عشر ركائز في تربية الأبناء 11

الدرس في عشر ركائز في تربية الأبناء 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية انتقاء الجليس الصالح

يشدد الشيخ على أهمية انتقاء الجليس الصالح للأبناء وتأثيره الكبير على سلوكهم. يُوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من خلال مثل يبين تأثير الجليس الصالح والسوء.

تأثير الجليس على دين وخلق المرء

يُنبه المقطع إلى أهمية اختيار الجليس الصالح وتأثيره على دين وخلق المرء. يُشدد على ضرورة تفقّد الآباء لأبنائهم ومع من يصاحبون.

خطورة وسائل التواصل على الأبناء

يتحدث المقطع عن خطر القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي على الأبناء. ينصح بضرورة متابعة الآباء لأبنائهم وتوجيههم بشكل صحيح.

ختام بالصلاة على النبي

يتضمن المقطع الدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يعبر هذا الختام عن التوقير والاحترام للنبي محمد.

  • 10 جمادى الأولى 1443هـ - 14/12/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ شريف عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته «عشر ركائز في تربية الأبناء»: الركيزة التاسعة الجليس الصالح. قال: إن تعاهد الأبناء في باب الجليس والصاحب من أعظم الركائز التي يجب مراعاتها في التربية، فإن الصاحب ساحب، ولابد أن يؤثر في جليسه. الصاحب ساحب، أي يسحب صاحبه حتى يتأثر به، ويكون مثله في اعتقاده ودينه، وفي خلقه وأعماله، وفي كذلك صلاحه وفساده. فمن صاحبه فمن جالس جانس، من جالس جانس، أي صار من جنس من يجالسهم. ولهذا قيل: وإذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي. قال: وقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم مثلا في بيان تأثير الصاحب على صاحبه في الخير والشر، فقال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير»، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة. والحديث في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. فهذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أثر الصاحب على صاحبه، وأن هذا الأثر قد يكون في الخير، وقد يكون في الشر. فذكر مثل الجليس الصالح، ثم كذلك مثل الجليس السوء. فجليس الصالح كحامل المسك، أي طيب. والجليس السوء كنافخ الكير الذي تشب فيه النار، وكذلك يصلح فيه الحديد. قال: فحامل المسك إما أن يحذيك، أي يعطيك من هذا الطيب فيطيبك. والطيب كما تعلمون كسمه طيب، طيب الرائحة وطيب المحمل. فإما أن يحذيك، يعطيك شيئا من الطيب فيطيبك في يدك أو في ثوبك. وإما أن تبتاع منه، يعني تشتري منه شيئا من الطيب. وإما أن تجد منه ريحا طيبة، يعني إن لم يحذيك، وإن لم تشتر منه شيئا، فلا أقل أنك تشم عنده رائحة الطيب. فأنت بجميع أحوالك على خير، أنت بجميع أحوالك معه على خير، لا مضرة عليك ولا سوء يصل إليك. وأما الجليس السوء، وهو نافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، تأتيك شرارة من النار فتحرق ثيابك. وإما أن تجد منه ريحا خبيثة، ريح نتنة، ريح النار والكير. وهكذا حال الجليس السوء، إما أن يؤثر عليك في أخلاقك، وفي اعتقادك، وفي أعمالك، وفي سلوكك، فيكون محرقا لدينك، ومحرقا لعقيدتك، ومحرقا لأعمالك. وإما أن تجد منه الريحة الخبيثة، أي خبث الأعمال، وخبث الذنوب، وخبث السيئات، ما قد تسمع منه، وما قد ترى منه من شر وسوء. فأنت في سائر أحوالك معه على شر وسوء. فهكذا حال الجليس الصالح والجليس السوء. ولا شك أن العاقل لا يرضى لنفسه أن يعرض نفسه لشيء من الشر والسوء، وما يكون سببا في فساد دينه وعقيدته وأخلاقه وأدابه. وكذلك أيضا ما يكون سببا أن تكون عاقبته في الآخرة إلى العذاب، وكذلك الويل والجحيم. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». رواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. المرء على دين خليله، أي على دين صاحبه. فلينظر أحدكم من يخالل، من يصاحب، من يماشي، من يجالس. فلينظر كل واحد نفسه، فلينظر أحدكم من يخالل. إن كان خليلك وصاحبك ممن هو بعيد عن بيوت الله، بعيد عن أداء الصلوات في جماعة، بعيد عن المحافظة على الفرائض والواجبات، ممن هو منهمك في الشهوات الدنيا وملذاتها، والوقوع في أصناف من المحرمات، فلا شك أنك ستكون مثله. لا تقول: لا، أنا إن شاء الله أكون بعيدا، ما أتبعه، ولا أتابعه، وسأحرص على المحافظة على الواجبات والبعد عن المحرمات. فإنك إن صاحبته جانسته، وإن جالسته سحبك حتى تكون مثله. المرء على دين خليله، ولابد أن تكون على دين صاحبك. وإن كان من أهل الصلاح، ومن أهل الخير، ومن أهل العلم، فإنك ستكون مثله، ستتأثر به، ستأخذ من أخلاقه، تأخذ من دينه، تأخذ من صلاحه، ومن استقامته، حتى تكون مثله. قال: فعل الآباء متابعة أبنائهم فيمن يصحبون ويجالسون في المدارس وغيرها، وتفقدهم في ذلك، ينبغي أن تتفقد أبنائك، تنظر مع من يمشون، ومع من يجلسون، ومع من يقضون أوقاتهم، ومع من يذهبون، ومع من يدخلون ويخرجون، حتى تحافظ على دينهم، وعلى أخلاقهم، وسلوكهم. قال: وقد استجد نوع من الأصحاب والجلساء، لا تكن كحال بعض الآباء الذي إذا رأى ولده يمشي في طريق أهل السوء والشر، يقول: وهو اليوم صغير، وغدا سيعقل. وكذا ونحن كنا -يعني ونحن صغار- مثله. هذا من الجهل والسفه أن تقول مثل هذا الكلام، وترضى لابنك أن يسير في طريق أهل الشر والسوء، وأنت تعلم، وترى، وتبصر، ثم لا تأخذ بيده إلى طريق السلامة، وإلى طريق النجاة. حالك كحال من يرى من يغرق في البحر، ثم يقول: هو يعرف السباحة، فسوف ينجو بنفسه. وما تدري إلا وقد غرق وهلك ومات. وهذا حالك مع ولدك إن كان على مثل هذا الحال. قاله: قد استجد نوع من الأصحاب والجلساء في هذا الزمن، لم يكن له وجود في زمن سابق، وهو لا يقل في تأثيره على صاحبه عن سابقه، ألا وهو القنوات الفضائية، ومواقع الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الأجهزة المحمولة، ونحوها، والتي يحملها الأبناء في أيديهم أينما كانوا، في بيوتهم، وعند خروجهم. وهذه الأجهزة إن لم تكن تحت متابعة الآباء ورقابتهم، فإن خطرها عظيم على العقول، والأديان، والأخلاق، والآداب. فكم قد تاه وانحرف من الشباب والشابات بسببها، وآل بهم الأمر إلى منكرات عظيمة، وبلايا جسيمة، لا يعلم خطرها إلا الله عز وجل. والأمر كما قال حفظه الله: فهذه الجوالات ووسائل التواصل، والقنوات الفضائية أصبحت من جلساء السوء في هذا العصر. كم تجد من الشباب من يجلس مع جواله لوحده، يقلب وينظر. لا شك أنه ينظر في الغالب إلى أمور محرمة، ربما مقاطع فاضحة، وصور عارية، وهكذا أشياء، وأنواع من مثل هذه الرذائل والخبائث. ولهذا تجد يحب أن ينفرد، أن ينفرد بنفسه، وأن يقلب جواله لوحده. ربما كان في البيت يحرص على أن يبتعد، وأن ينفرد بجواله. أو ربما في خارج البيت في مواضع الإنترنت، أو في بعض المواضع التي فيها شبكات النت، تجد الشباب يجلسون في الدكاكين، وكل واحد معه جواله، وهو ينظر ويقلب. ولا حول ولا قوة إلا بالله. كم أفسدت هذه الأجهزة من قلوب، وكذلك أنتنت من أفئدة، وفسد كثير من الشباب والشابات بسبب ذلك، وتساهل الآباء والأمهات في إعطاء أبنائهم للجوالات، وهم في مثل هذا السن، في سن المراهقة، الخامس عشر، والرابع عشر، والسادس عشر، ثم لا متابعة ولا محاسبة، بل يدعون لهم الأمر بلا خطام ولا زمام. ثم ماذا تنظر بعد ذلك؟ إذا رأى الشاب أو الشابة أفلاما إباحية، ومقاطع إباحية تثير الشهوات، وتثير الغرائز، وقلّى الدين، وضعف الرقيب، ما الذي ينتظر بعد ذلك؟ مع سهولة الوقوع في الشر والسوء، ووجود أهل الشر، ما ينتظر من ذلك إلا الوقوع في الأمر العظيم الذي يندى له الجبين، وتبكي له الأعين، وتتحصر عليه القلوب. وكل ذلك بسبب تساهل الآباء والأمهات مع أبنائهم في التعامل مع هذه الجوالات التي كما سمعنا تعتبر من الجلساء والأصحاب في هذا العصر الحديث. فلابد من وقفة حاسمة، ومن كذلك عدم تساهل في أمر هذه الجوالات، وتعامل الأبناء معها. نسأل الله عز وجل لنا ولكم ولأبنائنا السلامة والعافية. إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.