التعليق على نظم الورقات 2

الدرس في التعليق على نظم الورقات 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في علم أصول الفقه وتاريخه وأهمية التدرج في التعلم

هذا الفصل يتناول تعريف علم أصول الفقه وتأسيسه على يد الإمام الشافعي، ويشدد على أهمية التدرج في تعلم العلوم الشرعية. يبين أن العلماء تابعوا الشافعي في التدوين وتصنيف الكتب.

أهمية الكتب الميسرة في طلب العلم

يؤكد هذا الفصل على أهمية البدء بالكتب الصغيرة والميسرة في طلب العلم لأنها تسهل الفهم وتوفر خلاصة المسائل. يضرب مثالاً بكتاب 'الورقات' للإمام الجويني.

نظم الورقات وتسهيل حفظه وطلب التوفيق من الله

هذا الفصل يشرح سبب نظم الورقات لتسهيل حفظه وفهمه، ويبين أن النظم في بحر الرجز يسهل الحفظ. كما يطلب الشاعر التوفيق من الله في هذا العمل، ويرجو أن ينفع الله به في الدارين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: أن هذا العلم يبحث بطرق الاستنباط من الأدلة، وموضوعه المسائل العملية الفقهية. وأما واضعه، فهو الإمام الشافعي رحمه الله، هو أول من وضع تصنيفا في هذا الكتاب، أو صنف بعض ما يذكر في هذا العلم. وإلا قد يكون مثلا هذا العلم موجودا قبل الإمام الشافعي، حتى قال بعض العلماء: إنه مثلا عن النبي عليه الصلاة والسلام مما يدل على الاستنباط من أصول، فهو مثل أصول. فهناك النبي عليه الصلاة والسلام أحيانا يستنبط حكما ويوافقه الله عز وجل على ذلك، أو كذلك بعض الصحابة، مثل ما قال عمر رضي الله عنه لعلمائه الذين يستنبطونه منه، قال: أنا من هؤلاء. وقد كان عمر رضي الله عنه ملهمًا، فكان يقول الشيء يوافقه الله عز وجل على ذلك. من ذلك ما كان في العسرة، ومن ذلك أيضا قوله: «عسى ربه أنطلق» كنا يبدله أزواج الخير من كن. وأيضا في آية الحجاب، وغيرها من الآيات التي وافقت فيها كلام عمر القرآن، أنزل القرآن بموافقة كلام عمر رضي الله عنه. وهذا يعتبر من الاستنباط. وقوله: وتابعته الناس، المراد بالناس من أهل العلم الذين اعتنوا بعلم الأصول، تابعوا الشافعي رحمه الله في التدوين، وصنفوا كتبا كثيرة، ونظموا منظومات، ونثروا أيضا من المنثورات شيئا كثيرا في هذا العلم، حتى قال هنا المؤلف: حتى صار ما ألفوه وكتبوه كتبا كثيرة. قوله: حتى صار كتبا، صغار الحجم أو كبار، فممكن أن يكون كما قلنا على جاء بها على الوزن، وممكن أنها لأجل أنها لغة أخرى. وهذا أولا. وقوله هنا: كتبا صغار الحجم أو كبار، معنى ما ألفه العلماء من الكتب التي ألفوا في هذا العلم، منها ما هو كبار، ومنها ما هو صغار. والواجب على طالب العلم أنه يتدرج في هذه العلوم، فإن العبد أو الطالب العلم إذا أخذ العلم من فوق، فإنه غالبا لا يفلح فيه، وإنما يأخذه بالتدريج. وهذا الذي فسره بعض العلماء، فسر قول الله عز وجل: ﴿ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾، أي يدرسوا الأول فالأول. فلهذا يتدرج طالب العلم في العلوم. ومن أخذ العلوم جملة، فاتته جملة، لكن يأخذها شيئا فشيئا. ومن بدأ بالكبار قبل الصغار، لم يدقن العلم، وفاته كثير من الأشياء. ولهذا بتجربة أهل العلم في صدد هذا الباب أو العلم، ألفوا كتبا صغارا، ليس لأجل أنهم لا يستطيعون أن يؤلفوا كبارا، لا، وإنما ألفوها لتسهيل العلم. فهذا الجويني صاحب الورقات، ألف في أصول فقه كتبا كثيرة، منها ما هو صغير، ومنها ما هو كبير. فهذه الصغار لأجل أن تحفظ وتفهم فيها خلاصة العلم، فتجد أنهم يأتون بمبادئ العلم والمسائل التي ينبغي أن يعرفها طالب العلم في بداية طلبه لهذا العلم. فلهذا يأتون بذكر المسائل أو خلاصة المسائل التي تذكر في هذا العلم، ويأتون بها على عرضا سهل، حتى يكون يستطيع طالب العلم أن يتقن هذا العلم. وثم قال: وخير كتبه، يعني خير كتب هذه الأصول أو علم أصول الفقه، أنا خير ما ألف في هذا العلم هذا الكتاب الصغير الورقات. والورقات جمع قلة، هو جمع مؤنث سالم، لكنه جمع قلة، أي ورقات معدودة، فهي كثيرة المعاني مع كونها قليلة المباني، وألفاظها قليلة يسيرة، لكنها اجتمعت على معاني كبيرة جدا، وعلى معاني جليلة. فقد تكون مسألة واحدة من هذه المسائل أو أصل من هذه الأصول يدور عليه أكثر من مئة مسألة، يدور عليه أكثر من مئة مسألة. وهذا مما وفق الله عز وجل به أهل العلم في تسهيل العلم، فجعلوا الرجل يحكم على مئة مسألة بقاعدة معينة، يأخذ قاعدة، فهذه القاعدة تجعله يحكم على مسائل كثيرة. فالعلماء قعدوا قواعد عامة، كم أوامر في الشرع، النهي أيضا للتحريم، وغيرها من القواعد التي قعدها العلماء، فهي تحمل مسائل كثيرة. فهذا الكتاب كان من الكتب التي سهلت هذا العلم. وقال المؤلف: أنه خير ما ألف في هذا، وسميت في الورقات للإمام الحرمين. الإمام الحرمين يعني منسوبة للإمام الحرمين، أي منسوبة لإمام الحرمين، وهو الإمام عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني. اسمه عبد الملك، وأبوه إمام الحرمين، وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني. وهذا جويني نسبة إلى جوين، وهي منطقة في نيسابور. وقد توفي هذا الإمام سنة 478، وهو إمام شافعي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله في الفقه، إلا أنه شارك كثيرا في علم المنطق، وألف كتبا في هذا العلم. ثم قال رحمه الله: وقد سئلت مدة في نظمه، أنا سأله بعض الناس أن ينظم هذه الورقات. وقد سئلت مدة، يعني برهة من الزمن طويلة. وقد سئلت مدة في نظمه، أي في نظم الورقات. والنظم هو الكلام المنظوم، الذي يقصده النظم، أو يقولون هو الكلام المنظوم قصدا. وأهل العلم يجعلونه نظما لأجل التسهيل، لأن غالب النظم يكون سهلا، وخاصة إذا كان من بحر الرجز، فبحر الرجز هو أسهل البحور. إن بحور الشعر وافرها جميل، فهناك الشعر له بحور خمسة عشر بحرا، وقيل أكثر. وأسهلها بحر الرجز. وإنما ركن العلماء إلى النظم كما قلنا لأجل أنه يسهل الحفظ. وإلا المنثور أو النثر أعظم من الشعر وأفضل وأقعد من النظم، نحوه الأقعد والأثبت هو النثر. لماذا؟ لأن النثر لا يحتاج إلى ضرورات، والشعر يخرجه الضرورة إلى بعض الأشياء التي قد لا يحتاج لها. لكن ينظم الناس هذه المنظومات لأجل الحفظ. لهذا قال المؤلف: وقد سئلت مدة عن نظمه مسهلا لحفظه وفهمه. نظمه حال كونه مسهلا لحفظه، لعجل أن يحفظه الناس وطلبة العلم. فهذا النظم فيه فوائد، أولا تتعلق بالفهم، وهو إدراك المعنى، والأمر الثاني تتعلق باللفظ، وهو حفظه، حفظ هذه المادة أو حفظ هذا المنظومة. ومن حفظ المتون حاز الأثور. فالطالب العلم عندما يحفظ، يحفظ مثلا بعض البدايات، وبعض المتون في بدايات العلوم، يحصل الأشياء كثيرة، ويستفيد كثيرا. ثم قال: فلم أجد مما سئلت بدا عن أنه لم يستطع رد مثل هذا. وقد شرعت فيه مستمدا، يعني بدأت في هذا الأمر. وقد هنا للتحقيق. وشرعت أي ابتدأت فيه، أي في هذا النظم، حالة كوني مستمدا، أي طالبا من ربنا سبحانه وتعالى، أي مستمدا من ربنا العون. فمستمد من ربه، مستمدا من ربنا التوفيق، التوفيق. وهذا لأن كل الأعمال لا بد أن تكون تحت إعانة الله عز وجل، فمن وكل إلى نفسه هلك. ولهذا جاء في الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «اللهم برحمتك أستغيث، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين». فمن وكل إلى نفسه إنه هلك، فيوفقه الله عز وجل للصواب والنفع. فاستمد وطلب من ربنا جل وعلا التوفيق والصواب والنفع، أن يمده الله عز وجل بالصواب والنفع في الدارين، يعني الدار الدنيا ودار الآخرة، أن يستمد من الله العون في كتابة هذه القصيدة، وأن الله عز وجل يوفقه في هذا العلم.