الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ينقل المؤلف أقوال الأئمة في تقسيم الرواة إلى حافظ متقن، ومن يغلب على حديثه الصحة فيقبل مع رد وهمه، ومن يغلب على حديثه الوهم فيترك. ويوضح معنى "الغلط الذي لا يرجع" مع أمثلة كعاصم الواسطي، ويؤكد أن الغلط القليل لا يقدح في الحفظ إذا كان الأصل الضبط.
ينقل النص أقوال الأئمة كشعبة وابن مهدي والشافعي والدارقطني في أن حديث من كثر غلطه وأصر عليه ولم يرجع يُترك، وكذلك من كذب أو روى عن الثقات ما لا يعرفونه، مع تفريق بين من كثر حديثه فتُسامح فيه كثرة الغلط ومن قل حديثه فكثير الغلط فيه واهم، والاعتبار بالأغلب ما لم يصر على الخطأ.
دافع الإمام أحمد عن علي بن عاصم رغم كثرة خطئه، مستشهداً بخطأ حماد بن سلمة وأبي أحمد مع استمرار الرواية عنهما، وحدد أن حديث الرجل يترك إذا غلب عليه الخطأ. اختلف العلماء فيمن يضعف لغفلته أو لكثرة خطئه، فمنهم من لا يحتج بحديثه مطلقاً، ومنهم من يشترط اجتماع الوصفين.
يشير المقطع إلى أن معظم أخطاء الناس في نقل الأحاديث ترجع إلى الغفلة أو ضعف الحفظ، وأن سوء الحفظ هو سبب رئيسي لهذه الأخطاء.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف: الغلط الذي يرد به الراوي ويجرحه. قال أحمد بن سنان - وهو أحمد بن سنان القطان -: كان ابن مهدي لا يترك حديث رجل إلا رجلًا متهمًا بالكذب، أو رجلًا الغالب عليه الغلط. قال أبو موسى محمد المثنى - أي العنزي -: سمعت ابن مهدي يقول: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه؛ وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه؛ وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه. فهذا تقسيم طيب، على أن الذي يهم وهو الغالب صحة حديثه فهذا يقبل منه، وما تبين وهمه فيه فيرد، أو بعضهم إذا لم يتابع فإنه لا يؤخذ بحديثه، مثل ما كان يفعل يحيى بن سعيد القطان؛ فالرجل إذا كان يهم ولم يتابع في حديثه فإنه لا يقبل حديثه. قال إسحاق - قال إسحاق بن عيسى -: سمعت ابن المبارك يقول: يكتب الحديث إلا عن أربعة: غلاط لا يرجع، وكذاب، وصاحب هوى يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظه فيحدث من حفظه. "غلاط لا يرجع" معناه: أنه يغلط ويصر على غلطه، لا يراجع ولا يرجع. ومن اشتهر بهذا من المحدثين عاصم - عاصم الواسطي - فكان لا يرجع عن غلطه. قال عفان: كنت عند عاصم فحدث بحديث، فقلت: يخالفك. قال: من؟ قلت: شعبة. قال: ذاك المسكين، أنا الذي أدخلته على خالد بن خالد بن عدنان. ثم ذكر حديثًا، فقلت: يخالفونك. قال: من؟ فقلت: أبو عوانة. قال: ذلك الوضاح. وفي نسخة: قال ذلك الوضاح، والظاهر أنه أراد: الوضاح ذلك العبد، أنا هكذا يقول: ذلك الوضاح ذلك العبد؛ لأن أبا عوانة كان عبدًا. وذكر له ناس، فوجد أنه يأنف، كان فيه شيء من الكبر، ويذكر معنى مذمة لهذا الذي يخالفه، وهذا من سوء القول. ولهذا قال ابن المديني: جئت إلى عاصم الواسطي، فكنت أقول له: يخالفونك، فيقول: فيصر على غلطه ولا يرجع. قال: فتركته. وكان الإمام أحمد يحسن الظن فيه، ولهذا روى عنه. فـ "غلاط لا يرجع" هذا مما اتفق العلماء على رد حديثه، عن الذي يصر على الخطأ. وقال الوليد بن الشجاع - هو أبو همام -: سمعت الأشجع يذكر عن سفيان الثوري قال: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد؛ إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك. هذا كلام صحيح، أنه لا يسلم أحد من الغلط، كما قال الإمام أحمد: "كم يحفظ الرجل؟ فلا بد من الخطأ". فهذا مالك، وهو من أشد المتقنين، عثرت عليه أخطاء، حتى ألف الإمام الدارقطني جزءًا سماه "أخطاء مالك". وقال الحسين بن منصور - أبو علي السلمي، الأني سابوري -: سئل أحمد عمن يكتب حديثه؟ قال: عن الناس كلهم إلا عن ثلاثة: صاحب هوى يدعو إليه - يعني يدعو إلى بدعته - أو كذاب، أو رجل يغلط في الحديث فيرد عليه فلا يقبل - يعني لا يقبل الرد، يعني يصر على الخطأ. وقال الربيع بن سليمان: قال الشافعي: من كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم تقبل شهادته. وكذا ذكر الحميدي - أي عن الشافعي -. وهذا قد يكون موافقًا لقول يحيى بن سعيد ومن تابعه؛ لأنهم يتركون حديث الرجل إذا أصر. وروى نعيم بن حماد قال: حدثني ابن مهدي، سئل شعبة: حديث من يترك؟ قال: من يكذب في الحديث، ومن يكثر الغلط، ومن يخطئ في حديث مجتمع عليه فيقيم على غلطه ولا يرجع، ومن روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. قال: هؤلاء يترك حديثهم. إن كان نعيم بن حماد في حفظه شيء. وذكر أبو حاتم الرازي قال: أخبرنا سليمان بن أحمد الدمشقي قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: أكتب عمن يغلط في عشرة؟ قال: نعم. قيل له: يغلط في عشرين؟ قال: نعم. قيل له: في ثلاثين؟ قال: نعم. قيل له: في خمسين؟ قال: نعم. وهذا على من؟ لمن كان حديثه كثير؛ أما من كان حديثه قليل ويغلط هذا الغلط فهو واهم. وقال حمزة السهمي: سألت الدارقطني عمن يكون كثير الخطأ؟ قال: إن نبهوا عليه ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط. أخرج ذلك كله أبو بكر الخطيب في كتاب "الكفاية". وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، عن أحمد الدورقي - أحمد بن عبد الملك الدورقي، أحمد بن عقبة الدورقي - قال: أخبرنا ابن مهدي، قيل لشعبة: متى يترك حديث الرجل؟ قال: إذا حدث عن المعروفين ما لا يعرف المعروفون، وإذا أكثر الغلط، وإذا اتهم بالكذب، وإذا روى حديثًا غلطًا مجتمعًا عليه فلم يتهم نفسه، فيترك طرح حديثه. وما كان غير ذلك فارووا عنه. مثل ما قال شعبة: عبد الملك بن سليمان العرزمي، لما روى حديث الشفاعة وهو حديث الحسن عن سمرة، فجعله عن أنس، وكان يقال له: ولا يرجع. فقال: إن جاء يقول شعبة: إن جاء عبد الملك بحديث آخر غير حديث الشفاعة مثله - أي يغلط فيه - فإني لا أروي عنه بعد ذلك. قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا ابن أبي حاتم، يقول: أخبرنا سليمان بن محمد الدمشقي، قال: قلت لابن مهدي: أكتب عمن يغلط في مائة؟ قال: لا، مائة كثيرة. وهذه الرواية عن ابن مهدي توافق قول شعبة ويحيى والشافعي: إن كثرة الغلط ترد به الرواية، وتخالف رواية ابن المثنى وأحمد بن سنان عنه، أن الاعتبار في ذلك بالأغلب. والظاهر أنه في مسألة الخطأ أنه بالأغلب، لكن إذا كان عنده خطأ ويصر عليه ولا يرجع فهذا شيء آخر. وكلام الإمام أحمد يدل على مثل قول ابن المبارك، ومن وافقه؛ فإنه حدث عن أبي سعيد مولى بني هاشم، وقد قال فيه: كان كثير الخطأ، ولم يترك حديثه. وحدث عن زيد بن الحباب، وقال فيه: كان كثير الخطأ، وخاصة في حديث سفيان الثوري. وقال أبو عثمان البردعي - وهو محمد بن هارون، أبو عثمان البردعي، محمد بن هارون، وله مشاركات في العلل، محمد بن هارون البرديجي، البرديجي، البرديجي، البرديجي، يقال له البردعي ويقال له البرديجي -: أخبرنا محمد بن يحيى النيسابوري - فهو الذهلي - قال: قلت لأحمد بن حنبل في علي بن عاصم - أنا هذا علي بن عاصم الذي ذكرنا وهو الواسطي، واسمه علي، وابنه اسمه عاصم، روى عنه مسلم -: قلت لأحمد بن حنبل في علي بن عاصم، وذكرت له خطأه، وقال لي أحمد: كان حماد بن سلمة يخطئ، وأبو أحمد بيده خطأ كثير، ولم ير بالرواية عنه بأسًا. إنما ذكر ذلك عن أحمد لأن أحمد كان يحسن الظن بعلي بن عاصم، وإلا قد تركه جماعة من العلماء: كعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأيضًا أبو حاتم وأبو زرعة، وجماعة من العلماء تركوا حديثه. ولهذا قال الحافظ في ترجمته في "التقريب": كان مكثرًا من الرواية، لكن ضعف لغلطه، ضعف لغلطه. ولهذا قال: هو صدوق يخطئ ويصر - أي على الخطأ - ويصر على الخطأ. وقد ذكرنا رواية عفان وعلي بن المديني عنه. وكان علي بن عاصم هذا مشهورًا في رواية الحديث، حتى كما ذكرنا قبل أنه لما جاء إلى البصرة حضر مجلسه مائة ألف أو أكثر، أنه حضر مجلسه في البصرة أكثر من مائة ألف، حتى أن الناس جلسوا على الدكاكين إلى ماكن الساحات العامة، وكانوا حتى قال بعضهم: لم أستطع إحصاء المستملين، المستملون الذين يستملون الحديث، لم يستطع أن يحصيهم من كثرتهم. المستملي هذا الذي يقول: ماذا قلتَ، إرحمك الله؟ حتى يبلغه للآخرين؛ لأنه ما كانت عندهم ميكروفونات وغيره، فل هذا الصوت له حدود، فيأتي بعد مسافة رجل يبلغ الناس هذا الحديث. قال إسحاق المنصور - وهو الكوسج -: قلت لأحمد: متى يترك حديث الرجل؟ قال: إذا كان الغالب عليه الخطاء. هذا كلام الترمذي، يهون يحتمل مثل قول شعبة ويحيى ومن وافقهما، حيث ذكر أن من كان مغفلًا يخطئ الكثير فإنه لا يشتغل بالرواية عنه عند أكثر أهل الحديث. وذكر أيضًا قبل ذلك أن من ضعفه لغفلة وكثرة خطئه لا يحتج بحديثه، فلم يعتبر إلا كثرة الخطأ. ويحتمل أن يكون مراده: ضعف حديث من جمع بين الوصفين معًا: الغفلة وكثرة الخطأ، دون من كان فيه حدهما. أما الغفلة المجردة مع قلة الخطأ، أو كثرة الخطأ لسوء الحفظ دون الغفلة، ويكون ذلك قولًا ثالثًا في المسألة، والله أعلم. معنى: إما أن يكون يكثر خطأه فهذا يضعف لكثرة خطأه، أو أنه عنده غفلة شديدة فيخطئ كثيرًا، فيخطئ كثيرًا. وهذا غالب العباد الذين يخطئون في الأحاديث، غالبا من هذا الباب: من الغفلة، أو من سوء الحفظ، إما من الغفلة وإما من سوء الحفظ، فإن سوء الحفظ لكم