الدرس في شرح الدرة البهية في شرح القصيدة التائية 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يذكر العلامة السعدي أمثلة على تناقض الجبريين في الاحتجاج بالقدر على معاصيهم، مثل رجل جبري يغضب عندما يعتذر له وكلاؤه بالقدر عن تقصيرهم. كما يذكر مخاصمة بين قدري وجبري يتحاكمان إلى عالم من علماء أهل السنة.
يتناول حوارًا بين قَدَرِيٍّ وجَبْرِيٍّ وحكم الحاكم السني بينهما، حيث يرفض كلا المذهبين المتطرفين ويقدم حلاً وسطًا يجمع بين إثبات مشيئة الله وإرادة العبد. يُظهر أن أفعال العباد صادرة عنهم بحرية ولكنها تحت مشيئة الله.
يتناول أسباب طول العمر وسعة الرزق، موضحا أنها تندرج تحت قضاء الله وقدره وتشمل الأسباب الدينية والمادية. يُبين أهمية الجمع بين الأخذ بالأسباب والاستعانة بالله.
يشرح أهمية الجمع بين الأخذ بالأسباب النافعة والاستعانة بالله، ويحذر من الانحرافات الثلاثة: الكسل، التعلق بالأسباب دون الله، وترك الأسباب مع ادعاء التوكل. يُبين أن التوكل الحقيقي يكون بعد العمل بالأسباب.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «الدر البهية في شرح القصيدة التائية في القدر» في ذكره للأمثلة في الخاتمة: المثال الثالث، قضية الرجل الجبري. قال: كان رجل قد غلا في الجبر والقدر غلوا عظيما، فكان يعتذر بالقدر عند كل جليل وحقير، حتى آلت به الحال إلى الاستهتار وانتهاك أصناف المعاصي. وكلما نصح وليم على أفعاله، جعل القدر حجة له في كل أحواله. وكان له، صاحب يعذله وينصحه عن هذه المقالة التي خالف العقل والنقل والحس. ولا يزيده العذل إلا إغراء -يعني العذل النصيحة- والكف كلما نصحه أمره أن يكف عن ذلك زاده ذلك إغراء. وكذلك أيضا زاده إسرافا في الذنوب والمعاصي والاحتجاج على ذلك بالقدر. قال: وكان صاحبه ينتظر وينتهز الفرصة في إلزامه بأمور تختص به وتتعلق به. وكان هذا الجبري صاحب ثروة، له أموال متنوعة، وقد وكل عليها الوكلاء والعملة. فصادف في وقت متقارب أن جاءه صاحب ماشيته، فقال: إن الماشية هلكت وتليفت جميعها؛ لأني رعيتها في أرض جذبة، ليس فيها عود أخضر. قال له: فعلت ذلك وأنت تعلم أن الأرض الفلانة مخصبة، فما عذرك في ذلك؟ قال: قضاء الله وقدره -يعني تجب القدر على هلاك ماشيته- قال: وكان ممتثلا غضبا قبل ذلك، فزاد غضبه من هذا الكلام، واستفاط غضبه، واستشاط غضبه، وكاد يتقطع من هذا الاعتذار. وكان ممتلئا غضبا قبل ذلك، فزاد غضبه من هذا الكلام، واستشاط غضبه، وكاد يتقطع من هذا الاعتذار -يعني أنه ما قبل الاعتذار راعيه حين اعتذر بهلاك الماشية بالقدر- قال: وجاءه صاحب البضائع، فقال: إني سلكت الطريق المخوف، فاقتطع المال قطاع الطريق. فقال له: كيف تسلك هذا الطريق المخوف مع علمك أنه مخوف، وتترك الطريق الآمن الذي لا تشك في أمنه؟ فأجابه من مثل جواب الراعي للماشية -يعني قضاء الله وقدره- وعمل معه الجبري ما عمله مع صاحبه -يعني امتلأ غضبا، ولم يقبل منه هذا العذر- وهذا حاله كحال هذا الجبري الذي يفعل المعاصي والذنوب ويرتكب المحرمات ويسلك سبيل أهل الغي والضلال، ثم يقول: لماذا قضى الله علي بالضلال؟ ويستدل بالقدر على فعل المعاصي، ويجعل ذلك عذرا. ولما هلكت أمواله، باحتجاج صاحبها أو القائم عليها بالقدر، لم يقبل ذلك منه. قال: فأجاب، ثم جاءه وكيله على تربية أولاده وحفظهم، فقال: إني أمرتهم أن ينزلوا في البئر الفلانية ليتعلموا السباحة، فغرقوا. فقال: لما فعلت ذلك وأنت تعلم أنهم لا يحسنون السباحة، والبئر المذكورة تعلم أن ماءها غزير، فكيف تتركهم ينزلون فيها وحدهم وأنت لست معهم؟ فقال: هكذا قضاء الله وقدره. فغضب عليه غضبا لا يشبه الغضب على الأولين. وكان الغضب أن يقتله. وكل واحد من هؤلاء الذين وكلهم على ما ذكرنا، يزداد غضبه عليه إذا قال له: هذا قضاء الله وقدره. فحينئذ قال له صاحبه: يا عجبا لك يا فلان، كيف قابلت هؤلاء المذكورين بهذا الغضب البرغ، ولم تعذرهم حين اعتذروا بالقدر، بل زاد هذا الاعتذار في جرمهم عندك. وأنت مع ربك في أحوالك المخجلة قد سلكت مسلكهم، وحذوت حذوهم. فإن كان لك عذر، فهم من باب أولى أعذر وأعذر. وإن كانت أعذارهم تشبه التهكم والاستهزاء، فكيف ترضى أن تكون مع ربك هكذا؟ قال: فانتبه الجبري حينئذ، وصحا بعدما كان غارقا في غلوه. وقال: الحمد لله الذي أنقذني مما كنت فيه، وجعل لي موعظة وتذكيرا من هذه الوقائع التي وقعت لي، ولمست فيها غلطي الفاحش. والآن اعتقد أن ما حصل لي من نعمة هداية إلى الحق أعظم عندي من هذه المصائب الكبيرة، كما تحققت فيها قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. والمثال واضح في بطلان -يعني احتجاج الجبري بالقدر على سلوك سبيل الغواية والضلالة وفعل المعاصي- ويحتج بذلك بالقدر، ويترك سبل الهداية والاستقامة وسبل النجاح، فلا يكون له في ذلك حجة بهذا الاعتذار. كما أنه لم يقبل حجج هؤلاء الذين سلكوا الطرق المخيفة فقطعت الأموال، وذلك الذي رعى الماشية في أرض جذبة -وفي أرض يعني يابسة- فهلكت الماشية، واعتذر بالقدر، فلم يقبل ذلك منه. وقال: لماذا لم ترعها في الأرض الخصبة؟ وهذا حاله كحال هذا الجبري: لماذا سلكت طريق الهداية وطريق الاستقامة وطريق النجاح؟ وقال: قدر الله عليه أن أكون من أهل الإيمان ومن أهل الصلاح ومن أهل الجنة. فكيف يسلك سبيل الغواية، ويقول: قدر الله عليه أن أفعل المعاصي والذنوب؟ قال: المثال الرابع، مخاصمة بين القدري والجبري. قال: طال الخصام بين قدري -يعتقد أن أفعال العباد لا تتعلق بها مشيئة الله- وبين جبري يعتقد ضد ذلك، وأنهم مجبورون على أفعالهم واقعة بغير اختيارهم؛ لأنهما متباعدان في طرفين متقابلين. فالقدري ينفي أن يكون لله جل وعلا مشيئة في أفعال العباد، والجبري -يعني يغلو في إثبات مشيئة الله في أفعال العباد- حتى يسلب العبد المشيئة والاختيار، فيقول: لا مشيئة للعبد في أفعاله، وأنه مجبور على ما يفعل. قال: فاتفقا على التحاكم إلى عالم من علماء أهل السنة، يعرفان كمال معرفته وكمال دينه. فقال السني: ليعرض كل منكما علي مقالته، ولكما علي أن أدقق الحكم بينكما، وأن أرد ما مع كل واحد منكما من باطل، وأثبت ما معه من حق. فقال القدري: أنا أقول: إن الله حكم عدل، لا يظلم من عباده أحدا. ومن مقتضى إثباتي لهذا الأصل: أني أنزه ربي عن أن تكون الفواحش الواقعة من العباد واقعة بمشيئة الله، بل العبد هو الذي تجرى عليه، وهو الذي فعلها استقلالا. وأدلة على هذا: جميع النصوص الدالة على أن الله ليس بظالم لعباده مثقال ذرة، وأنه حكم عدل؛ لأن تعلق مشيئته بأفعالهم، ثم تعذيبهم عليها ظلم من جهتين: ظلم من جهة إضافتها إلى مشيئته -يعني إذا قلنا أن الله شاء المعاصي والذنوب، ثم هو يعذبهم على فعلها، كان ذلك ظلما- قال: من جهتين: الجهة الأولى ظلم من جهة إضافتها إلى المشيئة -أي إلى مشيئة الله- أن الله شاء هذه الذنوب والمعاصي. وظلم من جهة كيف يعذبهم على أمر هو الذي شاءه وقدره؟ وهذه من شبه القدرية في نفي القدر. قال: ثم إني لو قلت: إنها واقعة تحت مشيئة الله، لأبطلت بذلك أمر الله ونهيه، بل في ذلك إبطال للشرع. فأنا ما رأيت السلامة من هذا المحذور إلا بهذه الطريقة العادلة التي يرتضيها كل عاقل منزه لله. هكذا قال القدري. وسيأتي بأنه نظرة -يعني بمنظار أو بعين كما يقال عوراء- فهو أثبت الإرادة الشرعية ونفى الإرادة الكونية، ولذلك أتى بهذه العقيدة الباطلة المنحرفة. قال الجبري: أنا أقول: إن الله على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن: قضايا لا يمكن لمسلم أن ينكرها، ولا ينازع فيها. وهذا عموم لا يخرج عنه حادثة. ومن أعظم الحوادث: أفعال العباد من طاعات ومعاصي وغيرها. فلو أنها خارجة عن قدرة الله ومشيئته، لم يكن الله قديرا على كل شيء، ولا خالقا لكل شيء. ومقتضى ذلك: أن العباد مجبورون على أفعالهم، غير مختارين لها؛ لأنهم لو اختاروها وفعلوها حقيقة، لخرجت عن مشيئة الله وقدرته. فتعين القول بالجبر: وأنهم مجبورون، مقهورون على أفعالهم، قد نفذت فيهم مشيئة الله، وصرفتهم الإرادة -يعني الكونية- فالجبري غلا في إثبات الإرادة الكونية، وأهمل الإرادة الشرعية. قال: وأدلتي على قولي هذا: جميع النصوص المثبتة لعموم خلق الله ومشيئته وقدرته. وأني لو قلت: إن العبد فاعل حقيقة لفعله، لأخرجت هذا القسم عن مشيئة الله وقدرته وإرادته. فقال الحاكم السني: لقد وضح كل واحد منكما مذهبه توضيحا كاملا، واستدل كل واحد منكما بأدلة لا يمكن المنازعة فيها لكثرتها ووضوحها. ولكن كل واحد منكما لم ينظر المسألة من جميع نواحيها، بل لحظ جانبا، وعمى عن الجانب الآخر. وكثير من الأغلاط يأتي من هذا السبب. وسأحكم بينكما بحكم يستند على الكتاب والسنة، ويستند إلى العقل والفطرة. وسأقنع كل واحد منكما -إن كان قصده طلب الحقيقة- أما أنت أيها القدري، فقد أصبت بقولك: إن أفعال العباد كلها من كسبهم، وكلها من فعلهم، وطاعاتها ومعاصيها وغيرها من أفعالهم -يعني كالمباحات- وأصبت في استدلالك عليها: بأن الله نسبها وأضافها إليهم. وأصبت في تبريك من قول يلزم منه إسقاط الأمر والنهي، وهو الجبر. ولكنك أخطأت خطأ كبيرا حيث زعمت أن مشيئة الله وقدرته لا تعلق لها بأفعال العباد، فنفيت عموم النصوص الدالة على هذا الأصل. وظننت أن إثبات عموم الخلق والمشيئة لله ينافي كون الأفعال الصادرة من العباد تكون باختيارهم ومن كسبهم. وهذا الظن غلط محض. بل المؤمن العارف يجمع بين الأمرين: يثبت لله تعالى أنه خالق كل شيء من الأعيان والأوصاف والأفعال. ومن الأعيان -أي الذوات- والأوصاف -أي صفات هذه الذوات- هو الأفعال ما يصدر منها من خير وشر. وأنه مع ذلك الأفعال صادرة منهم حقيقة -يعني أن الله عز وجل خلقها وأوجدها، وأن العبد هو الذي باشر فعلها، فنسبت إلى العبد فعلا، ونسبت إلى الله خلقا وإيجادا-. قال: وأما أنت أيها الجبري، فلقد أصبت بإثباتك: أن الله على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء، وأنه ما شاء الله كان، ووجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن. وأصبت في هذا الاستدلال -وهذا إثبات للإرادة الكونية- أن ما شاء الله لا بد أن يكون، وأن يقع. قال: ولكنك أخطأت خطأ كبيرا حيث زعمت أن من لوازم إثبات عموم مشيئة الله: أن العبد مجبور على أفعاله، لم تقع بمشيئته. وظننت أن إثبات عموم القدر يقتضي منك أن تقول هذا القول. ثم قال السني أيضا لهما: لقد قال كل منكما قولا ممزوجا حقا بباطله. وسأحكم بينكما بحكم يتضمن إثبات ما مع كل منكما من حق، وإبطال ما مع كل منكما من باطل. وقد دل على هذا الحكم: عدة نصوص، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَآتِيهِ جَهَنَّمَ حَاضِرُونَ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ وقوله: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فهذه الآية الكريمة حكمت بينكما. فإن الله أثبت للعبد مشيئة بها يفعل ويسلك الصراط المستقيم أو يدعه باختياره ومشيئته. وقوله: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ الخطاب للخلق، معنى هذا: أن المخلوقات لها مشيئة، وأن من شاء الاستقامة سلك طرقها وأسبابها، ومن لم يشأها أو يردها ترك أسبابها. قال: وأخبر أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، غير مخارجة عنها. فمشيئة الله عامة لا يخرج عنها شيء، ومع ذلك فالعباد هم الذين يعملون ويطيعون ويعصون لقوله: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فأخبر أن مشيئة العبد -أو المخلوق- تابعة لمشيئة الله. وهذا فيه ماذا؟ رد على القدرية. قال: ومع هذا ومع أن هذا هو الذي دلت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، فهو الذي يدل عليه العقل والواقع والحس. فإن الله خلق العبد وخلق ما فيه من جميع الأوصاف والقوى. ألستما تعترفان بذلك؟ وكل عاقل يعترف به. قالا: بلى. قال السني: فإن من جملة أوصاف العبد التي خلقها الله فيه: أنه أعطاه قدرة ومشيئة يتمكن بهما من كل ما يريده من خير وشر وطاعة ومعصية. وبهما تقع طاعاته ومعاصيه. وتعلمان أن العبد متى أراد أمرا من الأمور التي يقدر عليها، فعله بتلك القدرة والإرادة التي خلقها الله فيه. فهو يقدم على فعل الطاعة بإرادته، كما أنه يقدم على فعل المعصية بإرادته واختياره. والعبد فرق بين ما يفعله على جهة الاختيار، وبين ما يفعله على جهة القهر والقسر. قال: فإذا أوقع العبد بهما فعلا من أفعاله، دخل تحت عموم قدر الله -يعني إذا فعل شيء من الأفعال التي شاء أن يفعلها من خير أو شر، دخل في عموم قدر الله سبحانه وتعالى وقضائه- قال: لأن خالق السبب التام الذي هو قدرة العبد وإرادته، خالق للمسبب -يعني لما يصدر عنهما- وكل منكما يعترف: أن الله خالق قدرة العبد ومشيئته، كما خلق جميع قواه الظاهرة والباطنة -يعني كما أنهم يعترفان بأن الله خالق لقدرة العبد التي يفعل بها الأشياء- إذن فكذلك أفعاله التي يفعلها العبد، هي مخلوقة لله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي أعمالكم، كما أنكم مخلوقون، كذلك أعمالكم مخلوقة. قال: فإذا اتفقتما على هذا القول الذي هو الصواب، بما عرف من دلالة النصوص الشرعية عليه، وأنه هو المعقول المحسوس، عاد الأمر إلى الوفاق -يعني إلى الاتفاق- أن فعل العبد بمشيئة الله جل وعلا وقدرته، وأن العبد يفعله بمشيئته واختياره، وإن كان هو بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره. قال: فليتبرأ كل منكما من الباطل الذي معه، وليعترف بالحق الذي مع صاحبه. ليتبرأ الجبري من اعتقاده أن العبد مجبور مقهور على أفعاله، وليعترف أنها واقعة بكسبه وفعله حقيقة. وليتبرأ القدر من اعتقاده: أن أفعاله غير داخلة تحت مشيئة الله، وغير شامل لها خلق الله وقدره. وليعترف بعموم خلق الله وشمول قدره. والحمد لله الذي بيّن الصواب، ووفق من شاء من عباده لاتباعه. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. قال: المثال الخامس في الآجال والأرزاق. قال: اعلم أن الآجال والأرزاق كسائر الأشياء، مربوطة بقضاء الله وقدره. فالله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون. فهذا أمر لا ريب فيه ولا شك. ومع ذلك فهي أيضا كغيرها لها أسباب دينية وأسباب طبيعية مادية. والأسباب تبع قضاء الله وقدره. ولو كان شيء سابق القضاء والقدر من الأسباب، لسبقته العين لقوتها ونفوذها -يعني أن ما قضاه الله جل وعلا وقدره له أسباب، كما الرزق مثلا من قضاء الله وقدره- أن الله عز وجل قدر الأرزاق، لكن مع ذلك جعل لحصول الأرزاق أسبابا، من سلكها وأخذ بها تيسر له الرزق، ومن أهملها ولم يبال بها قتر عليه الرزق. كما أن السلامة من الأسقام والأمراض هو بقضاء الله وقدره، كذلك أيضا وقوع العين وإصابة الإنسان بها بقضاء الله وقدره. ومع ذلك فقد جعلت أسباب بها يسلم العبد من الإصابة بالعين. وكل ذلك بقضاء الله وقدره. قال: فمن الأسباب الدينية لطول العمر وسعة الرزق -يعني وإن كانت هي من قضاء الله وقدر- لك هناك أسباب بها يتحصل المرء على طول العمر والسعة في الرزق. قال: لزوم التقوى والإحسان إلى الخلق، لا سيما الأقارب، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره -أن يطيل عمره- فليصل رحمه». وصلة الرحم -أي صلة الأقارب والأرحام كالوالدين والأعمام والعمات والأخوال والخالات إلى آخر ذلك- والأخوات من الأرحام، فصلتهم سبب طول العمر وسعة الرزق. قال: وذلك أن الله يجازي العبد من جنس عمله. فمن وصل رحمه، وصل الله أجله ورزقه وصلا حقيقيا. وضده: من قطع رحمه، قطعه الله في أجله وفي رزقه. كما جاء في الحديث: «الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله». قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ إذن من أسباب حصول الرزق: تقوى الله جل وعلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ومفهوم المخالفة: أن من لم يتق الله، كان ذلك سببا في قلة رزقه ونعم، وفي تضييق الأحوال عليه. قال: ومن الأسباب الدينية لقطع طول العمر: البغي والظلم للعباد. فالباغي سريع المصرع -يعني سريع الموت والهلاك- ومن الضاق ذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «ليس هناك ذنب أعجل من أن يعجل الله عز وجل العقوبة لصاحبه من البغي وقطيعة الرحم». فالبغي سبب لتعجيل العقوبة لصاحبه. وكذا أيضا قول الله جل وعلا أو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. قال: والظالم لا يغفل الله عن عقوبته، وقد يعاقبه عاجلا بقصم العمر -يعني بتقصيره- قالوا: من الأسباب الدينية لمحق الرزق: المعاملات المحرمة كالربا والغش وأكل أموال الناس بالباطل. فصاحبها يظن -بل يجزم- أنها توسيع عليه أنها توسع عليه الرزق. ولهذا تجرأ عليها، يظن أنه إذا فعل ذلك سيزيد الرزق عنده، ويزيد المال بالربا وأكل أموال الناس بالباطل وبالبطش والغصب وأخذها بالقوة إلى آخر ذلك من أنواع الظلم. قال: والله تعالى يعامله بنقيض قصده. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ يمحق الله الربا -يعني يذهب بركته- فلا يجعل لها بركة، ولا ينتفع بها صاحبها. ويربي الصدقات -يعني يزيدها وينميها ويكثرها- قال: فالمعاملة بالربا تمحق صاحبها وتمحق ماله. والمحق هم أخوذ من محاق القمر -يعني حين يغطى القمر ويذهب نوره- فلا يراه الإنسان مع أنه موجود. وهكذا حال مال المرابي: المال موجود لكنه كأنه غير موجود، لا نفع فيه ولا خير فيه. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المرابي ما أكثر من المال إلا كان عاقبة أمره إلى قلة. «ما أكثر أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة». هكذا يقول عليه الصلاة والسلام. كما أن المتصدق يفتح الله له من أبواب الرزق ما لا يفتحه على غيره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال، بل تزيده ثلاثا». والحديث أصل فيه في الصحيح مسلم، عنه رضي الله عنه. قال: وكذلك الغش وأكل أموال اليتامى والأوقاف بغير حق، من أكبر أسباب المحق، مع ما على صاحبها من الإثم والعقوبة. ويريد بهذا أن يبين: أن كثرة المال وسعة الرزق، كما أنه بقضاء الله وقدره، إلا أن له أسبابا من الشرع جعل أسبابا لزيادة الرزق، كما جعل أسبابا لقلة ومحق الرزق. قالوا: من أسباب طول العمر وقصره الطبيعية: الصحة والمرض. فالعافية من الأسقام سبب لطول العمر، كما أن الأمراض بأنواعها سبب لقصره. والمسكن والبقعة إذا كان الصحيحة طيبة الهواء، صارت من أسباب عافية أهلها وطول أعمارهم. والعكس بالعكس: البقاع الرديئة المناخ والهواء، أو البقاع الوبئة سبب لقصر العمر، كما هو مشاهد. وترى هذا مثلا في من يعيش في البوادي، ترى أن أهل البوادي يعمرون، تجد الكثير من كبار السن -يعني في صحة- ويتمتعون بقوة ونشاط. وإذا رأيت أمثالهم أو من هو دونهم في السن من أهل المدن، تجد الغالب عليهم التعب والمرض والأسقام. وهذا كله بسبب البيئة التي يعيشون فيها، كان لها تأثير في طول العمر وقصره، وفي كذلك الصحة والسقم. قال: والتوقي من المخاطر والمهالك، واستعمال الأسباب الواقية: فائدتها في طول العمر ظاهرة. والإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وسلوك المخاطر وكل أمر فيه خطر، سبب ظاهر للهلاك. والأمثلة في هذا كثيرة. ومن أسباب المادية في حصول الرزق وسعته: استعمال المكاسب النافعة، وهي كثيرة متنوعة. كل أحد يناسب له منها ما يوافقه ويحسنه ويليق بحاله، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ فيدخل في هذا العمل جميع الأسباب النافعة -يعني من الأعمال والصناعات من زراعة ومن نجارة وحدادة واصطياد إلى آخر ذلك من أنواع الأعمال والصناعات-. قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وكل هذه الأمور تابعة لقضاء الله وقدره. فإن الله تعالى قدر الأمور بأسبابها، فالأسباب والمسببات من قضاء الله وقدره. ولهذا لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، وتقاة نتقيها، والرقاء نسترقيها، هل ترد من قضاء الله وقدره شيئا؟» فقال: «هي من قضاء الله وقدره». والحديث كما مر معنا أن فيه كلام، لكن معناه صحيح. قال: وكذلك الأدعية المتنوعة -ويريد بهذا أن استعمال يعني الأدوية التي ينتفع بها الإنسان، ومن ذلك الرقى الشرعية التي يستعملها من أسباب السلامة من الأمراض والأسقام والأوجاع إلى آخر ذلك- قال: وكذلك الأدعية المتنوعة: سبب كبير لحصول المطلوب والسلامة من المرهوب. وقد أمر الله بالدعاء، ووعد بالإجابة. والدعاء نفسه والإجابة كلها داخل في القضاء والقدر. قال: وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالعمل بكل سبب نافع، مع الاستعانة بالله، كما ثبت في الصحيح مرفوعا: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله». فهذا أمر بالحرص على الأسباب النافعة في الدين والدنيا، مع الاستعانة بالله؛ لأن هذه الاستقامة -يعني التوكل على الله جل وعلا، واستعانة به والاعتماد عليه- لأنه خالق الأسباب والمسببات. وأنت تأخذ بالأسباب التي تنتفع بها في دينك وفي دنياك وآخرتك، والله جل وعلا يسددك ويعينك. قال: وذلك لأن الانحراف من أحد أمور ثلاثة: إما أن لا يحرص على الأمور النافعة، بل يكسل عنها، وربما اشتغل بضدها. كمن يترك الصلاة والعبادة والطاعة، ثم يقول: الله لو قدر الله علينا صليت ولا فعلت ولا كنت من أهل الصلاة والاستقامة. طيب ما الذي يمنعك أن تسلكها وأن تقوم بها وأن تفعلها؟ يقول: الكسل والخمور إلى آخره. فيترك الأسباب التي يحصل بها النفع، ويحصل له بها الخير، ويكون بذلك سببا في انحرافه. قال: أو يشتغل بها، ولكن يتكل على حوله وقوته، وينظر إلى الأسباب، ويعلق جميع قلبه بها، وينقطع عن مسببها -يعني في الأمور المادية يتعلق يتعلق بالسبب أكثر من تعلقه بخالق الأسباب- يتعلق بالسبب أكثر من تعلقه بخالق الأسباب. مثل مثلا من يتعلق بالشهادة، ويظن أنه ما سيصل له الرزق إلا عن طريق الشهادة. وإذا لم يكن معه شهادة فلا رزق له ولا مستقبل له. كحال بعض الناس ممن يتعلقون بالشهادات، وأصبح يتعلق بالسبب، ويعلق قلبه به، وينقطع عن خالق الأسباب والمسببات وهو الله سبحانه وتعالى. وهذا أيضا مسلك من مسالك الانحراف، وربما أوقعه ذلك في الشرك؛ لأن التعلق بالأسباب ماذا؟ من أسباب الشرك بالله. قال: أو لا يشتغل بالأسباب النافعة، ويزعم أنه متوكل على الله -يعني يقول: أنا متوكل على الله، ولا يأخذ بالأسباب، ويزعم أنه من أهل التوكل- وهذا في الحقيقة متلاعب، وليس بمتوكل، أو كما يقال هو متواكل. كحال من يدخل إلى الغابة عند السباع والوحوش، ولا يأخذ معه السلاح، ويقول: أنا متوكل على الله جل وعلا. أو من يسافر سفرا طويلا، ولا يأخذ معه الزاد من طعام وشراب، ويقول: أنا متوكل على الله. وهذا لا شك أنه يعني أخذ بأسباب الهلاك، وترك أسباب النجاح. قال: فإن التوكل لا يكون إلا بعد العمل بالأسباب، إذا لا بد من الأخذ بالأسباب، ما عدم الاعتماد عليها. فكما قال أهل العلم: ترك ترك الأسباب قدح في الشريعة، والاعتماد عليها شرك. ترك الأسباب قدح في الشريعة؛ لأن الشريعة جعلت لكل شيء سببا، جعلت لكل شيء سببا. لو قال إنسان: أنا أريد ذرية وأريد أولاد، لكن ما ستزوج. هذا عاقل يصح منه هذا؟ يقول: أنا متوكل على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. أنا سأعتمد على الله، الله سيرزقني بالذرية من غير زواج. ما يمكن؛ لأن الله جعل من أسباب الذرية الزواج والنكاح. إذا لا بد أن يأخذ بالسبب، لا بد أن يأخذ بالسبب، إلا كان كاذبا في دعواه التوكل على الله جل وعلا. قال: فهذا الحديث بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم الطرق النافعة للعباد. ولنقتصر على هذا، فإنه يحصل به المقصود. والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. قال ذلك وكتبه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين. رحم الله جل وعلا الشارح، ورحم الله عز وجل الناظم، وغفر الله جل وعلا لهما، وأدخلهما الجنة. ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما قرأنا وبما سمعنا، إنه على ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبهذا نكون انتهينا من قراءة هذه الرسالة النافعة الماتعة في هذا اليوم يوم الأربعاء الثالث عشر من جمادى الآخرة عام ألف وأربعمائة واثنين وأربعين من الهجرة. وصلى الله وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.