الدرس في التعليق على نظم الورقات 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرّف الإجماع بأنه اتفاق علماء الأمة في عصر واحد على حكم شرعي، ويستدل له بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ...﴾. يذهب الجمهور إلى حجيته بينما يخالفهم الظاهرية والشوكاني، مع التنبيه إلى صعوبة التحقق من انعقاد الإجماع الحقيقي في الواقع.
يناقش صعوبة ادعاء الإجماع قديماً لانتشار الأقوال، ويوضح أن ابن المنذر قيد قوله بما حفظه فقط. يستعرض خلاف العلماء في اعتبار إجماع كل عصر ما لم ينقض، مقابل رأي شيخ الإسلام ابن تيمية بحصر الإجماع المعتبر في القرون المفضلة (الصحابة والتابعين) واحتجاجه بالإجماع السكوتي، مع ذكر أمثلة لتغير الفتوى بتغير فهم الواقع.
يبين الفرق بين إجماع القرون المفضلة واتفاق علماء كل عصر، وأن طاعة أولي الأمر تقتضي عدم الخروج عن اتفاق العلماء. يؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإجماع لا يكون حجة صحيحة إلا إذا استند إلى دليل من الكتاب والسنة، سواء كان نصاً صريحاً أو علة مستنبطة كما في تحريم الحشيشة لإسكارها.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى. ما بعد: فأخذنا باب التعارض بين الأدلة والترجيح، وقلنا أن التعارض إما أن يكون بين عامين أو بين خاصين، فهذا يجب الجمع بينهما إذا أمكن. إذا أمكن الجمع يجب الجمع، لأن الأصل أعمال الدليلين، وهناك القاعدة المعروفة عند العلماء: أعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما. وأما إذا تعارض عام مع خاص، فيحمل إذا كان مطلقاً فيحمل العام على الخاص، وهو الذي يسمى التخصيص. والعام أحياناً هو نفسه يراد به الخصوص عند الأصوليين: هناك عام مطلق، وعام يراد به الخصوص، وعام مخصوص، وعام خُصص. فدخول الخاص مع العام إما أن يكون متصلاً أو منفصلاً. فإذا كان مطلقاً فيحمل العام على الخاص. لكن الإشكال إذا كان عام من وجه وهو خاص من وجه. إذا كان عام من وجه فهذا يكون فيه الإشكال، لكن يعمل العموم على وجه والخصوص على وجه. أنا الإشكال أكثر شيء فيه هذا. وفي الأخير شرحه كله، النقض من كل شق، حكمه ذاك النقيض، أنا هذا عام من وجه وخاص منه. قد ذكرنا المثال في هذا. طيب، قال: باب الإجماع. قال رحمه الله: أي الناظم، هو اتفاق كل أهل عصر. قال: هو اتفاق كل أهل العصر، أي علماء الفقه دون غيرهم، على اعتبار حكم أمر قد حدث شرعاً، كحرمة الصلاة بالحدث. ف هنا ذكر الإجماع، والإجماع يعتبر من الأدلة التي يستدل بها في الشرع، وقد اتفق العلماء على أن الإجماع يعتبر دليلاً، إلا أن الظاهرية يخالفون في هذا، الظاهرية وكذلك الشوكاني يرون أن الإجماع ليس دليلاً وإنما يستأنس به، وإنما الدليل هو الكتاب والسنة. ويذكر بعضهم أن الإمام الشافعي رحمه الله، أن بعض الفقهاء يذكر في كتبهم، والله أعلم بهذه الحكاية، أن رجلاً قال للإمام الشافعي رحمه الله: أنتم تقولون أن الإجماع حجة، فأين دليلكم أن الإجماع حجة؟ وعطاه مهلة ثلاثة أيام. ثم أن الإمام الشافعي استظهر القرآن، استظهر القرآن معناه، يقرأه يتدبر أي شيء، الدليل عن الإجماع، فذكر قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. قال: فهذا فيه دليل الإجماع، لأن الذي يتبع غير سبيل المؤمنين يعتبر ظالماً، ويعتبر أيضاً مشاقاً للرسول ومخالفاً له. وسبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم. وقال: هذا دليل على حجية الإجماع، وهذا صحيح. لكن أي إجماع؟ هل هذه الآية تدل على كل إجماع؟ إلا إذا حملنا الآية على ظاهرها: على سبيل المؤمنين. أنا كل مؤمن إذا اجتمع أهل الإيمان على شيء فإنه لا يجوز مخالفته، كما قال ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن». أنا إذا أجمع على شيء أي الصحابة رضي الله عنهم، وحمله بعضهم على من بعدهم، فإنهم إجماعهم حجة، إجماعهم حجة. والذي مشى عليه العلماء أن الإجماع دليل من أدلة الشرع، دليل من أدلة الشرع يستدل به ويحتج به. لكن الذي حصل هو الخلاف: ما هو الإجماع الذي يعتد به؟ ما هو الإجماع المعتبر؟ لأن كثير من العلماء يدعي إجماعات، وأحياناً إجماعات غير صحيحة، تجد من يخالف فيها. إنما الإجماع كما قال الإمام الشافعي أو أحمد: قال الإجماع إذا قلت أجمع، لا ترى أحداً يقول لك: لا، أجمع، لا ترى أحداً يقول لك: لا ما أجمع. قد ذكر أيضاً الإمام محمد رحمه الله أن دعوى الإجماع كذب، وما أدراه أنهم أجمعوا؟ يقول: من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما أدراه أنهم أجمعوا، لأنه يصعب بمكان حصر أقوال الناس، أن هذا يصعب. لكن لما دون الناس أقوالهم في الكتب وانتشرت، فلهذا الإمام ابن المنذر رحمه الله في كتاب الإجماع يقول في كل مسألة: وأجمع كل من أحفظ عليه من أهل العلم، وأجمع كل من أحفظ عليه من أهل العلم. وهذه فيها تحري، وأن هذا الإجماع على ما حفظه من كلام أهل العلم، إذا كان هناك خلاف فهو لا يدري به، فهو لم يقل أجمع على كذا، وإنما يقول: أجمع كل من أحفظ عنه، أي هذا القول. أيضاً حصل الخلاف في اعتبار الإجماع: ما هو الإجماع المعتبر؟ فالجمهور على أنه كل اتفاق أهل عصر يعتبر إجماعاً، ما لم ينقضه، ما لم ينقضه غيره، أن يأتي إجماع آخر ينقضه، أو يختلفون بعدهم. وهذا يحصل، تجد بعض القضايا يتفقون عليها في عصر من العصور، ثم يأتي عصر آخر للعلماء وتجد يختلفون فيها. عن بعض العلماء مثلاً الذين في الساحة، مثلاً الشاي، الشاي لما ظهر، كثير من العلماء جعلوه مقدرات وأفتوا بتحريمه. ثم أنه لما عرف أنه ليس من المخدرات، وأن الإنسان يستطيع أنه يدرك ما حوله، وأنه لا يحدث شيء في الجسم، لا يخدر الجسم ولا يسكره، فلما علم ذلك العلماء الذين جاءوا بعد، قالوا أنه يجوز، لأنه ليس هناك دليل يدل على تحريم. لكن العلماء الآخرون الذين قالوا بالتحريم إنما قالوا ظنوا أنه مخدر، ظنوا أنه مخدر مثل القات، فلهذا حرمه بعض علماء المملكة قديماً. وهكذا يحصل في بعض العصور، يظنون أن شيء هذا مضر فيجمعون على تحريمه، ثم يأتي من بعدهم من يبين أنه ليس مضراً وليس فيه ضرر، لا على الجسم ولا على البدن، أقصد على الجسم ولا على قلب الإنسان ولا غيره. فهذا يحصل، فلهذا اختلف العلماء في مسألة الإجماع. فكما قلنا: منهم من اعتبر اتفاق العصر، إجماع أهل العصر، مثل ما ذكره المؤلف هنا. وذهب جماعة كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكأنه ينسبه إلى أحمد، يقول: أن الإجماع المعتبر هو إجماع القرون المفضلة، أن الإجماع المعتبر هو إجماع القرون المفضلة، أن إجماع الصحابة والتابعين. يقول: أما من بعدهم فلا يستطاع حصر إجماعهم. وبعضهم يرى العكس، يقول: معنا ما دونت المدونات إلا بعد زمن، بعد التابعين، أن الكتب كتبت بعد زمن، بعد التابعين، والإنسان ممكن يعرف قول الشخص بما كتب، يعرف قول الشخص بما كتب. وحصر قول الصحابة رضي الله عنه يصعب، وحصر قول التابعين أصعب. لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا لم يكتبوا؟ لم يهتموا، لم يكتبوا أيضاً. لماذا الصحابة يكون أصعب؟ معنا قول إجماع التابعين سيكون أصعب، الناس تفرقوا. أنا في زمن الصحابة لا زال الناس مجموعون شيئاً، لكن في زمن التابعين تفرق العلماء، أنا تجد في المغرب، تجد في المشرق كذا، فتفرق العلماء في زمن التابعين وأتباعهم. لكن يقول شيخ الإسلام: أن المعتبر هو إجماعهم، لأن الله عز وجل علق، أو النبي عليه الصلاة والسلام جعل، أثنى على هذه القرون. ولهذا يقول شيخ الإسلام بالإجماع السكوتي، يقول بالإجماع السكوتي يعتبره إجماعاً بحجة، لأنه ما سيكون إجماع هناك إلا إذا كان إجماعاً سكوتيا، وإلا صعب يقال مثلاً أنهم أجمعوا الصحابة على كذا، إلا غالباً يكون فيه تجاوز. معنا قول جميع الصحابة لا يستطاع أن يحصر. لكن مثلا تحصل قضية يجتمع فيها جماعة من الصحابة، أو يطرح عليهم عمر رضي الله عنه، فيمشي الناس على ما قاله، مثلاً عمر، أو ما قاله أبو بكر، فيكون ذلك إجماعاً منهم، إجماعاً سكوتيا. مثل ما يذكرون من إجماعهم على قتل من يعمل عمل قوم لوط، ذكروا أن الصحابة أجمعوا على ذلك، مع أنه لم يأت إلا عن مجموعة من الصحابة، جاء عن أبي بكر الصديق، وجاء كذلك عن ابن عباس، وجاء أيضاً عن زيد بن ثابت، وجمعهم. لكن كان أمر، كان أمر أبي بكر الصديق معناه عام، وعرفه الصحابة، وأيضاً يعتبر من سنة الخلفاء. هذا الكلام في مسألة الإجماع من حيث حجيته، وكذلك من حيث تحديده وتعريفه، وما هو، أو ما هي الإجماع. طيب، إذا قيل أن الإجماع هو إجماع القرون المفضلة، فما نسمي إجماع العلماء في كل عصر؟ فبعضهم قال: نسميه اتفاق، نسميه اتفاق. ومنهم من قال: نقول إجماع، لكنه ليس إجماع كإجماع القرون المفضلة، وإنما إجماع يستأنس به. لكن هذا فيه إشكال من ناحية الأدلة. الله عز وجل يقول: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾. وقال أيضاً جل وعلا: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾. فطاعة ولاة الأمور تعتبر، ويدخل فيها طاعة العلماء. وهل معنى طاعة العلماء أن يطاع عالم من العلماء؟ لا، مراد به طاعة جميع العلماء. فإذا اتفقوا على شيء لا يجوز الخروج عليه. إذا اتفق العلماء على شيء، تدل الأدلة على أنه لا يجوز للإنسان أن يخالف العلماء في ذلك، ويحدث له قولاً غير قولهم. هذا أنا يعتبر افتياتاً عليه. فلهذا إذا ضبط مسألة الإجماع أو الاتفاق فهو يكون حجة، يكون حجة. يستدل بعضهم أيضاً جاء بالحديث الذي فيه: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». لا تجتمع أمتي على ضلالة. وهذا الحديث مختلف في صحته، لكن يقول كثير من العلم أن العمل عليه، أن إجماع العلماء هو إجماع أمة، إجماع علماء الأمة أو اتفاقهم يعتبر إجماع معتبر. فقال: هو اتفاق كل أهل العصر، أي علماء الفقه دون غيرهم، على اعتبار حكم أمر قد حدث شرعاً، كحرمة الصلاة بالحدث. معنى الآن يقول: أن هذا اتفاق مجتهدي الأمة على شيء، اتفاق مجتهدي الأمة على شيء، هذا يعتبر إجماع. وأما قوله: على اعتبار حكم أمر قد حدث شرعاً، كحرمة صلاة بالحدث، قد دلت عليها الأدلة، قد دلت عليها الأدلة. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: أن الإجماع لا يكون إجماعاً صحيحاً إلا إذا كان مستنداً إلى دليل من الكتاب والسنة. أنا يقول: أن الإجماع لا يكون صحيحاً إلا إذا كان مستنداً إلى دليل من الكتاب والسنة. أما ما دل عليه الكتاب والسنة فهذا لا شك أنه يجمع عليه. لكن هذا المستند الذي يعتمد عليه في الإجماع قد يكون صحيحاً، وقد يكون ضعيفاً، وقد يكون إشارة في دليل ليس دليلا صريحاً، وقد يكون من مستند من أدلة. مثلا الحشيشة، الحشيشة ذكر الإجماع غير واحد منهم شيخ الإسلام وابن تيمية بل قال: من استحلها كان كافر. لماذا؟ ما الدليل على هذا؟ الدليل أنها مسكرة، وعندنا في النصوص أن كل مسكر خمر، وما أسكر كثير فقليل حرام، هذا موجود في النصوص. العلة هذه موجودة في النصوص، وكل ما كان مسكراً فهو حرام، فهو خمر. لهذا هذه الحشيشة مسكرة وتدخل في الحرام بالإجماع، فالإجماع هنا مستند على عموم العلة التي دلت على تحريم هذا الشيء. وأما كما قلنا: الاستدلال بهذا، «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، فهذا جاء بالنص. طيب، إن شاء الله نختم بهذا. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر