الدرس في شرح عقيدة الإمام الشافعي 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتم التعرف على توحيد الله من خلال النظر في المخلوقات وعدم التكلف في معرفة الغيوب، مع التركيز على أهمية الاشتغال بما يفيد. يتم ذلك من خلال الاستدلال بالمخلوقات على وجود الخالق.
يتم الرد على الجهمية والمعطلة الذين يقولون بخلق أسماء الله تعالى، حيث يتم إثبات أن أسماء الله من ذاته سبحانه وتعالى. يتم نفي قولهم "الاسم غير المسمى" باعتباره زندقة.
يتم شرح عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، حيث يتم إثبات الصفات لله تعالى كما وردت في القرآن والسنة مع نفي التشبيه والتكييف. يتم أيضاً إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة.
يتم نقد معتقدات الماتريدية والأشعرية حول رؤية الله، حيث يتم الرد على ادعاءاتهم بأن الرؤية مستحيلة دون تحديد جهة أو مكان لله. يتم الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية لإثبات إمكانية رؤية الله يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: خذنا بالعبر مما ذكره الذهب عن المزني رحمه الله، أنه لما شك في شيء من التوحيد، جاء إلى الإمام الشافعي رحمه الله، فذكر له بعض الأشياء التي يؤمن بها الإنسان وهو لا يراها حقيقة. فقال له: فعلمت. قال المزني للشافعي: فعلمت أن أحدا لا يعلم علمك، فما الذي عندك؟ فغضب، ثم قال: تدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، آية من آيات الله عز وجل، هذا فرعون الذي تكبر وتجبر، فأغرقه الله. أبلغ علك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا. قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ أنا في شأن هذا التوحيد، وهذا الذي تقوله في الشك في توحيد الله. قال: تدري كم نجما في السماء؟ قلت: لا. قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله؟ هل تعرف شيئا من هذه الكواكب تراها أمامك؟ لكن هل تعرف متى تذهب ومتى ترجع، وأيضا جنسها؟ هل هي من نار؟ هل هي من غير النار؟ فهذه الأشياء لا يعلمها الإنسان، لكن يرى هذا الشيء، وكذلك مما خلق. قلت: لا. قال: فشيء تراه بعينك من الخلق، لست تعرفه، تتكلم في علم خالقه. أنا هذا شيء فقط من مخلوقات الله، أنت لا تعرف تفاصيله، بل الناس جميعا لا يعرفون تفاصيله، فما بالك بخالق هذه الأشياء؟ فحقيقة أمره لا يعلمها إلا ما أخبرنا الله عز وجل به عن نفسه. قال: ثم سألني عن مسألة في الوضوء، فأخطأت فيها، ففرعها على أربعة أوجه. يريد: أيش أنك تتكلم في أمور كبيرة، وهذه الأمور لا تحسنها. قال: تحتاج إليها في اليوم خمس مرات، تدع علمها وتتكلف علم الخالق. إذا هجس في ضميرك ذلك، فارجع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ فاستدل بالمخلوق على الخالق. استدل بهذه المخلوقات على توحيد الله جل وعلا. وقال: ولا تتكلف علم ما لا يبلغه عقلك. ولهذا ربنا جل وعلا ضرب أمثلة كثيرة في توحيده سبحانه وتعالى، فضرب في المملوك والشركاء فيه، وغيرها من الأمثلة التي ضربها الله عز وجل. وكذلك الأدلة التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى في توحيده، ومن ذلك هذه الآيات العظيمة. قال: في هذه القصة فوائد مستنبطة منها: أن كلمة التوحيد كانت معروفة ومستعملة عند السلف. وقد تقدم في العشر السابق أن كلمة السنة كانت معروفة كذلك. يعني: يريد لفظ التوحيد، كلمة التوحيد. يعني: هذه كلمة التوحيد معروفة عند السلف، ليست وليدة اليوم. عن بعض المتصوفة يقولون: هذا التوحيد ما جاء به إلا محمد بن عبدالوهاب، أنه ما نعرف شيئا توحيدا، مع أنه جاء في النصوص، مع أنه جاء في النصوص، جاء في حديث سهل بن سعد: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أرسل معاذا، فقال له: «إدعوهم إلى أن يوحدوا الله» إلى أن يوحدوا الله. فالتوحيد موجود في النصوص أيضا، كذلك كل نص فيه وحدانية الله عز وجل، مثل هذه الآية: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فهذا كله توحيد. ثانيها: أن الشافعي رحمه الله أرشد صاحبه المزني بالاستدلال بالمخلوق على الخالق، وهذه طريقة الشرع، كما قال عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أو كما ورد. هذه الاستدلالات التي استدل الله عز وجل بها على توحيده. ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فلهذا ربنا جل وعلا يستدل بهذه المخلوقات على توحيده سبحانه وتعالى، وعلى أيضا أن الناس يرجعون إليه سبحانه جل وعلا، وأنه خلق هذه السماوات والأرض التي هي مخلوقات عظيمة. وأيضا لهذا، قال ذاك العربي لما سئل عن توحيد الله عز وجل وتعظيمه ومعرفته، قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماوات ذات فجاج، وأرض ذات فجاج، وسماوات ذات أبراج، ألا تدل على العليم الخبير؟ وكما قال: أن هذه الأشياء التي في الكون، ألا تدل على أن الله عز وجل واحد سبحانه وتعالى، هو الذي خلقها؟ وكما جاء عن أبي حنيفة: أن أناسا من الملاحدة، وقد ذكر ذلك بعض أصحاب أبي حنيفة في ترجمته: أن بعض الملاحدة جادلوا أبا حنيفة، فقالوا: نحن لا نؤمن إلا بشيء نراه. قال: مثل هؤلاء الشيوعيين الذين يقولون: لا إله، والحياة مادية، نحن لا نرى الله كيف نؤمن بشيء لا نرى؟ فقال لهم: دعوني منكم، أنا لا تقربوا عندي. أنا الآن أفكر، أخبرت أن سفينة في البحر تمشي في البحر، وليس لها قائد يقودها. قالوا: في البحر تمشي، وليس لها قائد يقودها، تمشي وحدها. فقالوا: هذا مستحيل. فقال: ويلكم، أنتم الآن لم تصدقوا بأن سفينة تمشي في البحر وحدها، وصدقتم أن هذا الفلك بسمواته وأراضيه وكواكبه، وكل هذه الأشياء تمشي هكذا بدون أحد يسيرها؟ فوقع ذلك في قلوبهم. فهذا كله يدل على توحيد الله جل وعلا. ثالثها: عدم التكلف والتعمق والبحث عن الأمور التي لا يبلغها العقل، عن الأمور التي المغيبات لا ينبغي للإنسان أن يكلف نفسه أن يعرفها، لأن هذا شيء غيبه الله عز وجل، والعقل لا يدركه. قالوا: هذه نصيحة عظيمة من الإمام الشافعي، لو أن المتكلمين قد عملوا بها، ولم يتكلفوا علم الغيوب التي لم تبلغها عقولهم، لكان خيرا لهم، ولما حصل منهم ذلك الضلال والاضطراب والحيرة والشك. رابعها: على الإنسان طالب العلم أن يشتغل بما يفيده ويترتب عليه العمل، ولا ينشغل بالبحث عما لا طائل وراءه، ولا فائدة ترجع. أحيانا الشيطان يوسوس للبني آدم، يشككه في أمور، يعني أمور محكمة وأمور يقينية عند المؤمنين، لكن يأتي الشيطان ويشككه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أبا هريرة، سيأتي أناس يسألونك، فيقولون: من خلق؟ فتقول: الله. فيقولون: من خلق الله؟» وجاء ذلك كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: جاء عنده ناس يسألونه هذا السؤال. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا جاء حدكم الشيطان، فقال: من خلقك؟ فقال: الله. فإذا قال: من خلق الله؟ فقل: آمنت بالله». وجاء في رواية: يقول: «لا إله إلا الله». فلهذا يأتي الشيطان يوسوس، ولهذا جاء في صحيح مسلم: أن الصحابة رضي الله عنهم جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: يا رسول الله، إن أحدنا ليكون في صدره شيء، لا يستطيع أن يتكلم به، ولو خر من السماء، لكان أعظم مما يستطيع أن يتكلم بهذا الكلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة». وجاء في رواية: قال: «ذاك صريح الإيمان». أن هذا الذي تفعلونه صريح الإيمان. وقال: «فالحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة فقط»، ما استطاع أن يغلبكم حتى تتكلموا بهذه الأشياء. ولهذا تجد كثيرا من الناس تدخله الشكوك، حتى بعضهم يجن، يصيبه الجنون بسبب هذه الشكوك التي تأتي. فالواجب على مثل هذا: أنه لا يحدث بشيء من هذا، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول: آمنت بالله، يقول: لا إله إلا الله، ينشغل عن هذه الأمور، وعن هذه الشكوك. فإذا كان كذلك، فإن الله عز وجل ينجيه. لأن الشيطان أحيانا يتسلط على الإنسان بهذه الشكوك، فلهذا لا بد أن يخرجها من نفسه، ويستعيذ بالله عز وجل، ويلجأ إلى الله. وأيضا كذلك لا يتكلم بشيء منها، هذا أيضا لا بد منه، لا يتكلم بشيء أمام الناس. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة». قال: أنه يجب على المسلم الإيمان بجميع أسمائه تعالى وصفاته، والعلم بمعانيها بلا تمثيل ولا تعطيل، كما يجب عليه تفويض علم الكيفية إلى الله تعالى، لأنه من دائرة علم الغيب. علم الكيفية لا يعلمها حقيقة، حقيقة أسماء الله، حقيقة صفات الله عز وجل، لا يعلمها إلا الله. نعلم أن الصفة، وأيضا اسم الصفة، وأيضا معناها، لكن حقيقتها لا نعلم، لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء، فحقائق الأسماء والصفات هي عند الله سبحانه وتعالى. ولا يجب لنا أن نمثل الله عز وجل بخلقه، ولا أن نعطل هذه الصفات. فليس معنى ذلك: أننا إذا ما مثلنا، أننا نعطل. فهذا الذي وقع فيه البدع، منهم من مثل، ومنهم من عطل. والذين عطلوا، مروا على التمثيل، يعني: أوقعهم في التعطيل هو التمثيل، مثل الله عز وجل بخلقه، فقالوا: هذا إذا قلنا أن الله له صفات، سيشبه الله عز وجل المخلوقين، فلهذا وقعوا في التمثيل، وبعد ذلك وقعوا في التعطيل. وهذا كله تكلف. فالواجب على المسلم: أنه يسلم لله عز وجل، لكن حقيقة هذه الأشياء لا يعلمها إلا الله، لأن الإنسان، يعني: إذا سمي شيئا بكذا، مثلا لا يعرف حقيقته. مثلا الآن: صفة اليد، صفة اليد في المخلوقات، هل تتشابه؟ لا تتشابه في المخلوقات فقط، فكيف إذا كان بين المخلوق والخالق سبحانه وتعالى؟ ولله عز وجل مثل العلم. فلهذا، مثلا كما قال شيخ الإسلام وغيره: يد الفيل، ويد النملة، هذه يد، وهذه يد، لكن هل بينهما تشابه؟ ليس بينهما تشابه أبدا، لا بالحجم، ولا بالطول، ولا أيضا بالكيفية، بكل شيء ليس بينهما تشابه، وهي صفات مخلوقين، هذه يد، وهذه يد. فهذا يدل على أن هؤلاء ما كانت لهم عقول صحيحة، فقالوا: أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه. أين يستلزم التشبيه؟ وهذه المخلوقات بينهما فرق عظيم، فلهذا فهؤلاء وقعوا في الخطأ من هذا الباب. قال: بدعة القول بخلق أسماء الله الحسنى. قال: وخرج ابن عبدالبر عن يونس بن عبدالأعلى، قال: سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، أو الشيء غير الشيء، فاشهد عليه بالزندقة. وهذه العبارة قد جاءت عن الشافعي من عدة أوجه، عن رواها أصحابه، رواها ابن عبدالحكم، ورواها كذلك أيضا المزني. الظاهر المهم: أنها جاءت عن جمع من أصحاب الشافعي، ذكروا ذلك عنه. وكذلك أيضا جاءت هذه العبارة عن الأصمعي، عبد الملك بن قريب الأصمعي، اللغوي السني، أيضا جاءت عنه هذه العبارة. قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، أو الشيء غير الشيء، فاشهد عليه بالزندقة. التعليق على هذا النص المبارك: وفيه رد من الإمام الشافعي على طائفة الجهمية، لأنهم الذين يقولون: الاسم غير المسمى، وأرادوا بذلك: أن الأسماء لله عز وجل مخلوقة، ليست من الله عز وجل، ولا من ذاته، بل هي مخلوقة. فلهذا نفوا أن تكون لله عز وجل أسماء. وكانوا يقولون: أن الاسم غير المسمى. سيأتي إن شاء الله وتعالى ذكر هذه المسألة. لقد رد الإمام الشافعي بنص هذا على أصناف من المعطلة الجهمية، ومن يسير سيرهم من المعتزلة والماتريدية والأشعرية. بل نسب هذا القول شيخ الإسلام إلى بعض الأشعرية: أنهم يقولون هذا القول، وهذا غلط حتى على مذهبهم، لأن هذا قول الجهمية، ولأنهم يقولون: أن الأسماء مخلوقة. طال وغير من القائلين ببدعة القول بخلق القرآن، وببدعة القول بخلق أسماء الله تعالى. وهؤلاء اشتدلوا بقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قالوا: الله فقط، وكل شيء، الله عز وجل خالق كل شيء، مخلوق. ولهذا يقولون: القرآن مخلوق، وأسماء الله عز وجل مخلوقة. وهذا كلام باطل، أسماء الله عز وجل من ذاته سبحانه وتعالى، فهو الله، وهو الرحمن، وهو الرحيم، وهو اللطيف، وهو الخبير، كل هذه الأسماء تدل على ذات واحدة. ولله الأسماء الحسنى، فادعوه بها، وذر الذين يحيدون في أسمائه، سيجزون ما كانوا يعملون. فهذا الذي يقول: أن الإسم أو أسماء الله عز وجل مخلوقة، فمعنى ذلك: أن هذه الأسماء خلقها الله، وليست لله عز وجل، أي شيء مخلوق. وهذا كلام باطل. ولهذا رد الإمام الشافعي، فقال: إذا سمعت الرجل يقول: الإسم غير المسمى، أو الشيء غير الشيء، فاشهد عليه بالزندقة. يعني: يريد أن يعطل أسماء الله عز وجل وصفاته. قال: تبعا للقول ببدعة القول بخلق القرآن. ولكن من هؤلاء المعطلة: من كانوا غير صرحاء في إظهار هذه البدعة، فكانوا يموهون على الناس بقولهم: الإسم غير المسمى، وقصدهم بذلك التمهيد إلى بدعة القول بخلق أسماء الله تعالى، بحجة أن الإسم إذا كان غير مسمى، فأسماء الله عز وجل غير الله، وكل ما كان غير الله، فهو مخلوق، فأسماء الله تعالى مخلوقة، لأنها غير الله. يريدون: أن كل ما هو غير الله، فهو مخلوق. فإذا جعلوا أسماء الله عز وجل ليست الله، فمعنى أنها مخلوقة. لكن الأدلة دلت على أن أسماء الله عز وجل هي الله، الله هو الرحمن، والرحيم، وغير هذه الأسماء، كلها لله سبحانه وتعالى. فكيف يفرق فيقال: الله، وعما اسم الرحمن مخلوق، واسم الله هو هو الله، لكن الرحمن مخلوق. هذا كلام باطل لا يعقل، وليس أيضا له وجود في النصوص، ولا كذلك في العقل. بل هذه أسماء الله عز وجل تدل على الرب سبحانه وتعالى، فهي من ذاته سبحانه وتعالى. قال: ومن أئمة السنة من قال أيضا: الاسم عين المسمى. وقال آخرون من هؤلاء: أن الاسم عين المسمى، وقصدهم بهذا القول: أن الاسم الأول وهو الله، ذاته غير مخلوق، أما هذه الألفاظ كالله، والرحمن، والرحيم، فهي تسميات، وهي مخلوقة. وهذا القول لا يقل ضلالا عن القول الأول الصريح للجهمية، لأن في طيه قولا ببدعة خلق أسماء الله، تبعا للقول بخلق القرآن. أيضا هذا لما قال: الاسم عين المسمى، أيضا فيه خطأ. الاسم عين المسمى، وقصدوا بذلك: أن الاسم هو الله، وأما ما يدل عليه في الأسماء، فهي مخلوقة كذلك. وهذا نفس كلام الجهمية، لكنه صاغوه بالصيغة الأخرى. وهذا كلام الماتريدية، ولا شاعرية. قالوا: من أئمة السنة من قال أيضا: الاسم عين المسمى. وليس قصدهم: أن أسماء الله مخلوقة، ولكن قصدهم: أنك إذا قلت: يا الله، فليس المراد لفظ الله، بل المراد المسمى، وهو الله ذاته. ولكن لما كان قولهم هذا بالظاهر موافقا للجهمية، أنكره سائر أئمة السنة. وقالوا: البحث في أن الاسم غير المسمى، أو أن الاسم هو المسمى، كل ذلك من حماقات المتكلمين، وضلال الجهميين. وكفروا القائلين بخلق أسماء الله تعالى، كما كفروا القائلين بخلق القرآن. يعني: الذين قالوا: بأنه مخلوق، وأن الله خلق القرآن، هؤلاء أيضا كفار. وقد صرح بذلك جماعة من العلماء، منهم الشافعي، ومنهم كذلك وكيع، ومنهم ابن المبارك، ومنهم كذلك علي بن المديني، وكذلك كثير من أئمة الإسلام. قال: وقالوا: الجواب الواضح: أن يقال: الاسم للمسمى. وحذروا من القول بأن الاسم عين المسمى، وغير المسمى، لعل لا يتطرق أحد إلى القول ببدعة خلق أسماء الله تعالى. فإن أسماء الله تعالى غير مخلوقة، كما أن كلامه غير مخلوق، لأن أسمائه تعالى من كلامه سبحانه وتعالى. هذا الكلام وهذه المسألة قد طالت ديولها، وتكلم فيها من تكلم، بل قد ألف شيخ الإسلام رسالة فيها، ألف رسالة في هذه المسألة، وبيّن قول أهل السنة: أن الإسم للمسمى، الإسم هذا للمسمى الذي يسمى به، فليس هو الإسم عين المسمى، ولا هو أيضا كذلك غير المسمى. الإسم للمسمى، الله عز وجل لله سبحانه، الرحمن لله أيضا، كذلك غيرها، القدير، الغفور، الودود، كل هذه الأسماء لله عز وجل. ولله الأسماء الحسنى، فادعوه فيها. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ معنى: فله. فلهذا فالإسم هذه الأسماء كلها له، فالأسماء للمسمى. وهناك تفاصيل أخرى، لكن ترجع إلى هذه المسألة. ولعل الله عز وجل يسر لنا لقاء آخر، نتكلم في هذه التفاصيل. لكن المسألة كإجمال: الصحيح الذي قاله أهل السنة: أن الإسم للمسمى، ليس هو نفس المسمى، ولا عينه، ولا أيضا غير المسمى، بل أنه الإسم هذا للمسمى. قال: إثبات الصفات التي جاءت في القرآن. قال: وقال الشافعي في كتاب الرسالة: والحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه. هذا في كتابه الرسالة. يعني: أنه يحمد سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه جل وعلا، وصفه سبحانه وتعالى فوق ما وصف به خلقه، أو وصفه به خلقه، بل صفاته أو وصف به نفسه أعظم. قال: وأورد الذهب في السير عن الشافعي: أنه قال: نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن، ووردت بها السنة، وننفي تشبيها عنه، كما نفى عن نفسه، قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أنا ذكره في السير. قال: والشافعي رحمه الله بذلك يسير على خطى من سبقوه من السلف، الذين كان منهجهم في توحيد الأسماء والصفات: إثبات ما ورد في الكتاب والسنة منها، مع تنزيه الله تعالى عن المشابهة، كما هو مقتضى نصوص الكتاب والسنة. وهذا كقول مالك، إمام دار الهجرة: الاستواء معلوم، معلوم معناه، والكيف مجهول، أي مجهول الكيفية، لا نعلم هذه الكيفية، نكلها إلى الله، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، الإيمان بهذه الصفة. فتبين أن الحق في هذا الباب: هو الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل. فالنص الذي ذكر، الذي ذكر عن الشافعي رحمه الله: أنه يثبت هذه الصفات، وأيضا النص الذي هو مشهور عنه في قوله: نقول في أسماء الله عز وجل على ما أراد الله، وأراد رسوله، وما قال رسوله صلى الله عليه وسلم على ما أراد رسول الله. يعني: هذا مثل ما ذكره الله، الله عز وجل ذكر لنا الصفات، نحن نقول مثل ما قال، هذا مراده، ليس هناك مراد آخر، كما يظنه الأشاعرة. ولهذا الأشاعرة يقولون: نثبت أسماء الصفات لله عز وجل، أو نقول: أن صفات الله عز وجل هذه التي جاءت في القرآن، ظاهرها غير مراد. يقولون: ظاهرها غير مراد. وإش ظاهر هذه الأسماء، هذه الصفات، يقولون: ظاهرها التشبيه، ليس هذا ظاهرها، ظاهرها إثبات الصفات لله عز وجل، تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. من أين لكم أن ظاهرها التشبيه؟ فلهذا يقولون: ظاهرها غير مراد، بل ظاهرها مراد، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: الإمام الشافعي قال: على مراد الله. إيش مراد الله عز وجل؟ هو إثبات هذه الصفات كما ذكرها الله عز وجل، وكما قال الله عز وجل: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾ فالله عز وجل أعلم بنفسه، فمدام أنه أخبرنا بهذه الصفات، فنؤمن به كما أخبر بذلك جل وعلا. قال: إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة. وإن شاء الله تعالى نحن نذكر هذا بسرعة، وإن كان بعض هذه المسائل تحتاج إلى تفصيل، لكن مباء معنا الوقت قصير، وإن شاء الله تعالى حتى نمشي في الكتاب، وهذه المسائل أكثرها معروفة في كتب العقائد. فلكن نحن نذكر هنا ما جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله، وتقريره لهذه المسائل. قال: واخرج من عبدالبرع عن الربيع بن سليمان، أي المرادي، قد ذكرناه قبل. قال: واخرج من عبدالبرع عن الربيع بن سليمان، قال: لو سمعت الشافعي يقول في قول الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال: أعلمنا بذلك أن ثم قوما غير محجوبين ينظرون إليه، لا يضامون في رؤيته. قال: يرحم الله الإمام الشافعي، فما أدق هذا الاستنباط منه بهذه الآية على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافا لمن أنكرها من المعتزلة والجهمية وغيرهم، حتى الأشعرية، إثباتهم للرؤية ليس إثباتا صحيحا. قال: واستنباطه هذا من أدلة أهل السنة على إثبات الرؤية يوم القيامة. قال: وخرج للكاي عن الربيع بن سليمان، قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، جاءته رقعة من الصعيد، صعيد مصر، فيها: ما تقول في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال الشافعي: فلما حجب هؤلاء في السخط، كان هذا دليلا على أنه يرونه في الرضا، أي من رضي عنهم يرونه، أما هؤلاء لما سخط عليهم حجب نفسه عنهم. قال الربيع: قلت: يا أبا عبدالله، وبه تقول؟ قال: نعم. إثبات أن الله متكلم بكلام حقيقي، وكلام الله غير مخلوق، به أدين الله، وكلام الله غير مخلوق، به أدين الله. هذا معنى الكلام الذي ذكره هنا للكاي رحمه الله، بإسناده إلى الربيع بن سليمان المرادي. يدلنا على مسألتين: مسألة إثبات الرؤية، وإثبات الكلام، وأنه وأن الله عز وجل متكلم بكلام يليق بجلاله وعظمته، وأن كلامه صفة من صفاته غير مخلوق. التعليق على هذا النص المهم: لقد بيّن الإمام الشافعي في كلام هذا عقيدة السلف في الرؤية، وأن المؤمنين يرون ربهم بعيون رؤوسهم في المحشر والجنة، وهذا من أعظم نعم الله عليهم. ويرد الإمام الشافعي بقوله على الأصناف من الجهمية المعطلة كالمعتزلة، حيث ينكرون رؤية المؤمنين ربهم بأبصارهم. كما يرد على الماتريدية والأشعرية، حيث يزعمون أن المؤمنين يرون ربهم، ولكن لا فوق ولا تحت، ولا خارج ولا داخل، ولا في جهة، وإلى آخر هذيانهم الذي جعلوا به الرؤية من المستحيلات الممتنعات. فصار قولهم هذا من أبطل الباطل، لوجوه. الأشعرية جبناء، جبنوا بكلام الجهمية، لأن الجهمية يقولون: إذا أثبتنا الرؤية، يعني: أثبتنا الله عز وجل في حيز، ونقول: أن الله عز وجل في حيز معين، إذا أثبتنا الرؤية، هذا كله. لأن عقولهم فيها تشبيه أصلا، عقولهم مسممة بالتشبيه والتمثيل، فلهذا يقولون مثل هذا الكلام. فقالوا: إذا قلنا أن الله يرى، معنا ذلك: أننا حصرنا الله عز وجل في جهة معينة، وحيزناه. على شاعر جبنوا من هذا الكلام، ظنوا أن هذا الكلام سيأتي لهم بأشياء أخرى، يحتجون بها عليهم. فقاموا قالوا: يرى، لكن لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا أيضا يرى عن يمين، ولا عن شمال، من هذا الكلام الذي يأتون به، ولا يرى في جهة معينة، عن ما ليس في جهة. لكن رؤية هكذا، معنا رؤية مستحيلة. فلهذا فهم أصلا يقولون: كما صرح أيضا بعض أصحابهم بعدم الرؤية أصلا. لكن لما رأوا أئمتهم الذين ينتسبون إليهم يثبتون الرؤية، مثلا كالشافعي، وأحمد، ومالك، وغيرهم من أئمة الإسلام يثبتون الرؤية. وكلام الشافعي هذا مشهور، ومثله كلام أحمد. لما حجب الله عز وجل نفسه في حال السخط، دل ذلك على أنه يرى في حال الرضا. يعني: ما دام أنه حجب نفسه عن هؤلاء، وذكر أن عقوبتهم: أنه حجب نفسه، فمعنى ذلك: أنه لا يحجب نفسه عن المؤمنين. ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمْحْجُوبُونَ﴾ معنى ذلك: أن أهل الإيمان يرونه. فهذه الآية استدلوا بها. وأيضا للآية الأخرى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وأيضا لحديث التي جاءت في الصحيحين، ومن أصحها: حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير في الرؤية. لهذا كان الإمام أحمد يقول: من أنكر حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير في الرؤية، فهو جهمي. فإنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته. أي: لا تتزاحمون في رؤيته. فهذه الرؤية رؤية حق، لا نقول: أنها لا نراه في جهة، ولا كذا. وقد يكون حيث الله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى، وهو أكبر من كل شيء جل وعلا. قال: فلهذا قال: وقولهم هذا من أبطل الباطل لوجوه. الأول: الإنكار للرؤية، ونعترف بها ظاهرة. والثاني: إنكار العلو لله تعالى، لأنهم يقولون: أنه لا يرى في جهة، حتى ينكروا العلو. وهذا من أعظم الكفر، وأقبح الإلحاد في صفات الله. والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ﴾ أن القمر يرى في علو، وكذلك يرى الله عز وجل في علو، ليس هنا تشبيه الرؤية أو المرئي بالمرئي، وإنما تشبيه الرؤية بالرؤية. وإلا فالله عز وجل له المثل الأعلى سبحانه وتعالى، وليس كمثله شيء. لكن يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرب المعنى. كما أنكم ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، لا تتزاحمون، لأنه أمامكم. وأيضا كذلك: ﴿إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ لَيْسَ دُونَها سَحَابٌ﴾ الشمس لما تأتي، ليس والسماء صافية، تراها أمامك، لا تحتاج أنك تطلع إلى شيء، أو تحتاج إلى أنك مثلا تدخل مكان، لا أمامك هذه الشمس. فلهذا رؤية الله عز وجل ليست فيها مزاحمة، وليس كذا. بل يرى الله عز وجل رؤية واضحة عظيمة. وهذا لكن يوم القيامة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم. قال: والثاني: إنكار العلو لله تعالى، وهذا من أعظم الكفر، وأقبح الإلحاد في صفات الله. وأما ما قال الله عز وجل لموسى لما قال: أرني، لما قال أو طلب موسى من ربه جل وعلا أن يراه: أرني أنظر إليك. قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لم يقل الله عز وجل: إني لا أرى، وإنما قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولكن انظر إلى الجبل، فهنا الله عز وجل جعل رؤيته على شيء ممكن. قال: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ فلما تجلى ربه للجبل، جعله دكا. أن الجبل لم يستطع أن يتحمل رؤية الله عز وجل، فكيف بمخلوق ضعيف؟ فلهذا المخلوق لا يستطيع رؤية الله جل وعلا وهو في هذه الحياة. لكن يجعل الله عز وجل له يوم القيامة قوة، حتى يرى الله عز وجل يوم القيامة. ولم يعطوا شيئا في الجنة، أي أهل الجنة شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجه الله جل وعلا، كما جاء في حديث صهي