الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 415، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع يشرح حديثا عن الصحابة وهم يتزودون من وشيق الحج، وهو نوع من اللحم المجفف. كما يتحدث عن رواة الحديث وعكرمة مولى ابن عباس وتوثيقه.
كان الناس يتزودون بالطعام والمال للسفر إلى الحج، وقد أوجب الفقهاء الحج على من توفر معه المال الذي يوصله للحج وأمن الطريق واستطاع المشي أو الركوب.
يجب على المسلم أن يكون لديه استطاعة مالية وبدنية وأمن في الطريق لوجوب الحج عليه، والتقوى هي خير زاد للمسلم في حجه وفي رحلة الحياة إلى الآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله: هو إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني. قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم، وهو الكناني العدني، يزيد بن أبي حكيم الكناني العدني، وهو لا بأس به في درجة صدوق. قال: حدثني الحكم، يعني بن أبان، وهو العدني كذلك، الحكم بن أبان، وهو كما قال الإمام أبو زكريا: سيد أهل اليمن، الحكم بن أبان كان رجلا من أهل الحديث ورجل صالح، كان رجل من الصالحين، وأن تفع به أهل عدن كثيرا ونشر السنة. قال: سمعت عكرمة، عكرمة مولى ابن عباس، أبو عبد الله البربري، كان موسوعا في العلم، وكان ابن عباس - أو كان عكرمة يقول: كان ابن عباس يضع على رجلي الكبل يحفظني القرآن - أنه يضع على رجليه الكبل يحبسه ويربطه حتى لا يذهب مكانا، وكان يحفظه القرآن، وكذلك يحفظه العلم حتى صار إماما، وهو كما قلنا موسوع في العلم، وهو من أكثر الناس رواية عن ابن عباس في التفسير وفي غيره، واتهمه بعض العلماء أنه من الخوارج، أنه يقول بقول الخوارج، وهذا ليس صحيحا، صحيح أنه لما حصلت الفتنة ذهب إلى الكوفة وجلس في مكان الذي يجلس فيه الخوارج، لكنه لم يثبت عنه أنه قال كلمة بقولهم، وعنى بمثل قولهم، بل له كلمات تدل على أنه في هذا المقام على السنة. وأما ما يروى أن ابن عمر قال لنافع: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، فهي كلمة غير صحيحة، ولم يثبت عن ابن عمر رضي الله عنه، فعكرمة ثقة، وهو أيضا إمام، والإمام البخاري رحمه الله أخرج له، والبخاري يتحرى في الرجال أكثر من مسلم، وإن كان الإمام مسلم لم يخرج لعكرمة، لكن قد أخرج له البخاري. قال: سمعت عكرمة يقول: حدثني أبو سعيد الخدري قال: كنا نتزود من وشيق الحج حتى يكاد يحول عليه الحول. قال: هذا حديث حسن، وهذا الحديث في التزود في الحج، وكانوا يتزودون من وشيق الحج، والوشيق هو: قيل ذكر أبو عبيد أن الوشيق هو اللحم الذي يغلأ غلاء خفيفا ولا ينضج، أنا يغلأ حتى معنى يراه أنه كاد ينضج يخرجونه، وقيل: أنه القديد، القديد هو اللحم اليابس، أنا يبس هذا اللحم ويوضع فيه أحيانا يوضع فيه ملح، وحيانا بدون ملح يبس ويؤكل، معنى دائما مثل قديد، قديد اللحم، ولهذا في حديث عبيدة في غزوة ذات الرقاع، أو لما وجدوا الحوت، معنى حوت العنبر، قال جابر: قال فاتخذنا لحمه وشائق، أو قال: فتزودنا من لحمه وشائق، والمراد هنا وشائق مثل هذا، المراد أنهم أخذوا هذا اللحم ويبسوه حتى صار يابسا، ونعلقوه في الشمس مثل ما يفعل الآن باللحم القديد أو غيره، يعلق بالشمس ويوضع فيه الملح حتى يحفظ، ويعلق بالشمس حتى إذا يبس أخذوه وتزودوا منه العام كله. فكذلك كان اللحم كانوا أيضا يبسون اللحم ويملحونه ويعرضونه للشمس حتى يصير قديدا، ثم يأخذونه ويتزودون منه، وهذا من أعظم ما يتزود منه لأنه يبقى ولا ينتن. والله عز وجل قال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، والتقوى أولي الألباب، وهذا كالأمر بالتزود بالطعام في الحج، فإنه لا ينبغي للحاج أن يذهب إلى حجه وهو بدون زاد، إن كان مثلا تزود بالأطعمة أو بالمال، مثل الآن ما يحتاج إلى أن يتزود بالأطعمة، يتزود بالمال الذي سيشتري به الطعام في الطريق. الآن الحمد لله الأمور قربت، كان الناس يذهبون بالإبل ويأتون من الأماكن بعيدة إلى الحج، ويمشون في الصحراء، غالبا ما يجدون طعاما، فمن لم يكن معه طعام قد يموت في الطريق، وإن وجد من يعطيه طعاما، لكنه في الحج قد لا يجد، وقد يجد. ولهذا قال ابن عباس كما أخرج ذلك البخاري في صحيحه من طريق عمر بن ورقاء عن عمر بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كان أهل اليمن يذهبون إلى الحج ولا يتزودون، ثم إذا جاءوا إلى المسجد سألوا الناس، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، جاء في لفظ أنهم قالوا: نحن متوكلون، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، هذا ليس من التوكل، لأنه لأن التوكل الأخذ بالأسباب. والآن الذي يذهب إلى الحج خاصة في تلك الأزمان يعرف أنه لا يجد الطعام في الطريق، فكيف يقول متوكلا على الله، هو الآن ما اتخذ الأسباب، ولهذا أوجب الفقهاء الحج على من توفر معه المال الذي يوصله للحج، وكذلك أيضا أمن الطريق، وكذلك أيضا استطاعته المشي أو الركوب إلى الحج. فشاهدنا أولا أنهم أوجبوا أنه يكون عنده مالا يبلغه إلى الحج، الله عز وجل يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، أي من استطاع السبيل إلى الحج، وهذه الاستطاعة هي استطاعة البدن، وكذلك استطاعة الطريق، وكذلك أيضا الاستطاعة في الطعام والشراب، أنا عنده طعامه وشرابه أو ماله الذي يوصله إلى الحج، وعنده كذلك استطاعة البدن، يستطيع أن يذهب ويركب. فإذا كان لا يستطيع لا يجب عليه الحج، ولهذا جاء في الصحيحين في حديث الفضل، في حديث ابن عباس، في المرأة القتعمية التي جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسألته، قالت: إن أبي أدركته فريضة الحج لا يستطيع الرطوب على الراحلة، أنا رجل كبير وأوجب أو الحج جاء وفرض وهو رجل كبير لا يستطيع أن يستقر على الراحلة لكبره، فقال: فعذره النبي عليه الصلاة والسلام لذلك، أنا عذره النبي عليه الصلاة والسلام لذلك، فقال: حج عن أبيك. فتبين أن النبي عليه الصلاة والسلام عذره، فكل من لم يستطع ببدنه أن يذهب إلى الحج، مثلا إنسان مريض ما يستطيع أن يجلس حتى لأجل مثلا عنده مرض في ظهره، وكذا ما يستطيع أن يستقر في الجلوس، فمثل هذا ممكن أنه يترخص في الحج، وإن كلف نفسه مثلا وذهب عنها مثلا يذهب وهو مستلق في طائر أو في كذا، وهناك في السرير، لكن يحتاج إلى إعانة، لابد أن هناك من يدفعه، وكذا فإن تبرع أحد أنه يفعل له هذا ما في شيء، لكن من ناحية الوجوب قد سقط عنه الوجوب، مدام أنه على هذه الحالة. فأولا استطاعة البدن، ثم استطاعة المال، كما استطاعة المال أنه يكون مستطيعا بماله، أو مثلا يتيسر له الطعام، فقال قتادة ومجاهد وغيره في قول الله عز وجل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، قال: يتزود من الدقيق والكعك، وقال بعضهم: يتزود من الدقيق واللحم، وغيرها من هذا، المهم أنه يتزود بالطعام أو بالمال، كما قلنا إذا كان سيشتري من الطريق هناك مثل الآن أماكن للشراء يشتري طعامه، فهذا ما في شيء. لابد أن يكون عنده مال، لا يذهب ويسأل الناس، لا يذهب ويسأل الناس، يقول: أنا سأذهب الحج مثل ما يفعل بعض الناس قديما عندنا، يذهب لأجل السؤال، لأجل أن يسأل الناس، فلا يأخذ معه مالا، إنما ما يوصله فقط إلى الحج، ثم بعد ذلك يذهب ويسأل الناس، وهذا خطأ. ومن لم يكن عنده مال فهو لا يجب عليه لا يجب عليه الحج، سقط عنه الحج، ولا يقول مثلا: أنا سآتي بهذا المال، الناس هناك يعطون من الأموال، وفي الطريق سآكل مع الرفقة، هذا خطأ، هذا خطأ، وإن حج بهذه الطريقة حج صحيح، لكن لكن أصلا الوجوب سقط عنه لعدم وجود المال الذي معه، الوجوب سقط عنه لعدم وجود المال معه. فله أن لا يذهب حتى يأتي مثلا مال، إن كان مثلا معه المال الذي يوصله للحج، مثلا مال يعطي الباص، وإذا ذهب إلى الحج ما سيجد بعد ذلك مالا أيضا، هنا لا يجب عليه الحج، إلا أن يتزود بطعام، معنى يأخذ طعاما من بلده ويتزود به، مثل هذا اللحم القديد، مثل مثلا الكعك، حتى معنى الأمور التي لا تفسد، فيأخذها ويأكلها هناك، فهذا يعتبر واجب عليه. فلهذا في الاستطاعة استطاعة المال أو الاستطاعة المالية لا بد منها، فالاستطاعة تكون في المال وفي البدن، وكذلك في أمن الطريق، في البدن وفي أمن الطريق، أنها تكون الطريق آمنة، ما يكون مثلا هناك حروب في الطريق، أو معنى يعلم علما يقينا أن هناك قطاع طرق وانتشروا كثيرا، فالطريق غير آمنة. فإذا كانت الطريق غير آمنة لا يجب عليه الحج حتى يأمن الطريق، حتى يأمن الطريق. فخلاصة الأمر أن الله عز وجل يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فالاستطاعة تدخل في هذا، والله عز وجل أيضا قال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، أي تزودوا بالطعام والشراب أو بالمال الذي يوصلكم إلى تلك البقاع، لكن اعلموا أن خير الزاد هو أعظم من هذا، هو زاد التقوى. وعنى كأن الله عز وجل يذكرهم في سفرهم هذا، أنتم الآن مسافرون إلى حج بيت الله الحرام، وهناك أيضا رحلة أعظم من هذه وأكبر من هذه وأبعد، وهي رحلة الآخرة، فتحتاج أيضا إلى تزود، تزود في حجكم، وكذلك أيضا تزود لليوم الآخر، لتقوى الله جل وعلا، خير الزاد التقوى. هذا خلاص ما يذكر في هذا الحديث: كنا نتزود من وشيق الحج حتى يكاد يحول عليه الحول، أنه من الزاد الذي أخذ إلى حج بيت الله الحرام، فنكتب بهذا والله تعالى أعلم.