء أيدوا هذا الرأي بينما رأى آخرون أن النبي لم يغزُ إلا إذا بدأ الكفار القتال.
يناقش تحريم ابتداء القتال في الأشهر الحرم واستثناء استدامة القتال الذي بدأ قبلها، مستدلاً بالأحاديث والآيات. آراء العلماء مثل الشوكاني وابن القيم تطرقت لذلك.
المقطع الأخير تضمن الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه. هذا الدعاء من السنن المستحبة في الإسلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام السيوطي رحمه الله في منظومته في الناسخ والمنسوخ: «من القرآن وحق تقوى فيما صح من أثر، وفي الحرام قتال للأولي كفر، والاعتداد بحول مع وصيتها، وأن يدان حديث النفس والفكر». قال الشارح -حفظه الله- قوله: «وفي الحرام قتال للأولي كفر»، قال: يريد قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾. اختلف العلماء هل هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وقوله: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾، أم هي محكمة؟ الآن قول الله عز وجل: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾، يعني أن هذه الآية فيها إباحة قتال المشركين والكفار في الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. والآيات الأخرى فيها الأمر بقتال المشركين مطلقا، حيث وجدوا، وفي أي زمان لقوا المؤمنون. ﴿وقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وهكذا أيضا ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾. الآية هذه فيها تحريم القتال في الأشهر الحرم: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾، يعني قتال في الشهر الحرام أمر كبير وذنب عظيم. ثم الآيات الأخرى فيها إباحة قتال المشركين على جهة العموم والإطلاق، حيث وجدتموهم، يعني في أي مكان وفي أي زمان، ولو كان ذلك في الشهر الحرام. وهكذا أيضا ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾. فهنا وقع الخلاف بين أهل العلم: هل الآية هذه التي فيها النهي عن قتال الكفار في الأشهر الحرم منسوخة أم هي محكمة؟ قال: ذهب إلى النسخ عطاء وميسرة والزهري، كما ذكر ابن جرير في تفسيره. ونسب القرطبي هذا القول إلى الجمهور، يعني القول بالنسخ، وأن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرم منسوخ بالآيات التي فيها الأمر بقتال المشركين على جهة الإطلاق. قالوا: ذهب إلى عدم النسخ، وأنها محكمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم، عطاء. ورجح ابن جرير القول الأول، يعني القول بالنسخ. وقال: وإنما قلنا ذلك ناسخ لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غزا هوازن بحنين، وثقيفا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس لحرب من بها من المشركين في بعض الأشهر الحرم، وذلك في شوال وبعض ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم. فكان معلوما بذلك أنه لو كان القتال فيهن حراما وفيه معصية، كان أبعد الناس من فعله، كان أبعد الناس من فعله صلى الله عليه وسلم. يعني من أن يفعل ذلك. قال: وأخرى أن جميع أهل العلم بسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتدافعون أن بيعة الرضوان على قتال قريش كانت في أول ذي القعدة، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما دعا أصحابه إليها يومئذ لأنه بلغه أن عثمان بن عفان قتله المشركون، إذ أرسله إليهم بما أرسله به من الرسالة، يعني في صلح الحديبية حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم عثمان إلى المشركين ليكلمهم ويناظرهم في أمر الصلح والإذن بالعمرة، فجاء الخبر أن عثمان قتل. فبايع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بيعة الرضوان على القتال والأخذ بدم عثمان رضي الله عنه. قال: فبايع صلى الله عليه وسلم إلى أن يناجز القوم الحرب ويحاربهم، حتى رجع عثمان بالرسالة وجرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش الصلح، فكف عن حربهم حينئذ وقتالهم، وكان ذلك في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم. انتهى كلامه رحمه الله. فبهذا سلك الإمام ابن جرير رحمه الله على نسخ النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرم، بوقوع مثل هذه الوقائع والغزوات، وبعضها في ذي القعدة. وهكذا أيضا بيعة الرضوان والعزم على قتال المشركين للأخذ بدم عثمان، وكان ذلك في ذي القعدة، وذي القعدة من أشهر الحرم. قال: ورجح قول عطاء، ورجح قول عطاء بعض المتأخرين، كما قال ابن رجب في لطائف المعارف، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وهي من سورة التوبة، وهي من آخر ما نزل من القرآن، من أواخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من قرآن سورة التوبة. ولهذا كان الصحابة في مسألة التيمم -نعم- كان أو مسألة المسح على الخفين، كان يعجبهم حديث جرير لأنه ممن أسلم بعد نزول سورة التوبة، ورووا عن النبي عليه الصلاة والسلام المسح على الخفين. قال: وما ثبت في مسند الإمام أحمد بسند حسن، عن جابر رضي الله عنه قال: «لم يكن رسول الله يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزو فيغزو، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ». لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يغزو في الشهر الحرام، يعني يدلل أن الحكم باق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقاتل في الأشهر الحرم إلا أن يغزو، يعني يبتدئ الكفار القتال في الشهر الحرام فيغزو، من باب: ﴿وإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾، وهكذا أيضا: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾. أما أن يبتدئ القتال في الشهر الحرام، فهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وأما ما ذكره ابن جرير من قتال أهل الطائف، فلم يكن ابتداء القتال في ذي القعدة، بل في شوال، ثم استمر في بعض ذي القعدة. وفرق بين ابتداء القتال وبين استدامته. والقاعدة عند أهل العلم أن الاستدامة أقوى من الابتداء. هذه قاعدة شرعية: أن الحكم يختلف فيما إذا كان فعله ابتداء، وفيما إذا كان فعله على جهة الاستدامة والاستمرار. مثال ذلك: الطيب للمحرم حال الإحرام ممنوع، محرم، لا يجوز للمحرم أن يتطيب. لكن لو تطيب قبل الإحرام في بدنه، في رأسه، ثم بعد الإحرام ما زال أثر الطيب موجود، هل هذا جائز؟ الجواب: نعم، لأن هذا من باب الاستدامة، ليس من باب الابتداء. فاستدامة الطيب بعد الإحرام لا يضر. أما فعله في أثناء الإحرام، هذا ممنوع. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يتطيب قبل الإحرام، ويرى أثر الطيب في مفرق رأسه عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضا النكاح حال الإحرام لا يجوز. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح المحرم ولا ينكح»، يعني ابتداء النكاح ممنوع. لكن استدامة النكاح هذا لا يضر حال الإحرام. لو أن رجلا طلق امرأته طلاقا رجعيا، ثم في أثناء الإحرام وهو محرم أراد أن يراجعها، هل له ذلك؟ الجواب: نعم، لأن هذا استدامة للنكاح، وليس ابتداء. وإنما الممنوع هو ابتداء النكاح. إذن الحكم يختلف بين ابتداء الشيء وبين استدامته واستمراره. فما حصل من قتال النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الطائف لم يكن ابتداء في ذي القعدة، وإنما كان في شوال، ثم استمر القتال إلى أن دخل شهر ذي القعدة، فكان استمرار القتال من باب الاستدامة، لا من باب الابتداء. قال: وقد ذكر بعضهم أنه حاصر الطائف في شوال، فلما دخل ذو القعدة لم يقاتل، بل صابرهم ثم رجع، كما ذكر من رجع، يعني ذكر بعضهم -كما ذكر من رجع- أنه لم يحصل قتال أصلا في ذي القعدة، وإنما حصل حصار فقط، ثم رجع ولم يقاتلهم عليه الصلاة والسلام. قالوا: أما المبايعة على قتال المشركين حين بلغه قتل عثمان رضي الله عنه، فهو لابتداء الكفار بالقتل، فهو من باب قول الله عز وجل: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾، أي من باب معاملة الكفار بنحو عملهم، هم ابتدأوا القتال، إذن يقاتلون. الله عز وجل أباح لنا أن نقاتل الكفار إن قاتلونا: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾. فلو أن الكفار هجموا على المسلمين في شهر حرام، هل ينظر المسلمون إليهم يقولون: الله ما يجوز القتال؟ لا يقاتلونهم، يدافعون عن أنفسهم وعن دينهم وعن أرضهم، وهذا من باب ماذا؟ رد الرد على هؤلاء الكفار، ودفع اعتدائهم، وهم الذين ابتدأوا، فالإثم عليهم. وهكذا أيضا قول الله عز وجل: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾. قال: فلما بلغه أنه لا حقيقة له، كف عن قتالهم، يعني ما استمر النبي صلى الله عليه وسلم في العزم على قتال المشركين، لكن لما علم وتبين أن عثمان لم يقتل، وأن هذه شائعة كاذبة، ترك العزم على قتالهم. قالوا: بهذا يجمع بين الأدلة، وهذا القول هو الأقرب، والله أعلم. وهذا ما رجحه الإمام الشوكاني في تفسيره، وقال: هي محكمة، لأن القتال مقيد بانسلاخ الأشهر الحرم، فإذا انسلخت الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين. قالوا: أما استدلالهم بقتال الصحابة وفتح البلاد، ولم يأت أن أحدا منهم توقف في الأشهر الحرم، فلا دليل في ذلك. ولعل قتالهم في الأشهر الحرم إن ثبت كان من باب الاستدامة لا الابتداء، والله أعلم. وهذا ما رجحه ابن القيم، كما في كتابه زاد المعاد، يعني أن الآية محكمة وليست منسوخة، وأنه لا يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم. وما روي من أخبار عن النبي عليه الصلاة والسلام -كما سمعنا- أنه قاتل المشركين في الأشهر الحرم، فهو محمول على الاستدامة والاستمرار، وأن ابتداء القتال كان قبل الشهر الحرام، ثم استمر في أثناء الشهر الحرام. طيب هذا الأرجح، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.