الدرس في مسائل وآداب العيدين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته ويتصدق منها، ولا يشترط التصدق بكلها. الأضحية صحيحة سواء أكلها كلها أو تصدق منها.
اختلف العلماء في تقسيم الأضحية إلى ثلاثة مذاهب: التنصيف، والتقسيم إلى ثلاثة أقسام، وعدم تحديد مقدار معين للتصدق. التصدق من الأضحية مستحب.
ضحى النبي بكبشين أقرنين أملحين، ويفصل في صفات الأضحية وهدي النبي فيها. يشرح كيفية ذبح الأضحية وصفاتها المختارة.
يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من مسائل الأضاحي والتي تحتاج إلى تنويه وتنبيه ما يتعلق بأمر الصدقة منها وإطعام الغير، هل التصدق من الأضحية شرط؟ وإذا كان كذلك، فكم المقدار التي ينبغي أن يخرج منها إلى الفقراء والمساكين والمحتاجين؟ في هذه المسألة ينبغي أن نعلم أولاً أنه يستحب للمضحي أن يأخذ شيء من أضحيته فيعطيه للفقراء والمساكين من أرحام وأقارب، فهذا مما يستحب، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فاكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾، فندب ربنا سبحانه وتعالى ورغب في أن الإنسان يطعم من أضحيته، وما كان من هديه من كان من البؤساء من أهل الفقر والمسكنة. أولاً ينبغي أن نعلم إخواني في الله أن الذي يضحي يحرص على أن يأخذ ويأكل هو أولاً من أضحيته، فلا يجعل الأضحية كلها تذهب من بين عينيه فيقسمها يمنة ويسرة وليس له حظ منها، لا بل يحرص المضحي إن كانت نيته على أن يوزع هذا اللحم للفقراء والمساكين، فليحرص على أن يتناول منها شيئًا ولو يسيرًا، أولاً لهذه الآية: ﴿فاكلوا منها﴾، تأكل أنت أيها المضحي تأكل من هذه الأضحية ومن هذا الهدي، وبعد ذلك ما يحل لك من قسمتها وتوزيعها. وثبت ذلك في السنن عند إمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا ضحى أحدكم فليأكل من أضحيته»، فهذا ترغيب لك يا أيها المضحي قبل أن تقسمها احرص أنك تنتفع منها ولو بالقليل. ولهذا ثبت أن نبينا صلى الله عليه وسلم عندما ذبح الهدي وكان كثيرًا أمر بأن يأخذ من كل هدي قطعة من هذا الهدي، ثم تطبح، فقام نبينا صلى الله عليه وسلم وأكل من لحمها وتحسى مرقها، أخذ شيء من لحمها، فدل ذلك على أن المضحي يستحب له أولاً قبل أن يوزع ويقسم عليه أن يأخذ ويأكل منها ويطعم منها. لما سمعتم من نص القرآن والسنة نأتي ثانيًا إلى موضوع القسمة، إلى كم تقسم الأضاحي في حق من أراد أن يتصدق؟ اختلف العلماء في هذا الباب على ثلاثة مذاهب. المذهب الأول: مذهب من يرى التنصيف، بمعنى أن تكون الأضحية على شطرين، على قسمين، على نصفين، نصف لك تستمتع به بالأكل ونصف يقسم إلى الناس والمحتاجين والفقراء، واستدلوا بهذه الآية: ﴿فاكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾، جزء إطعام وجزء صدقة، وهذا في قوله تعالى: ﴿فاكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾، القانع هو الفقير الذي لا يسأل الناس شيئًا، والمعتر هو الفقير الذي يسأل، أي كل أنت منها وأعطي الفقراء سواء كان الذي يسأل أو الذي لا يسأل. وأكثر العلماء يذهب إلى أن الأضحية تقسم إلى ثلاثة أقسام، وهم قد استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام كما ثبت في الصحيحين قال: «كلوا وتصدقوا وادخروا»، الثلث تأكله، ثلث آخر تدخر يكون معك لفترة بعد ذلك، وثلث الآخر تتصدق به، فتقسم الأضحية إلى ثلاثة أقسام، وهذا الذي عليه أكثر العلماء على استحباب ذلك. المذهب الثالث: مذهب من لم يحدد بمقدار ولا بقدر، وإنما ترك الأمر يعود إليك وهو منوط بك، وهذا الذي ذهب إليه إمام مالك رحمه الله تعالى، حتى أنه قال: «ليس عندنا في الضحايا قسم معلوم»، وهذا صحيح، فتلاحظون أن الأدلة الذاكرة أو السالفة الذكر ليس فيها تعيين محدد، وإنما اجتهد العلماء في ذلك. فإذا يقال بأن أمر الصدق منوط بصاحبه، فأنت يا عبد الله انظر الذي تستطيع عليه، فإن استطعت أن تضحي بالنصف أو تتصدق بنصفه أو تتصدق بثلثه أو بربعه أو بما هو دون ذلك، جعلت هذا اللحم مثلا على سبعة أكياس على مقدارك أنت وأهلك، فأخرجت كيس من هذه الأكياس، أي السدس مثلا، فما نستطيع أن نمنع من ذلك، فهذه صدقة وهي مقبولة إن شاء الله. وتأتي مسألة قد يقول بها بعض الناس ألا وهي ما حكم من يأكل الأضحية كاملة ما يخرج منها شيئًا؟ الجواب: الأضحية صحيحة، وما وقع في إثم، فعله إن شاء الله لا بأس به، لأن العلماء قد صرحوا على أن الصدقة هي مستحبة، فإن فعلتها تؤجر، وإن لم تفعلها فلا شيء عليك. ولا شك أن الأفضل والأحسن والأكمل أنك تتصدق، لنص القرآن: ﴿فاكلوا منها وأطعموا﴾، تطعم غيرك إذا استطعت يا عبد الله، تطعم من كان من جيرانك من لم يقدر على الذبح أو من قرابتك، وكم هم الناس في هذه الأزمان الذين لا يستطيعون على الذبح وأنت قد جسر الله لك الذبح، فحاول أن تشارك غيرك ولو بالقليل. ثم نأتي إلى مسألة أخيرة وهي رؤية سريعة إلى أضحيته عليه الصلاة والسلام، بماذا ضحى وكيف ضحى عليه الصلاة والسلام؟ ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين، ذبحهما بيده، سمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما». هذا الحديث المتفق عليه فيه إشارة إلى مجمل ما كان من أضحيته عليه الصلاة والسلام، احتوت على مسائل كثيرة، أولاً في قول أنس بأن النبي ضحى بكبشين، فيها أولاً ما يتعلق بجنس الأضحية أنها من الأغنام، وقد مر هذا معنا في الدرس الأول على رأي جماعة من العلماء، فالأفضل في بهيمة الأنعام أن تكون من الأغنام. والثاني أن الغنم منهما هو معز ومنهما هو ضأن، وهذا الحديث دل على أن الضأن أفضل من المعز، وهذا الحديث دل على أن من الضأن هو الذكران، ذكور الضأن وهم الكباش، هذا الذي يستحب، الذي كان من هديه عليه الصلاة والسلام. إذن اختار الغنم، ثانيًا اختار الضأن، ثالثًا اختار الذكور من الضأن، رابعًا كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يضحي بكبشين، كان يثني عليه الصلاة والسلام بكبشين، ومرت معنا مسألة أن من ضحى بواحدة أجزأته، ومن أراد أن يزيد فهو خير، وأن الأفضل اتباع السنة أنك تضحي بما ضحى به نبيك بكبشين إثنين. كذلك ضحى بكبشين أقرنين، من صفة هذه الذبيحة والأضحية أن لها قرون، فإن استطاع أحد أن يتحصل على هذا الوصف فذاك طيب، وإن لم يكن له قرون فبالإجماع جائزة، إلا أن النبي كان يختار هذا الوصف من الكباش التي فيها قرون. خامسًا من صفة هذه الأضحية أنها أملح، والملوحة هو عبارة عن وصف يعود إلى اللون، فقد قال الشراح أن الأملح هي الذبيحة أو الأضحية وهي البهيمة التي فيها سواد وبياض، أي ليس صافية بل لون مخلط بين الأسود والأبيض والأبيض أكثر، هذا الذي عليه جنح جماعة من العلماء. وأيضا ثبت من نبينا أنه كان يضع رجله على عنق هذا الحيوان، دل هذا على أن الأغنام يستحب فيها أن إن ذبحت تذبح وهي مضجعة لا وهي واقفة، أن تذبح وهي على الضجاع، وهذا الذي فعله نبينا صلى الله عليه وسلم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.