الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل شرح تاريخ ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يُبين اليوم والشهر والسنة والوقت الذي ولد فيه النبي. يُوضح أن النبي ولد يوم الاثنين في شهر ربيع الأول مع وجود خلاف حول تحديد التاريخ الدقيق.
يناقش هذا الفصل آراء العلماء حول تاريخ مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث ذهب بعضهم إلى أنه ولد في رمضان بينما يرى أكثر العلماء أنه ولد في ربيع الأول، مع اختلاف في تحديد التاريخ الدقيق بين العاشر والثاني عشر.
يستعرض هذا الفصل آراء العلماء المختلفة حول تاريخ مولد الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث ذكر أربعة تواريخ مختلفة: الثامن، التاسع، العاشر، والثاني عشر من ربيع الأول، معتمدًا على أدلة وآراء علماء مختلفين.
يختتم هذا الفصل الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم، ويُظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بالأمس كان حديثنا عن الأبيات الأولى التي ابتدأ بها المؤلف رحمه الله تعالى الأرجوزية المئية، وذلك بقوله: «الحمد لله القديم الباري، ثم صلاته على المختار، وبعدها كثيرة الرسول منظومة موجزة الفصول». وأشرنا إلى ما يتعلق بمسائل لهذه المقدمة التي أشار إليها المؤلف رحمه الله. ثم قال رحمه الله تعالى: «قال مولده في عاشر الفضيل ربيعًا الأول عام الفيل، لكن ما المشهور ثاني عشره في يوم الإثنين طلوع فجره». إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى إلى الفصل الأول الذي ابتدأ به هذه المنظومة، وهو الفصل والمبحث المتعلق بتاريخ ميلاده عليه الصلاة والسلام، حيث أشار إلى اليوم وإلى الشهر وإلى العام وإلى الوقت الذي ولد فيه نبينا عليه الصلاة والسلام. فقوله رحمه الله تعالى «مولده» وإن كان من أهل العلم من يرى أن الأفصح في هذا المقام أن يقول «ميلاده»، لأنهم يفرقون بين المولد وبين الميلاد، كما أشار إلى ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «تهذيب الأسماء»، حيث ذكر رحمه الله تعالى أن الميلاد اسم للوقت الذي ولد فيه، وأما المولد فهو اسم الموضع الذي ولد فيه. فالميلاد متعلق بالزمان، والمولد متعلق بالمكان. فمثلا لو قلت لرجل: ما ميلاد فلان؟ إذن الجواب منك ستذكر للسائل ما يتعلق بالوقت والزمن، تقول: ميلاده في يوم كذا في عام كذا. لكن لو قال لك قائل: ما مولد فلان؟ سألك عن المولد، حينها تجيب هذا السائل بأن ولد في المكان الفلاني في البلد الفلاني. هذا مما يذكره العلماء من التفريق بين المولد والميلاد، والمؤلف هنا رحمه الله الناظم هنا ذكر الزمان، زمان الميلاد، لذا كان الأفصح أن يقول «ميلاده» لا أن يقول «مولده». فهذا وجه، ومن أهل العلم من يرى الأمر أوسع، وأن كلمة المولد تطلق على الزمان وتطلق على المكان، فالأمر في ذلك واسع. قوله رحمه الله تعالى «مولده في عاشر الفضيل ربيعًا الأول عام الفيل، لكن ما المشهور ثاني عشره في يوم الاثنين طلوع فجره». نبدأ باليوم، متى ولد نبينا صلى الله عليه وسلم؟ إن أردنا تحديد اليوم، فاليوم واضح جلي لا مرية فيه ولا خلاف أنه ولد عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين. وقد جاء ذلك مصرحًا به كما في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذلك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه». فهذا تصريح منه عليه الصلاة والسلام أنه ولد يوم الاثنين، ولهذا اتفق العلماء ولا خلاف بين المؤرخين على أن ميلاده كان يوم الاثنين عليه الصلاة والسلام. وسيأتي معنا في المنظومة أن هذا اليوم، يوم الاثنين، تميز بأمور، فميلاده يوم الاثنين، وأنزل عليه الوحي يوم الاثنين، وكانت هجرته من مكة يوم الاثنين، وصوله للمدينة يوم الاثنين، وفاته صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين. ويوم الاثنين من الأيام التي ينتدب أن يكثر المسلم والمسلمة من صيامها. وسنأتي معنا في منظومة المؤلف رحمه الله تعالى بما يتعلق بهذه الأحداث التي وقعت لرسول الله في يوم الاثنين. يهمنا في قول مؤلف رحمه الله تعالى «في يوم الاثنين» أي ميلاده عليه الصلاة والسلام. أما ما يتعلق بالشهر، في أي شهر ولد عليه الصلاة والسلام؟ ذهب الكثير من أهل العلم ومن أهل السير والتواريخ إلى أن ميلاده عليه الصلاة والسلام كان في شهر ربيع الأول، وهذا الذي عليه أكثر العلماء، وإليه صرح المؤلف رحمه الله في هذه المنظومة، قال: «مولده في عاشر الفضيل ربيعًا الأول»، أي ذهب وقرر ما عليه أكثر العلماء. بل إن من أهل العلم من ذكر الإجماع وذكر الاتفاق على أن مولده كان يوم الاثنين، كما ذكر ذلك ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وجمع من أهل العلم. لكن الصحيح أن في المسألة خلاف في تحديد الشهر الذي ولد فيه عليه الصلاة والسلام. فذهب طائفة من الفقهاء والعلماء إلى أن رسول الله عليه الصلاة والسلام ولد في رمضان، وهذا القول ذكره ابن عبد البر رحمه الله تعالى عن الزبير بن بكار. حتى أن ابن كثير علق على هذه المسألة وعلى هذه المقالة، قال: وهو قول غريب جدًا. أي أن يأتي من يصرح بأن مولد الرسول كان في رمضان، وليس الأمر كذلك. فصاحب السيرة الحلبية ذكر هذا القول أيضًا، أن هناك من الناس من ذهب إلى أن ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم كان في رمضان، وزاد قال: وقد صححه كثير من العلماء. والذين ذهبوا إلى أن رسول الله ولد في رمضان استدلوا ببعض الروايات والأخبار التي فيها أن أمه حبلت وحملت به في أيام التشريق، ومنهم من يقول في عاشرة. فعلى هذه الروايات التي استند إليها من استند، فهي تأول بهم إلى أن ميلاده كان في رمضان. لأن من يقول بأن رسول الله أمه قد حملت به في أيام التشريق، أي في عرفة، فيكون مولده في أول رمضان، لأن الروايات تثبت على أنها حملت به تسع أشهر كوامل. ومن ذهب إلى أن أمه حملت به في عاشرة، إذا سيكون مولده عليه الصلاة والسلام في آخر رمضان. إذا سيكون في رمضان. محل وضع رسول الله عليه الصلاة والسلام هذا من ذهب إلى هذه المسألة. أيضًا استدل كذلك بما يتعلق بأن رسول الله أنزل عليه وهو في غار حراء، وهو على رأس الأربعين سنة، أي نزل عليه الوحي وهو في الغار وهو قد بلغ أربعين سنة، وهذا كان في رمضان، أنزل عليه القرآن في رمضان. إذن فقبل أربعين سنة ولد، أي ولد في رمضان. سنة بعد سنة في أربعين من عمره نزل عليه القرآن، إذن قالوا: بما أن القرآن نزل عليه في سن الأربعين، إذن في رمضان، فما ولد في رمضان. هذا الذي ذكره، وقد علق ابن كثير أيضًا على هذا الاستدلال، قال: وفي هذا نظر. ولهذا إخواني في الله، فالصحيح الذي عليه أكثر العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يولد في رمضان، وإنما ولد في شهر ربيع الأول. وستأتي معنا بعض الروايات الصحيحة التي بها تتجه أقوال العلماء من أهل العلم والسير والتاريخ. فإذا ولد نبينا في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، بقي متى كان ميلاد، متى كان وقت المولد؟ المؤلف رحمه الله تعالى قال: «في يوم الاثنين طلوع الفجر»، أي من فجر يوم الاثنين. وهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هو الذي عليه أكثر العلماء على أن رسول الله كان مولده نهارًا ولم يكن ليلًا. وقد جاءت بعض الروايات يحسنها جماعة من أهل العلم فيها الإشارة إلى هذه الواقعة. ولهذا قال الإمام الفاسي رحمه الله تعالى: واختلف في الوقت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحيح المشهور كما قال ابن جماعة وابن حجر الهيثمي: الفجر، أي هذا هو الوقت الذي ولد فيه نبينا من يوم الاثنين. وهذا الذي قد سطره لنا المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «في يوم الاثنين طلوع الفجر». فقوله صحيح، وهذا الذي عليه أكثر العلماء. إذن علمنا أن النبي ولد في فجر يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، بقي التاريخ، ما هو التاريخ الذي وافق يوم الاثنين من شهر ربيع الأول؟ المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الأرجوزة أشار إلى تاريخين اثنين، وهو الشهر العاشر من ربيع الأول، والثاني عشر، حيث قال: «مولده في عاشر الفضيل ربيعًا الأول عام الفيل، لكن ما المشهور ثاني عشره في يوم الاثنين طلوع فجره». فأشار رحمه الله تعالى إلى تاريخين، التاريخ الأول العاشر، والتاريخ الثاني الثاني عشر. وهذا من المؤلف إشارة إلى أن المسألة فيها خلاف محكي بين العلماء، وليس عندنا إجماع يمكن أن نعتمد عليه أو أن نصول ونجول به، فضلا أن ننازع الناس فيه كما يفعل بعض المتعصبة. كما سيأتي معنا في مسائل هذا المبحث من يتعصب لهذا التاريخ ويستميت عليه. لا الأمر في ذلك سهل يا عبد الله، لأنه ما ينبني عليه حكم شرعي أصلا. فالمؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى تاريخين، التاريخ الأول وهو اليوم العاشر من ربيع الأول، واليوم العاشر نعم ذهب جماعة من العلماء إلى أن ميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام كان في العاشر من ربيع الأول. وهذا القول قد ذكره الإمام الذهبي رحمه الله تعالى عن شيخه أبي محمد الدمياطي. وهذا القول ليس له مستند واضح وصريح سوى بعض النقولات، لكن لا تنهض للحجية. والقول الثاني الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى أنه الثاني عشر، وهذا الذي قال عنه المؤلف رحمه الله تعالى: «لكن ما المشهور ثاني عشره»، أي هذا القول هو الذي له الشهرة. نعم من حيث الشهرة، فالشهرة تكاد تتوافر وتتوافد كلمة العلماء على أن مولد الرسول عليه الصلاة والسلام كان في الثاني عشر من ربيع الأول. لكن مع شهرة هذا القول، إلا أنه إذا وضع في كفة الميزان العلمي لم نجد مستند من دليل صريح صحيح ينهض لأن نحتج به، وإنما روايات هنا وهنا. فهذا القول مع شهرته نعم من حيث الشهرة هو شهير، لكن ليس هناك دليل قوي بإمكان أن نعتمد عليه. ولهذا تبقى المسألة خلافية. فما ظنك بعد هذا يا عبد الله أن هناك تواريخ فيها من القوة والدلالة ما تنافس هذه التواريخ التي ذكرها المؤلف؟ المؤلف ذكر تاريخين، العاشر من ربيع الأول، والثاني عشر من ربيع الأول. يضاف على ذلك أن هناك تواريخ قوية، وأشير في هذا المقام إلى تاريخين اثنين، الثامن من ربيع الأول، والتاسع من ربيع الأول. وهذه التواريخ إنما أذكرها في هذا المقام لأن لها قوة، لها قوة في الميزان العلمي ولها قوة عند العلماء. نبدأ بالتاريخ الثامن من ربيع الأول، ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يكن مولده في الثاني عشر من ربيع الأول، وإنما كان ميلاده في الثامن من ربيع الأول، وذلك لما رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى وغيره بإسناد صحيح عن محمد بن جبير بن مطعم، وهو من عداد التابعين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولد يوم الثامن من ربيع الأول عام الفيل». ولد يوم الثامن، وهذا الإسناد متصل لهذا التابعي، وهذا التابعي قد أخذوا من أصحاب رسول الله ممن عرفوا حياته ومولده عليه الصلاة والسلام. ولهذا كان لهذا الأثر وهذا التحديد قوته عند العلماء. وقد مال كثير من العلماء إلى هذا القول. فممن حكاه فقد جاء هذا القول حكاه الحميدي عن ابن حزم رحمه الله تعالى، ونقله ابن عبد البر عن أصحاب التاريخ، وأنهم صححوه، وبه جزم الحافظ محمد بن موسى الخوارزمي. وهكذا رجحه الحافظ أبو الخطاب كما في كتابه «التنوير في مولد البشير النذير». وهو أيضًا ترجيح الشيخ الإمام العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في تعليقه على السيرة النبوية. فقد رجح هذا القول على أن مولد الرسول عليه الصلاة والسلام كان في اليوم الثامن من ربيع الأول، وذلك لقوته. فهذا مما يضاف من التواريخ التي تكون يدور عليها الخلاف في مبحث معرفة مولده عليه الصلاة والسلام. ويضاف أيضًا تاريخًا رابعًا وهو اليوم التاسع، التاسع من ربيع الأول. فاليوم التاسع من ربيع الأول هذا يوم جزم جماعة من العلماء على أنه التاريخ الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن ذهب إلى هذا القول هم الذين عندهم خبرة بالاستطلاعات العصرية وخاصة بالأحداث الفلكية من المؤرخين ومن الفلكيين، إذ أنهم من خلال التتبع للتواريخ الثابتة من حيث عام الفيل، من حيث ربيع الأول، أنه يوم الاثنين، وما يتعلق بهجرته وما يتعلق بوفاته وما يتعلق بسن وفاته. علموا أن هذا اليوم يوم الاثنين إنما وافق اليوم التاسع، ولا يمكن أبدًا أن يكون الثاني عشر. ما يمكن أبدًا. هذا قول جماعة ممن اعتمد على الأرصاد والاستطلاعات الفلكية ممن ذهب إلى ذلكم العالم محمود باشا رحمه الله تعالى، وهكذا سليمان المنصور فوري. فقد ذهبوا إلى الحساب الفلكي ورأوا أن مولد الرسول إنما كان في التاسع من ربيع الأول. ولهذا الإمام المبارك فوري رحمه الله تعالى، صاحب كتاب «الرحيق المختوم»، ورجح هذا القول. وقد مال إليه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى كما في تعليقه على «القول المفيد». على أن هذا القول هو القول القوي في هذا الباب. فهذه التواريخ إخواني في الله تكون محل النظر والاعتبار من أن مولد الرسول منهم من ذكر العاشر، فهي أربع التواريخ: الثامن من ربيع الأول، وقيل التاسع، وقيل العاشر، وقيل الثاني عشر. وهناك تواريخ أخرى أعرضنا عنها، لكن هذه مما فيها شيء من القوة. هذا ما يتعلق بمولد رسول الله من حيث اليوم، يوم الاثنين، من حيث الشهر في ربيع الأول، ومن حيث الوقت فجرًا، ومن حيث التاريخ على ما سمعتم من هذه التواريخ. بقي ما يتعلق بالعام، يترك هذا إن شاء الله في درس غد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.