الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية كفر اليهود والنصارى وضلالهم وتأثير ذلك على المسلمين. يستشهد بأقوال السلف في التحذير من مشابهتهم.
يشرح المقطع تحذير النبي من اتباع اليهود والنصارى في سلوكهم وعقائدهم بسبب كفرهم وضلالهم. يحذر من التساهل في اتباعهم.
النبي حذر من التشبه بهم وأخبر أن طائفة من أمته ستظل متمسكة بالحق. الله لن يجمع الأمة على ضلالة.
المقطع يشرح حديث ثوبان في سنن ابن ماجه ويبين استمرار الله في تجديد أناس يعملون لطاعته. هناك طائفة تتبع سنة النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" بعض الأدلة التي فيها أن المغضوب عليهم هم اليهود وأن النصارى هم الضالون، ثم قال رحمه الله: وجماع ذلك أن كفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه قولا ولا عملا، أنهم يخالفون علمهم الذي يعلمونه، فتجد أنهم لا يعملون بعلمهم، فهم مغضوب عليهم، فكل من لم يعمل بعلمه فهو داخل في هذا الوصف. وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم، فهم ضالون لأنهم يعملون بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة﴾، عاملة وناصبة لكن تصلى نارا حامية، فلا ينفعها عملها لأنه بلا علم، ليس عن هدى من الله جل وعلا. قال رحمه الله: لهذا كان السلف، سفيان بن عيينة وغيره، يقولون: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود؛ لأنه لم يعمل بعلمه، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى؛ لأنه ضل بسبب عدم العلم. قال: وليس هذا موضع شرح ذلك. وهذا الأثر، أثر سفيان، أثر صحيح، ذكره غير واحد، ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله. وأيضا جاء في "الطبقات الكبرى" لابن سعد، وقال: قال شيخ الإسلام دائما يذكر هذا الأثر، وهو أثر صحيح. قال: ومع أن الله قد حذرنا من سبيلهم، فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم مما سبق في علمه، حيث قال فيما خرجاه في الصحيحين، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». وقول "حذو القذة بالقذة" ليس في الصحيحين، والقذة المراد بها ريشة السهم، معنى أن ريشة السهم يتبع بعضها بعضا، وهذا المراد به التشابه والتتابع. ولكن كما قلنا "حذو القذة بالقذة" هذا ليس لفظ الصحيحين، وإنما لفظ الصحيحين في حديث أبي سعيد قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». وهذا الحديث أيضا من ضلال اليهود والنصارى وتحذير منهم ومن طريقتهم؛ لأنهم مغضوب عليهم وضالون. وأراد رحمه الله أن يبين أن أعظم من ينبغي أن لا يتبعون في سلوكهم وفي عقائدهم وفي كل ما يختصون به هم اليهود والنصارى؛ لأنهم كما يقول بعض المعاصرين الآن من أهل الأديان، فقد يغتروا بهم. وهؤلاء الآن الذين عندهم فكرة حوار الأديان أو اتفاق الأديان، فهؤلاء تساهلوا في هذا الأمر حتى صوروا للناس أن اليهود والنصارى ليسوا من الكفار، بل بعضهم يقول: هذا حرية الأديان، الذي يريد أن يكون يهوديا له ذلك، كما قاله ذلك الداعي الفاسد طارق السويدان، فقال: الناس أحرار، من أراد يهودية ومن أراد نصرانية. وهذا كفر بالله، كما قال الشيخ المحدث الألباني رحمه الله لما سألوه عن هذا؛ لأن هذا فيه إغلاق لعقيدة الولاء والبراء، وأيضا تكذيب بالقرآن؛ لأن الله عز وجل قد كفر اليهود والنصارى في القرآن، فكيف نحن نقول: أنه يجوز للإنسان أن يكون يهوديا؟ معنى ذلك: أنه يجوز أن يرتد، كما صرح بذلك بعض الإخوان المسلمين: أنه يجوز للإنسان أن يرتد عن دين الله. كيف يجوز للإنسان أن يرتد؟ وقالوا: هذا من حرية الأديان، هذا كلام باطل. كيف يرتد عن دين الله ويكون حرية؟ وكافر أصلا لا ليس له دخل في دين الله عز وجل، فكيف يقال: يجوز أو يقال: أنه له الحرية؟ وهذا كلام من لم يعقل شرع الله جل وعلا، فيأتون مثل هذا الهراء. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر، شبرا بشبر، شبرا بشبر، وذراعا بذراع»، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: «ومن الناس إلا أولئك؟»؛ لأنهم كانوا أقرب إلى أهل الإسلام، أنهم يعيشون معهم في المدينة، يعيشون مع اليهود، وفي بعض المناطق يعيشون مع النصارى، كأهل نجران وغيرهم. فلهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من هاتين الطائفتين من اليهود والنصارى؛ ولأنهم أيضا أهل كتاب، فقد يظن الشخص أنه لا يحذر منه وأنه يؤخذ منه. فلهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام منهم ومن طريقتهم. قال: فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، مضاهاة معنى مساواة واتباع لليهود والنصارى وتشبه بهم. قال: مضاهاة لفارس والروم، وهم المجوس، أعداء الله، أعداء الله، هم عباد النار. وهل كانوا من أهل الكتاب؟ ففي خلاف من أهل العلم، والصحيح أنهم ليسوا من أهل الكتاب؛ لأنهم عبدوا أوثانا، عبدوا النار. وأما النبي عليه الصلاة والسلام لما فرض على مجوس هجر فرض عليهم الجزية، فهذا حكم خاص، هذا حكم خاص من النبي عليه الصلاة والسلام. وأما المجوس فهم مجوس عباد النار، ولهذا لما قال الله عز وجل: ﴿الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله﴾، لماذا يفرح المؤمنون بنصر الروم؟ لأنهم كفار مثل أولئك، لكن الروم كانوا نصارى أهل الكتاب، والمجوس كانوا عباد الأوثان، عباد النار، وهم ليسوا من أهل الكتاب. قالوا: قد كان لهذا ذبائحهم ليست كذبائح النصارى واليهود، ذبائحهم لا تحل، ذبائح المجوس لا تحل؛ لأنهم عبدوا أوثانا مشركين. قالوا: قد كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، أي بالعجم سواء كان من الروم أو من الفرس، وكان من اليهود أو من النصارى. قال: وليس هذا إخبارا عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة، أي أنهم لا يتبعون اليهود والنصارى في مسالكهم، بل يحذرون الناس من مسالك اليهود والنصارى ومن أيضا خبثهم ومن مخططاتهم ضد الإسلام، فهذه الطائفة هي قائمة لهم بالمرصاد. قال: وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة، وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته، فهؤلاء أهل الحق. وهذا الحديث حديث صحيح. أما حديث الطائفة المنصورة فهو في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان، خرجه الإمام البخاري، وكذلك مسلم من طريق الزهري عن حميد بن معاوية، وكذلك أيضا جاء من طريق المغيرة بن شعبة، وعن جماعة من الصحابة. وأما الحديث الآخر فهو في سنن ابن ماجه، حديث ثوبان، حديث ثوبان، وهو حديث حسن، وقد صححه الشيخ الألباني في "الصحيحة": «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته»، أي يجعل هناك أئمة وأناس يعملون لسنته وقائمون على هذه السنة، ويدافعون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا فهم هناك طائفة لا تتبع اليهود والنصارى، بل يخالفونهم كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يخالفهم. طيب إن شاء الله نكمل في درس قادم.