الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع كيف يقيم علماء الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان ومالك بن أنس الرواة كمحمد بن عمر بن علقمة وسهيل بن أبي صالح وعبد الرحمن بن حرملة، معتبرين ضعفهم ناتجاً عن ضعف الحفظ لا الكذب. ويبين تشدد يحيى وشعبة في ترك رواية من يصر على الخطأ، مع بقاء حديثهم في مرتبة الحسن.
يعرض حال حماد بن سلمة وما اعترى روايته من أوهام عند الاعتماد على الحفظ، ثم استقامته عند التزامه الكتاب، واختلاف الأئمة في قبوله. كما يذكر حال أبي بكر بن عياش وغيره ممن تركهم يحيى بن سعيد، ويقسم الرواة إلى ثلاثة أصناف: المتهم بالكذب، من غلب على حديثه المناكير لغفلته، وأهل الصدق والضبط المتفق على الاحتجاج بهم.
يتناول الطبقة الرابعة من رواة الحديث الذين يجمعون بين الصدق والحفظ لكن يكثر فيهم الوهم، مع بيان مواقف الأئمة كالتريذي ومسلم وأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان منهم، وضوابط قبول رواياتهم حسب نسبة الخطأ إلى كثرة الحديث.
يوضح أن النسائي لا يترك الحديث إلا إذا اتفق رواة جيل معين على ترك راوٍ، مما يعكس دقة منهجه في التوثيق والجرح من خلال اشتراط الإجماع الطبقي على ترك الراوي.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله: الاختلاف في قوم من جلة أهل الحديث، من جلة أهل العلم الذين عرفوا بالعلم والعبادة وغير ذلك. قال: قد تكلم بعض أهل الحديث في قوم من جلة أهل العلم وضعفوهم من قبل حفظهم، واتقوا ما أخرون لجلالتهم وصدقهم، وإن كانوا قد وهموا في بعض ما رووا. وقد تكلم يحيى بن سعيد في محمد بن عمر، ثم روى عنه محمد بن عمر بن علقمة الليثي، وقد أخرج له مسلم، أما البخاري فلم يخرج له شيء. قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد القدوس، قال: حدثنا محمد بن العطار البصري، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمر بن علقمة، فقال: «تريد العفو أو تشدد؟» قلت: لا بل أشدد. فقال: «ليس هو ممن تريد». كان يقول شيخنا أبو سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال يحيى: وسألت مالك بن أنس عن محمد بن عمر، قال: «فيه نحو ما قلت». قال علي: قال يحيى: «ومحمد بن عمر أعلى من سهيل بن أبي صالح». أنا يحيى يريد أيش؟ يحيى بن سعيد القطان. قوله: «وسألت مالكاً»، من الذي سأل؟ يحيى بن سعيد القطان سأل مالكاً عن محمد بن عمر، فقال يحيى: «ومحمد بن عمر أعلى من سهيل بن أبي صالح، وهو عندي فوق عبد الرحمن بن حرملة»، وهو لا يخرج له مسلم، وحديثهم من الحديث الحسان. قال علي: فقلت ليحيى: «ما رأيت من عبد الرحمن بن حرملة؟» قال: «لو شئت أن نلقينه لفعلته». قلت: «كان يلقن؟» قال: «نعم». قال علي: «ولم يروِ يحيى عن شريك». وهذا غالباً الذي يلقن، ما عنده حفظ، ولهذا يقبل التلقين، قال: «لو سمعت من فلان يقول: نعم، وهو قد ما يكون سمع». قال: «ولم يروِ يحيى عن شريك، ولا عن أبي بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك بن فضالة». فهؤلاء حديثهم حسان غالباً، وشريك ضعفه كثير من العلماء لأجل أنه لما ولي القضاء حصل له شيء من التخليط، وكذلك المبارك بن فضالة والربيع بن صبيح، فهم أنزل من أولئك الذين ذكرهم: محمد بن عمر، وسهيل، وعبد الرحمن بن حرملة. قال أبو عيسى: وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنهم اتهمهم بالكذب، ولكن تركهم لحال حفظهم. وذكر عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا، لا يثبت على رواية واحدة، تركه. ويحيى بن سعيد تجد أنه يتشدد في هذا الباب، يتشدد في هذا الباب حتى أنه تركوا ناساً من الثقات بسبب أنهم يخطئون في الرواية. وهذا أيضاً مذهب شعبة بن الحجاج، أنه يترك الرجل للأخطاء التي عنده إذا أصر عليها، حتى قال: «لو جاء عبد الملك بن أبي سليمان بحديث غير حديث الشفاعة لتركت حديثه». جاء بحديث الشفاعة، حديث الحسن عن سمرة، جعله عن نَسِيَ، أخطأ فيه، فذكر فلم يتذكر، فقال شعبة: «لو جاء بغيره أيضاً لتركت حديثه». مع أن عبد الملك بن أبي سليمان كان سفيان الثوري يقول: «هو الميزان»، يعني من شدة حفظه. وكان يحيى بن سعيد يرى أن حماداً أيضاً كان في بداية الأمر قد ترك حديثه، لأن يحيى إذا رأى الرجل في حديثه أخطاء وأوهاماً، تجد أنه يترك حديثه بسرعة. فلما كان يأتيه كثيراً من أوهام حماد يخالف شعبة ويخالف حماداً ويخالف بعض مشايخه، فلهذا ترك حديثه. فلما جاء عفان إليه فذكر له حديث حماد، قال: «لا أروي عنه، عنده أوهام». فقال عفان: «بل هو ثقة»، لأنه من تلاميذ عفان يعرفه أكثر من يحيى بن سعيد. قال: فلما جاء معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، قال: فأخذ يحيى بن سعيد كتابه وكتاب حماد، فقارن بينهما، فرأى أنه لا فرق بينهما، بين كتاب حماد الذي ذكره الذي أعطاه إياه عفان، وبين كتاب هشام بن أبي عبد الله الذي أعطاه إياه معاذ ابنه. فلهذا، وهذا الذي أصاب حماداً، أن حماداً كان يروي من حفظه فيغلط، كان يروي من حفظه فيغلط، ثم بعد ذلك التزم بكتابه. جاء عن عفان أنه قال: «مرة حدث حماد بحديث، فقلت له: يخالفونك في هذا، فذهب إلى بيته وخرج في كتابه عن قتادة، فرأى أنه أخطأ، فقال: يا عفان، قد كنا نخطئ كثيراً». ثم بعد ذلك التزم أن يحدث من كتابه، فلهذا قيل: إن حماداً حديثه الآخر أفضل من حديثه الأول، حديثه الآخر أفضل من حديثه الأول. فكتابه كان صحيحاً، لكن يغلط عندما يحدث من حفظه، يعتمد على حفظه أمام... أمام نهاية الرواية. قال: وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة. لكن كثير من هؤلاء ترك حديثهم: كشريك، والربيع بن صبيح، والمبارك بن فضالة. أما أبو بكر بن عياش، فالبخاري قبل حديثه وأخرج له في صحيحه، أما مسلم فلم يخرج له. وكان أبو بكر بن عياش في حفظه شيء، عنده أوهام. أبو بكر بن عياش هو الذي معروف أنه المقرئ، يعني الرواية الأخرى لعاصم هي من طريقته. الذي قال له رواية شعبة، شعبة هو أبو بكر بن عياش، وقيل له: «شعبة»، كان يسميه سفيان الثوري، كان يسميه شعبة، فعلق عند القراء أنه شعبة. أقسام الرواة وحكامها: اعلم أن الرواة أقسام، فمنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من غلب على حديثه المناكير لغفلته، قد سبق ذكر هذين القسمين وحكم الرواية عنهما. وقسم ثالث: أهل الصدق وحفظ، ويندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يقل، هؤلاء هم الثقات المتفقة على الاحتجاج بهم. وقسم رابع: هم أيضاً أهل الصدق وحفظ، ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيراً، لكن ليس هو الغالب عليهم، وهذا هو القسم الذي ذكره الترمذي هنا، وذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه ترك حديث هذه الطبقة، وعن ابن المبارك، وابن مهدي، ووكيع، وغيرهم أنهم حدثوا عنهم، وهو أيضاً رأي سفيان وأكثر أهل الحديث. أي: سفيان الثوري وأكثر أهل الحديث المصنفين منهم في السنن والصحاح، كمسلم بن الحجاج وغيره، فإنه ذكر في مقدمة كتابه أنه لا يخرج حديث من هو متهم عند أهل الحديث أو عند أكثرهم، ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط. وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ والإتقان، وأنهم على ضربين: أحدهم من لم يوجد في حديثه اختلاف شديد ولا تخليط فحش، والثاني هو من دونهم في الحفظ والإتقان، ويشملهم اسم الصدق والستر وتعاطي العلم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم. واستغرب كثير من العلماء أن مسلماً قرر عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، هؤلاء تخليطهم أكثر. وعطاء إنما ضعف حديثه لما اختلط، وإلا فكان من الثقات، لكن لما اختلط صار له أوهام كثيرة، فلعل مسلم لأجل هذا ذكره مع هؤلاء. ومسألة الخطأ في الحديث لا يسلم أحد من الخطأ، لا يسلم أحد، لا مالك ولا غيره، فالخطأ موجود. لكن الخطأ يكون بالنسبة لرواية الحديث، فمن الرواة من حديثه كثيرة، مثلاً أحاديثه ألفان حديث، لو غلط في عشرين حديثاً ما ضره هذا، مثل ما قال أحمد بن حنبل: «سفيان بن عيينة غلط في عشرين حديثاً»، ثم قال: «بل عشرين، بل عشرين»، أنا في الستين حديثاً، وهذا لا يضر لكثرة حديثه، لا يضره لكثرة حديثه وإتقانه. لكن من يأتي مثلاً له أحاديث قليلة، له خمسون حديثاً مثلاً، ويخطئ في ثلاثين، هذا خطأ معناه خطأه أكثر. أو له خمسون حديثاً ويخطئ في عشرين حديثاً، هذا خطأه أيضاً كثير يعتبر. فهذه تكون هناك نسبة في الخطأ. قال: «فإن أدركته المنية قبل تخريج حديث هؤلاء»، وقيل: «إنه خرج لهم في المتابعات»، وذلك كان مراده: أنه لم يخرج لمثل هؤلاء في صحيحه، لكن الظاهر أنه أراد أن يخرج لكن ثم تركهم، وخرج لهم في المتابعات. قالوا: على هذا المنوال نسج أبو داود والنسائي والترمذي، مع أنه خرج لبعض من هو دون هؤلاء، أي الترمذي. الترمذي سقطت منزلته بحكم أنه يخرج لأناس من المتهمين، مع أنه قد قال أنه لا يخرج لمن اتهم في الحديث، وبين ذلك ولم يسكت عنه، مع أنه أحياناً وأحياناً لا يبين، غالباً يبين أن هذا الذي أخرج عنه هو ضعيف، مثلاً يخرج أحياناً عن شريك النخعي ويذكره، وأيضاً أحياناً يخرج عن يزيد بن أبي زياد وعن غيرهم فيذكرهم بالضعف. قالوا: إلى طريقة يحيى بن سعيد يسير علي بن المديني وصاحبه البخاري. وكان علي بن المديني فيما نقلوا عنه يعقوب بن شيبة: لا يترك حديث رجل حتى يستمع لترك ابن مهدي ويحيى القطان، فإن حدث عن أحدهما وتركه الآخر حدث عنه. وهكذا كانت أيضاً طريقة النسائي. قول النسائي: لما قال أنه لا يترك الحديث حتى يتركه الناس، أو حتى يترك هذا الرجل، ويريد كما فسره بعض أهل الحديث: يريد أنه في كل طبقة، مثلاً في طبقة يحيى وعبد الرحمن، إذا تركه معاً ترك حديثه، وأيضاً في طبقة أحمد وعلي ويحيى، إذا تركاه جميعاً تركه، وإلا اجتهد فيه. طيب، شاء الله نكتفي بهذا.