الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 683، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
طلب كفار قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الصفا ذهباً وينحي الجبال ليتمكنوا من الزراعة، فخيرهم الله بين إمهالهم أو إعطائهم الآية، فاختار النبي الإمهال رحمةً بهم. نزلت آيات تذكر تكذيب الأمم السابقة كقوم ثمود وبني إسرائيل وعيسى عليه السلام.
يبين المقطع أن الله يرسل الآيات والمعجزات مع الرسل لإقامة الحجة، غير أن الأمم السابقة كذبت بها مما أدى إلى منع إرسالها استعجالاً للعذاب. القرآن الكريم هو الآية الخالدة التي عجز عنها العرب الفصحاء، ومع ذلك طلبوا آيات مادية تعجيزاً لا إيماناً، بينما شهد علماء اليهود بصدق النبي صلى الله عليه وسلم.
يوضح المقطع أن المكذبين يطلبون الآيات عناداً لا استبصاراً، كما فعل اليهود مع النبي وبنو إسرائيل مع موسى وقوم ثمود مع الناقة، وأن الآيات لا تنفع من أصر على التكبر. اختار النبي صلى الله عليه وسلم الاستئناء بقومه والدعاء لهم بدل استعجال العذاب، فكان من بركة ذلك دخول أهل الطائف ومكة في الإسلام أفواجاً.
يختتم المتحدث بذكر الفوائد المستفادة من الحديث ويكتفي بذلك، وينسب الترجمة إلى نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عثمان بن محمد، هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة العبسي، أخو الحافظ الكبير أبي بكر بن أبي شيبة، قال عبد الله بن أحمد: وسمعته أنا منه. وأنا، وهذا من زوائد المسند، أنا أعرض الحديث في المسند وفي الزوائد. قال: حدثنا جرير، وهو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي، عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران الأعمش المشهور في الحديث وفي العلم وفي الفقه، فكان له باع عظيم في العلم والسنة. قال: عن جعفر بن إياس، وهو ابن أبي وحشية، أبو بشر، عن سعيد بن جبير، أبو محمد الكاهلي، وهو إمام من أئمة المسلمين. قال: لما محمد، ومن لنا مثل سعيد؟ أي سعيد بن جبير، رحمهم الله. قال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، هو الحبر، حبر هذه الأمة، ترجمان القرآن. قال: سأل أهل مكة النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزدرعوا. فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم. فقال عليه الصلاة والسلام: لا بل أستأني بهم. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ﴾. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. فهذا الحديث يخبر ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن أهل مكة سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأهل مكة هم كفار قريش. قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: أن تريد أن نؤمن بك؟ فاجعل لنا هذا الصفا ذهبًا حتى يغترفوا من هذا الذهب، وأن ينحي الجبال عنهم. وأنا معروف من رأى مكة يرى أنها أكثرها جبالًا، فلذلك طلبوا أن ينحي الجبال عنهم فيزدرعوا في أرض هذه الأرض. فقيل له: أي قال الله عز وجل وأوحي إليه: إن شئت أن تستأني بهم فأنت تتركهم وتدعوهم بطريقتك وباجتهادك تدعوهم إلى الله عز وجل ولو تأخروا عن الإسلام، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا وأن تعطيهم هذا الذي سألوا ويكون لهم آية مثل ما كانت تلك الآيات لمن كان قبل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، ذلك النبي الرحيم بقومه عليه الصلاة والسلام: لا بل أستأني بهم، بل أستأني بهم؛ لأن الله عز وجل إذا أنزل عليهم آية ورأوها أمامهم ثم لم يؤمنوا فهذه تعتبر حجة عليهم، حجة مستعجلة عليهم، مثل ما حصل لبعض الأمم. ولهذا قرأ: فأنزل الله عز وجل ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ﴾. قوم صالح وهم ثمود طلبوا من صالح آية، فجعل الله عز وجل لهم الناقة، أخرجها من الصخرة، فكانت هذه الناقة آية لهؤلاء، رأوها أمامهم، وكان لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، يوم تشرب من ذلك النهر، ويوم عندهم يستقون هم ومواشيهم، فعقروا هذه الناقة، وعتوا عن أمر ربهم، فأنزل الله عز وجل عليهم العذاب. ولما أيضًا طلب بنو إسرائيل الآيات، أنزل الله عز وجل عليهم تسع آيات بينات، لكن لم يؤمنوا، فأنزل الله عز وجل عليهم العذاب. وكذلك أيضًا قوم عيسى طلبوا المائدة، وقال: ﴿ وَدَعَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾. فقال الله عز وجل: ﴿ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴾؛ لأن الحجة قد قامت عليهم، أن الطلب آية حتى يؤمنوا، فإذا نزلت عليهم هذه الآية ولم يؤمنوا، فمعنى ذلك أنهم عجلوا على أنفسهم بالعذاب. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾. أنا حتى هذه الآيات التي تكون ينزلها الله عز وجل حتى يؤمنوا بها الناس ويصدقوا أهل الرسل، ما من نبي إلا وأنزل الله عز وجل عليه ما آمن على مثله البشر، ينزل عليه آية. معنى ما آمن عليه على مثله البشر: وإن الذي أتيته وحيا أوحاه الله إليه. يعني أن الأنبياء يرسل لهم الآيات ربنا جل وعلا حتى يؤمن من يريد الإيمان. نبي الله موسى كان الناس في ذلك الوقت عندهم السحر، انتشر السحر، فأنزل الله عز وجل عليه ما يغلب هذا السحر، وهي العصا التي تتحول إلى حية، معنى حقيقة وليس خيالًا. فلما رأى السحرة ذلك علموا أن هذا ليس بسحر. وانتشر أيضًا في زمن عيسى بن مريم الطب، فجعل الله عز وجل عيسى آية عظيمة ما كان يعرفها قومه، وهي أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويعلم ما يدخرون في بيوتهم. أن هذه الآيات ما كانوا يعرفونها، فجعلها الله عز وجل على يد عيسى حتى يؤمن. فربنا جل وعلا رحيم بعباده، وأيضًا يقيم الحجة عليهم. ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾. يبعث الله عز وجل الرسل ويبعث معهم ما يكون حجة على الناس وعلى هؤلاء الذين أرسل إليهم. فلذلك ربنا جل وعلا لما رأى من تكذيب الرسل، معنى تكذيب أقصد الناس للرسل، منع من إرسال هذه الآيات. ولهذا لما طلب أهل مكة مثل هذه الآية، أنه يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن ينحي الجبال، أنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾. هؤلاء سيكذبون بها كما كذب أولئك. فهذه الآية العظيمة التي جاء بها، أي نبي الله عز وجل جاء بها وهي القرآن، الذي عجزوا عن الإتيان بمثل سورة من مثله، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، وهذا لم يدعهم إلى الإيمان، فكيف سيؤمنون بهذه الآيات؟ وإنما هذا يطلبونهم باب التعجيز، يريدون أن يعجزوا النبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فهم يؤمنون بأنه صادق، كما أخبر الله عز وجل بذلك: ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾. لأنهم يعلمون أنه أمي، فكيف يأتي مثل هذا الكتاب العظيم الذي فيه أخبار الأمم السابقة، فيه أخبار لم يكن حتى أهل الكتاب يعرفونها، من أين سيأتي بهذه الأخبار؟ وأيضًا يخبر الأشياء ستأتي، وأشياء أيضًا من يوم القيامة، من أين له ذلك؟ وأيضًا أشياء يخبر بها هي عند أهل الكتاب من أمر القيامة. ولهذا لما جاء اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء حبر من أحبار اليهود في حديث ثوبان في مسلم، فقال: يا محمد. فدفعه ثوبان حتى سقاه، وقال: قل يا رسول الله. فقال: إنما أسميه بما سماه به أهله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: سماني أهلي بمحمد. قال: قل. قال: إني سائلك عن شيء لا يعلمه إلا نبي، أو رجل، أو رجلان. فقال: هاته. ثم ثم ثم ذكر له أول من يدخل الجنة، وذكر أول ما يأكلون، ثم ذكر له بعد ذلك مسألة الولد، من أين يأتي الشبه؟ فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام بما أوحي إليه، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: إن أجبتك هل ينفعك؟ قال: أشهد بغذن. لأنه معاند، يعلم أن هذا الشيء الذي سيأتي به لا يعلمه إلا نبي أو رجل أو رجلان. هذا شيء مما اختص به الله عز وجل الأنبياء وبعض الأحبار. والنبي عليه الصلاة والسلام ليس ممن تعلم عنده الكتاب، ولم يكن يعلم من التوراة والإنجيل، فمن أين سيأتي بهذا الكلام الذي لا يعلمه إلا نبي أو رجل أو رجلان؟ فلما أخبره لم يؤمن هذا اليهودي؛ لأنه معاند، وسأل لأجل أن يعجز النبي عليه الصلاة والسلام، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام بما سأل. وهذا دأب هؤلاء أهل التكبر. ولهذا الله عز وجل قال: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾. أنه حصل التكذيب. انظر إلى بني إسرائيل، مع أنهم قالوا لموسى: ادعُ، ادعُ لنا ربك يكشف عنا هذا العذاب. فبعدما عانوا من العذاب، أنزل الله عز وجل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات بينات، آيات مفصلات بينات، فاستكبروا. فبعد ذلك طلب من موسى أن يدعو لهم أن الله عز وجل يكشف عنهم هذا العذاب، لكن لم ينفعهم ذلك. فلما كشفنا عنهم العذاب رجعوا إلى ما هم عليه من المكر وغير ذلك. فلذلك صار هؤلاء مكذبين. وأراد أيضًا مع التكذيب أنهم يعاندون، فلذلك ما تنفعهم هذه الآيات. وقد ذكر الله عز وجل عن هؤلاء أهل التكبر وأهل العناد أنهم ما تنفعهم الآيات، ولو جاءتهم كل آية. معنى الله عز وجل لو جاءهم في كل شيء آية ما آمنوا ولا انقادوا. لكن معنى ما يفيقون من هذا التكذيب ومن هذا العناد حتى يروا العذاب أمامهم. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب. ﴿ وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا ﴾ إلى قوله: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ﴾. فهم معاندون وأيضًا مكذبون. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾. ثم ذكر أنه آتى ثمود الناقة مبصرة، آية عظيمة يبصرونها أمامهم، لكن لم يستفيدوا ولم ينتفعوا بها. فلذلك أولًا يقول الله عز وجل لقريش، يقول الله عز وجل لنبيه: إن شئت أن تستأني بهم، معنى تدعوهم وتصبر عليهم ولو تأخر في الإيمان، وإن شئت أن تؤتيهم أن تؤتيهم الذي سألوا، لكن إذا كذبوا سيأتيهم العذاب. فالنبي عليه الصلاة والسلام اختار أن يستأني بهم، قال: بل أستأني بهم. وهذا من أعظم ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرحمة بقومه، فلم يستعجل عليهم العذاب، بل لما كذبوه وخرج من الطائف مغمومًا مهمومًا، فلم يستفق عليه الصلاة والسلام إلا بقرن الثعالب. صلوات الله وسلامه عليه. فجاءه جبريل ومعه ملك الجبال، وقال: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين. أنا ملك الجبال، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين، الجبلين العظيمين على أهل، على أهل مكة وأهل الطائف. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا، لعل الله عز وجل يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا. وبحمد الله عز وجل حصل الذي قاله عليه الصلاة والسلام. أما أهل الطائف فجاء كلهم إلا نفر يسير، جاءوا وآمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، حتى كبارهم كسهيل أو كعروة بن مسعود وغيرهم أيضًا أسلموا. وأيضًا كذلك أهل مكة في فتح مكة، كثير منهم أسلم ودخل دين الله عز وجل. وهذا من بركة هذا النبي الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، والفضل لله جل وعلا. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام اختار أنه يتأخر ويستأني بهم، لعل الله عز وجل يلقي في قلوبهم الإيمان فيؤمنون بالله جل وعلا. فهذا ما يؤخذ من هذا الحديث، أو بعض الفوائد من هذا الحديث، وأكتفي به، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر