الدرس في عشر ركائز في تربية الأبناء 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
التربية الصالحة تؤتي ثمارها في حياة الوالدين وبعد مماتهم، وتعتبر من الأعمال التي تستمر بعد الموت. الآباء ينتفعون بتربية أبنائهم على الصلاح والخير بعد موتهم.
يجب على الآباء الاهتمام بتربية أبنائهم وتوجيههم إلى طريق الصلاح والاستقامة، وعدم إهمال تربية الأبناء يؤدي إلى فسادهم وضياعهم. تربية الأبناء على الصلاح من كسب الوالدين.
يجب على الأباء التوكل على الله مع أخذ الأسباب لصلاح أبنائهم، وعدم الاعتماد على هذه الأسباب وحدها. ينبغي على الأباء أن يحسنوا ظنهم بالله في صلاح أبنائهم وأن يصبرون ويدعون الله لهدايتهم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في خاتمة رسالته «عشر ركائز في تربية الأبناء»: «فهذه جملة يسيرة من الركائز التي تعين على تربية الأولاد وتأديبهم وتهذيبهم». وعلمنا أن هذه الركائز التي مرت وهي عبارة عن: أولا، اختيار الزوجة الصالحة، ثم غرس العقيدة الصحيحة في قلوب الأبناء، ثم الدعاء وكثرة الدعاء لهم بالهداية والتوفيق والصلاح. وهكذا أيضا تحصينهم بالأذكار، وكذلك العدل فيما بين الأولاد بعدم تفضيل بعضهم على بعض، وهكذا أيضا اختيار الأسماء الطيبة، وكذلك أيضا الرفق والرحمة في التعامل معهم، وكذلك بذل النصيحة والتوجيه، وكذلك الحرص على أن يجالسوا الصالحين، وكذلك أيضا القدوة الحسنة بأن يكون الأولاد قدوة حسنة لأبنائهم. قال: «وليعلم المسلم أنه باعتنائه بهذه الركائز وتطبيقها فإنه سيكون أول من يجني ثمار هذه التربية في حياته وبعد مماته». أما في حياته، فسيكون ابنه صالحا بارا به، محافظا على حقوقه، متجنبا عقوقه، لأن الإسلام الذي رباه عليه يأمره بذلك ويحثه عليه. فالولد إذا تربى على الصلاح وعلى الاستقامة، عرف حق الله جل وعلا الذي عليه، وعرف كذلك ما للعباد من حقوق عليهم، ومن ذلك وأعظم هذه الحقوق حق الوالدين، فيعلم أن للوالدين حقا عظيما، فيقوم ببرهم والإحسان إليهم والبعد عن الوقوع في العقوق، فيكون الابن من خير الناس لأبيه. وهذه من ثمار هذه التربية التي عنا بها الوالدان حتى يصل الولد إلى مثل هذه المرتبة العظيمة. قال: «أما بعد مماته، فإنه سيجتهد بالدعاء له». فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له». والحديث أخرجه مسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله». فالإنسان إذا مات حيل بينه وبين الأعمال، فإذا قبضت روحه ونزعت روحه من جسده، فلا يستطيع أن يعمل شيئا من الخير، لا يصلي ولا يصوم ولا يسبح ولا يكبر ولا يهلل ولا يحمد ولا غير ذلك من أعمال البر. لكن هناك أعمال يستمر أجرها ويستمر فضلها للإنسان بعد موته، منها صدقة جارية، الصدقة الجارية كالوقف، إذا أوقف شيئا يجري نفعه ويجري خيره ويجد ثمرته بعد موته، أوقف مدرسة، أوقف مسجدا، أوقف ماء، حفر بئرا وجعلها وقفا ينتفع منها الناس، وغير ذلك من صدقات جارية، فهذه مما يجري عملها وينتفع بها المسلم بعد موته. وكذلك أيضا أو علم ينتفع به، إذا خلف علما، درس أولادا، درس طلابا، أخذوا منه هذا العلم، فهم يعلمون الناس ويدعون إلى الله، فثمرت هذا العلم وهذه الدعوة ترجع إليه، إذا كان هو الذي علمهم وهو الذي فقههم، فيجري ويستمر أجر هذا العمل بعد موته، علم ينتفع به، وهو علم الكتاب والسنة، أو إذا ألف مؤلفات أو له دروس ومحاضرات، فهذا من العلم الذي يجري له عمله بعد موته. أو ولد صالح يدعو له، هذا والشاهد: إذا خلف ولدا صالحا، ولدا مستقيما يدعو له، يدعو لوالده بالمغفرة والرحمة ورفع الدرجات، هذا من عمل الإنسان الذي يستمر الذي يستمر بعد موته. قال: «أو ولد صالح يدعو له». فإذا كان إذا كان الإنسان من الوالدين سعى في تربية هذا الولد وإنشائه على الصلاح والخير، فلا شك أن هذا من كسبهما ومن عملهما، فينتفعان بذلك انتفاعا عظيما، الرجل أو المرأة في قبرها، وهي يعني ترفع الدرجات، وهو يرفع الدرجات، ويأتيهم من الأجر والثواب بسبب استغفار هذا الولد لهما، ولد صالح يدعو له. أما إذا كان الولد طالحا، ما يعرف حق الوالدين، لا يعرف ما بمغفرة ولا بدعاء ولا بصدقة ولا بشيء من الخير، فلا ينتفعان به، لا في حال حياتهم ولا بعد موتهم، بخلاهما إذا كان من أهل الصلاح. قالوا: «هذا يجب التنبيه إلى أن هذه المسألة وهي تربية الأبناء مسألة كبيرة وعظيمة، يجب على كل أب أن يوليها عناية بالغة». فإن عامة فساد الأبناء سببه إهمال الآباء وتفريطهم، نعم، إهمال الآباء وتفريطهم في تربية الأبناء، ما يبالي هل يصلي الولد لا يصلي، هل يصاحب الأخيار أو يصاحب الأشرار، هل يقضي أوقاتا فيما ينتفع به أو فيما يضره، ما يبالي بذلك، ربما يهتم بأمور الدنيا أعظم من أمور الدين والآخرة، همه أن يدخل له الأموال وأن يعمل وأن يكتسب، وكذا، ولا مبالاة في أمور الدين، ولا مبالاة في أمور الدين، فإن شاء الولد على بعد عن طاعة الله وعن مراعاة حقوق الله وحقوق عباده بسبب إهمال الآباء. قال علامة بن القيم رحمه الله: «فمن أهمل تعليم ولده وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة». وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، ذكر هذا رحمه الله في كتاب «تحفة المودود في أحكام المولود». يقول رحمه الله: «من أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى»، يعني هملا، لا يأمره ولا ينهاه ولا يوجهه ولا ينصحه، يجعله حاله كحال البهيمة التي تخرج في أول النهار ترعى وتأكل ثم ترجع في آخر الليل إلى زريبتها، وهكذا حال هؤلاء الأبناء الذين أهملوا، يخرج الواحد منهم ثم يرجع إلى البيت، رحمه في آخر الليل، لا عبادة ولا طاعة ولا سؤال ولا نصيحة ولا توجيه ولا اعتناء، فحاله كحال البهيمة، حاله كحال هذه البهيمة. قال: «فقد أساء إليه غاية الإساءة»، يعني إذا أهمل تربية وتوجيه، فقد أساء إليه غاية الإساءة، إذ أهمل نصحه وأهمل السعي في صلاحه وسقامته. قالوا: «أكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم». كثير من الأبناء الذين يسيرون في طريق الشر والفساد هو بسبب إهمال الآباء والأمهات، بتركهم من غير توجيه ولا نصيحة ولا أخذ بأيديهم إلى سبيل الصلاح والاستقامة، ربما يخرجون في أوقات لا ينبغي الخروج فيها، ولا يبالون بذلك، كبعد الظهيرة وهكذا بعد المغرب، وفي أوقات متأخرة من الليل، هذه الأوقات هي مضان الشر والفساد، ومع ذلك تجد لا مبالاة ولا معاتبة ولا أخذ على يدي هذا الولد حتى يعني يوقظ به إلى بر السلام، ثم بعد ذلك يقع ما لا تحمد عقباه. قال: «وهنا مسألة مهمة ينبغي على الوالد استحضارها، وهي أنه مع عنايته بهذه الأسباب والركائز العظيمة في تربيته لأولاده، عليه أن يفوض أمره إلى الله عز وجل، متوكلا عليه في إصلاح أولاده وحفظهم بما يحفظ به عباده الصالحين». وأن لا يتعلق قلبه بهذه الأسباب، يعني لو أنه عني بهذه الركائز وعمل بها، وهذا أمر حسن مطلوب، هذه الأسباب أمر مطلوب أن يؤخذ بها، وبغيرها مما فيه السعي إلى صلاح الأبناء، لكن هذه الأسباب لا ينبغي الاعتماد عليها، لا ينبغي الاعتماد عليها، فإن المتوكل على الله عز وجل لا شك أن من التوكل أن يأخذ بالأسباب، لكن اعتماده يكون على الله لا على هذه الأسباب، فهذه الأسباب تقبل وتدبر ولا تؤثر إلا بإرادة الله جل وعلا وتوفيقه سبحانه وتعالى، فلا يتعلق بها، وإنما يكون تعلقه بالله سبحانه وتعالى، ويكون تفويضه في إرادة سعي إرادة صلاح الأبناء وهدايتهم باعتماده على الله جل وعلا. قال إمام مالك بن أنس رحمه الله: «الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات». انظروا إلى هذه الكلمة العظيمة من إمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة رحمه الله، مالك بن أنس الأصبحي الحميري، والحميري أرمي اليمن، وهو صاحب المذهب المشهور، مذهب الإمام مالك، وهو كان إمام أهل المدينة رحمه الله في زمنه، يقول: «الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات». قالوا: «هذه الكلمة العظيمة من الإمام مالك رحمه الله فيها تسلية وذكرى». أما التسلية فهي لكل من بذل جهودا في إصلاح ولده فلم يصلحوا، هذه تسلية أنك إذا بذلت الأسباب في صلاح الأبناء وهدايتهم ولم يرد الله عز وجل هدايتهم، أن هذا الأمر بيد الله، ولا عليك لا شيء عليك، أنت أديت الذي عليك، لكن الله عز وجل لم يرد هدايتهم ولم يرد صلاحهم واستقامتهم، لأن حقيقة الأدب هو أدب الله، هو الذي يؤدب هؤلاء الأبناء، وكذلك حقيقة حصول الخير لهم هو من الله سبحانه وتعالى لا من خير الآباء والأمهات. فمن سعى في إصلاح ولده وبذل كل جهوده التي استطاع لها، فلم يوفق هؤلاء الأبناء للهداية، فلا يعني يأخذه الهم والغم بسبب ذلك، لأن الأمر بيد الله، لأن الأمر بيد الله. وكم من الأنبياء والصالحين، كم من الأنبياء والصالحين من لم يكتب الله عز وجل لهم الهداية لأبنائهم، هذا نوح عليه السلام كما تعلمون، ابنه كان كافرا، مع أن أباه نبي من الأنبياء، بل هو أول رسول إلى أهل الأرض، نوح عليه السلام، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، وكان ممن لم يؤمن به ولده، وكان من الهالكين كما أخبر الله سبحانه وتعالى. قال: «وأما الذكرى فهي لمن أكرمه الله بصلاح ذريته، ألا ينظر إلى جهوده في تأديبهم، فإنما هو محض نعمة الله عليه». الذكرى لمن أكرمه الله بصلاح ذريته، الله عز وجل وفق أبناء للهداية والصلاح، فلا يغتر بالأسباب الذي بذلها والجهود التي فعلها في تأديبهم، بل ينبغي أن يعلم أن هذه نعمة من الله، الله عز وجل امتن عليه بهداية أولاده وبصلاح أبنائه، فيشكر الله عز وجل على هذه النعمة. قال: «وعليه كذلك أن يكون متفائلا طامعا في فضل الله ومنه أن يصلحهم ويهديهم صراطه المستقيم». قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «فلا أظن أن أحدا اتقى الله في أولاده وسلك سبيل الشريعة في توجيههم إلا أن الله عز وجل يهدي أولاده». وهذا من حسن الظن، حسن ظن العبد بربه، أن يكون كذلك، يعني إذا سعى وأخذ الأسباب في صلاح الأبناء، فهو يعني يحسن ظنه بالله عز وجل أن الله يهديهم وأن الله يوفقهم لطريق الصلاح والاستقامة، وهذا هو الغالب، يعني أن الله عز وجل يوفق هؤلاء الأبناء للهداية، وإن حصل خلاف ذلك فهو ابتلاء، هو ابتلاء من الله جل وعلا، فعلى الأب أن يصبر. قال: «أسأل الله أن يعيننا أجمعين على تربية أولادنا وتوجيههم الوجهة الصحيحة، وأن يصلحهم وأن يعيذهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، إنه سميع مجيب». وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وبهذا تكون انتهت هذه الرسالة النافعة، وهي «عشرة ركائز في تربية الأبناء». نسأل الله عز وجل لنا ولكم ولأبنائنا وأبناء المسلمين الهداية والتوفيق والصلاح والسداد، إن ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.