الدرس في آداب التثاؤب 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
التثاؤب يكرهه الله ويرضاه الشيطان لأنه يدل على الكسل والخمول، وقد ينتج عن الامتلاء من الطعام والشراب. يُعتبر تغييرًا لخلق الإنسان وتقبيحًا لصورته.
يتم الرد على إشكالات حول التثاؤب وعلاقته بالشيطان، حيث تُوضح الكراهة المتعلقة بكيفية التعامل مع التثاؤب وأسبابه الاختيارية. يُفصل الكلام حول التثاؤب في رمضان رغم تصفيد الشياطين.
ذُكر أن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم عدم التثاؤب، واستُدل بآثار على ذلك. يُفسر ذلك بأن التثاؤب يصدر عن امتلاء وتعب وغفلة، والأنبياء بعيدون عن ذلك.
تمهيد لأحكام التثاؤب وآدابه التي ستُناقش في دروس قادمة. يُطلب من الله النفع بما يُقال، وتُختتم بالصلاة على النبي. يُشدد على أهمية العناية بأحكام التثاؤب.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بالأمس، إخواني في الله، كان الانتهاء من ذكر أهم مباحث آداب العطاس، وإن مما يناسب ذكره تبعًا لذلكم الأدب أن نتذاكر ما يتعلق بأحكام وآداب التثاؤب، فإن التثاؤب هي حالة عرضية تصيب الإنسان بين الفترة والأخرى. ولهذا تجد أن التثاؤب قرن مع العطاس في أحاديث كثيرة؛ جمع الشرع بينهما لأنهما من الحالات العرضية التي تطرأ على الإنسان، لكن لا مساواة بينهما، ففرق بين العطاس والتثاؤب كالفرق بين المشرق والمغرب، إذ أن العطاس يحبه الله، وأما التثاؤب فالله يكرهه. فالله سبحانه وتعالى يكرهه، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «التثاؤب من الشيطان». وهنا تأتي مسألة وهي من أهم المباحث المتعلقة بهذا الباب: ما معنى «التثاؤب من الشيطان»؟ لأن على ضوء هذا المعنى ستأتي لنا مسائل. فيقول العلماء: أن معنى هذا الحديث أن التثاؤب هي حالة يحبها الشيطان، يحبها ويفرح بها ويرضى بها. كما مر معنا، نتوجه في دروس سابقة، في قوله عليه الصلاة والسلام: «العطاس من الله»، أي أن الله يحب العطاس، وكذلك «التثاؤب من الشيطان»، أي أن الشيطان يحب ذلك. طيب تأتي مسألة تتفرع عن ذلك: لماذا الشيطان يحب التثاؤب؟ من أقوال العلماء في هذه المسألة، كما دلت عليها الأدلة: أن في حالة التثاؤب يتغير وجه الإنسان. ولك أن تتخيل، يا عبد الله، الإنسان السوي في حال تثاؤبه إذا فتح فاه، كيف تكون صورته؟ كيف تكون حالته؟ تكون صورة قبيحة؛ يعني لو نظرت مثلًا إلى المتساهلين في هذه المسألة، يفتح فمه على مصراعيه، تنظر إلى تشوه وجهه، سبحان الله، تغير وجهه. وهذا التغير والتقبيح لهذه الخلقة التي خلق الله الإنسان على أحسن حال يحبها الشيطان. ولهذا كان من أغراضه ومن أفعاله، كما قال عنه ربنا: «ولآمرنهم فليغيرن خلق الله». فالشيطان يسعى إلى تغيير خلق الله، ومنها خلقة الآدمي؛ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، على أحسن هيئة وحال، هذه خلقة الله، فيحرص الشيطان على أن يغير خلق الله. فمن الصور التي يكون فيها التغيير لخلق الله مسألة التثاؤب؛ فإن الإنسان إذا ترك لنفسه وعلى عواهنه قضية التثاؤب، ففتح فمه، فإن وجهه يقبح، فالشيطان يفرح من هذا المنظر. التثاؤب من الشيطان، أي أنه يفرح بهذه الصورة وبهذه الهيئة. هذا قول، والقول الآخر، والذي عليه أكثر العلماء: أن التثاؤب من الشيطان، أي أن الشيطان يحب التثاؤب؛ لأن التثاؤب دلالة على ماذا؟ التثاؤب دلالة على الكسل وعلى الخمول وعلى النعاس، هذا من دلالات التثاؤب. وهذه الدلالات من أين جاءت؟ يقول علماء: أن التثاؤب الذي هو مظنة للكسل والعجز والتعب والنعاس، إنما هو مظنة للامتلاء. بما معنى الامتلاء؟ أي أنه امتلأ بأنواع الطعام والشراب، فامتلأت بطنه، فيقع منه التكاسل والخمول، فيظهر على إثر هذا وذاك التثاؤب. فمن هنا الشيطان يحب هذا، عكس ما مر معنا في مسألة العطاس؛ فالله يحب العطاس؛ لأنه يدل على الجد والنشاط والهمة، وعلى خلو البدن من الأمراض والعلل، فهو محمود عند الله. أما التثاؤب بالعكس، ولهذا يقول إمام المناوي رحمه الله تعالى: قال أضافه إليه، أي أن الشرع أضاف التثاؤب إلى الشيطان؛ لأنه الداعي إلى إعطاء النفس، حفظها من الشهوة. وقال إمام النووي رحمه الله تعالى: أضيف التثاؤب للشيطان؛ لأنه يدعو إلى الشهوات؛ إذ يكون عن ثقل البدن واسترخائه وامتلائه. قال: والمراد التحذير من السبب الذي يتولد منه ذلك، وهو التوسع في المآكل. لهذا كانت هذه غير محبوبة عند الله؛ التثاؤب غير محبوبة عند الله سبحانه وتعالى، بخلاف العطاس. فالتثاؤب إشارة إلى الكسل والخمول والتقاعس الذي قد يولد أصلا من مسألة التوسع في المآكل والمشارب، فالشيطان هنا ماذا يحب؟ التثاؤب. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «التثاؤب من الشيطان». في ظل هذا المعنى، إخواني في الله، أبين بعض المسائل المتعلقة بهذا الحديث «التثاؤب من الشيطان». ولا يغادر على أذهانكم ما مر معنا من التفسير الذي قد خلصنا إليه. أولى هذه المسائل وهي إشكالات: الإشكال الأول قد يقول قائل: إذا كانت التثاؤب بهذه الصورة أنها حالة مكروهة، وأن الله لا يحبها، بل سيأتي معنا أنه ينبغي للإنسان أن يبتعد عنها قدر الإمكان، ويكون عليها الحساب، بل هي من الحالات المكروهة. قالوا: كيف يكون الكراهة في أمر نحن لا نملكه؟ التثاؤب مسألة عرضية. فأنا أو أنت تبقى في مجلس، فإذا بالتثاؤب يهجم عليك هجومًا، ما أنا الذي استدعيت التثاؤب أصلا، وما أنا الذي استجلبت التثاؤب لنفسي حتى أتثاؤب عمدًا وقصدًا، هذا ما هو بيدي أصلا، التثاؤب يغلب عليه. قالوا: إذا كان التثاؤب مسألة عرضية تهجم على الإنسان هجومًا، فكيف ينبني عليها حكم الكراهة؟ كيف ينبني عليها حكم الكراهة وهي ليست بأيدينا أصلا؟ واضح الإشكال. هذا إشكال نعم يذكره العلماء، إذ يقولون: ينقلوا عن بعض العامة والناس أن هذا أمر اضطراري، فكيف يكون عليه التكليف؟ قال العلماء: وهذا من الدقة في معنى وقضية التثاؤب. قال العلماء: نفس التثاؤب، التثاؤب من حيث هو، نعم هي قضية اضطرارية تهجم على الإنسان هجومًا، هذه أنت لست تملك إزاءها حيلة، وما تستطيع أن تردها؛ لأنها واقعة وحاصلة، هذا أمر اضطراري، ليس عليك أي غبار يا عبد الله. لكن انتبه لأمرين اثنين، وهما اللذان يكون عليهما الكراهة في قضية التثاؤب: المسألة الأولى في كيفية التعامل مع التثاؤب، والمسألة الثانية في أسباب التثاؤب. هنا هاتان القضيتان هما ترجع إليك أنت، هنا سيكون عليها الكراهة، فانتبه لهما. القضية الأولى مثلًا، إخواني في الله، كيف التعامل مع التثاؤب؟ التثاؤب نعم يهجم علي ويهجم عليك، أنا ما أملك إزاءها دفعًا ولا رد، هذه طبيعة بشرية. لكن السؤال: أنا ما سأحاسب على أصل التثاؤب، لكن سأحاسب على كيفية التعامل مع التثاؤب. وسأتي معنا ما هي الأمور التي ينبغي أن تفعل إذا هجم عليك التثاؤب؟ فهنا إن فعلتها، أي فعلت هذه الأمور عند تثاؤبك، فإنك تؤجر، أما إن أهملتها، أهملت هذه العوامل التي بها يتعامل عند التثاؤب، هنا ستحاسب عليها. إذن الحساب هنا ماذا؟ على عمل اختياري، وهو كيف التعامل مع التثاؤب، فهذا أمر اختياري لا اضطراري، فرق بين أصل التثاؤب اضطراري، وبين التعامل مع التثاؤب فهو اختياري، هنا تقع عليه الكراهة. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: الأسباب المودية للتثاؤب، كما قال علماء: التثاؤب ما يأتيك هكذا عبثًا، يأتيك التثاؤب عن مقدمات. مر معنا أن من أعظم أسباب التثاؤب الامتلاء، التوسع في المآكل والمشارب، هنا راعي نفسك، هذا باختيارك، لا تتوسع. قد مر معنا في أمر العطاس التنبيه على هذه القضية؛ لأن العطاس يدل على خفة البطن، فكأنه محبوبة عند الله، ففعل هذا في أمر التثاؤب؛ فكلما أقللت من طعامك ومن شرابك، ماذا؟ ابتعدت عنك قضية التثاؤب. فقضية عدم الامتلاء وعدم التوسع واللتان هما من أعظم أسباب التثاؤب، هذه بيدك، هذه قضية اختيارية، فهذا الذي يقع فيها الكراهة. واضح الآن، إذن فقضية التثاؤب عند قضية اضطرارية لا عليك فيها عتب، وفي قضية هناك اختيارية أحاسب عليها، وهي الأسباب باختياري، وكيف التعامل مع التثاؤب، فهذا اختياري، هنا تقع عليهما قضية الكراهة. الإشكال الثاني، إخواني في الله، من حديث «التثاؤب من الشيطان»، قد يقول قائل: التثاؤب من الشيطان، فعلى ما نجد أناسًا في رمضان يتثاؤبون، والشياطين في رمضان ما الذي قد جرى لها؟ قد صفدت، وصفدت الشياطين، فكيف تصفد الشياطين ونرى التثاؤب قد يفشو بين المسلمين في نهار رمضان وفي أيامه ولياليه؟ فكيف الجمع لهذا التعارض؟ قال علماء: لا تعارض عندنا، ووجه الرد لهذا التعارض الذي قد ينقدح في أذهان بعض الناس على ظاهره. قال علماء: ما هناك علاقة، الشيطان مربط، الشيطان مسلسل بالسلاسل، مصفد بالأغلال، لكنه وهو مع تصفيد يحب ويرضى حالة التثاؤب. قال: في هذا مانع؟ ما في مانع، رجل مجرم مروج للمخدرات، ألقي القبض عليه في السجون وفي الزنزانات عشرين سنة، وهو مربط ومسلسل في الزنزانة، وتأتيه الأخبار بأن المخدرات التي هي باسمه تنتشر في هذا المجتمع، وهو يفرح بهذا، هل في هذا مانع؟ يفرح ويرضى عن مخدراته التي انتشرت بين الناس، وهو مصفد في الزنزانة، قال: هناك مانع؟ ما هناك مانع أصلًا. لهذا الشيطان يحب ويرضى حالة التثاؤب مع تصفيده الذي وجد فيه هذا. كما قلنا، إخواني في الله، إن كان المعنى هذا. الإشكال هذا هو الإشكال الأول، الإشكال الثاني، أو أعني قصده الوجه الثاني في دفع هذه المسألة. قال علماء: أن المقصود بالتصفيد للشياطين لا يحمل على العموم، فليست كل الشياطين تصفد في أيام رمضان، ليس كلها، وإنما الأكابر منها. ويدل على ذلك ما جاء في رواية الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «وصفدت مردة الشياطين». المردة، المردة، الكبار، الغلاظ، هؤلاء يصفدوا، يصفدوا، فلا يؤثروا على الناس، لكن من بقي، بقي الصغار من الشياطين دونهم، دون المردة، هؤلاء ينطلقون، ينطلقون، وهؤلاء مما يؤثر فينا بأن يغوون في كثرة المآكل والمشارب، حتى يظهر علينا الكسل والخمول، ومن ثم يظهر فينا التثاؤب. فهؤلاء الدون هم قد وجدوا، بل ما هو أوسع من ذلك، المعاصي الموجودة في نهار رمضان، ذاك يسب وذاك يشتم وذاك ينم وذاك يغتاب، تقع معاصي. قد يقول: نفس السؤال، كيف تقع فينا المعاصي في نهار رمضان والشياطين قد صفدت؟ يقال: كما قيل بأن التصديد إنما للمردة، وأما ما دون المردة، فهم فينا، دون المردة فهم فينا، يثيرون فينا الشبهات والشهوات، ويوسعون علينا المآكل والمشارب، حتى نقع في قضية التثاؤب. فهذا، إخواني في الله، رفع لهذا الإشكال الذي قد ينقدح في أذهان بعض الناس. إذن لا إشكال في أن التثاؤب يظهر فينا في أيام رمضان مع أنها مصفدة، إذ أنه لا معارضة بين التصفيد وبين المحبة والرضى، أو أن التصفيد يكون لخاصة المرد من الشياطين، وأما ما عداهم من الأبالسة، فهم ينتشرون فينا بإظهار الشبهات والوساوس والشهوات، وبالتوسع في الامتلاء، حتى يظهر فينا هذه الحالات المرضية العرضية كالتثاؤب وغيره. مسألة أخيرة، إخواني في الله، مما تتعلق «التثاؤب من الشيطان»: إذا كان التثاؤب من الشيطان، هل نبينا عليه الصلاة والسلام يتثاؤب؟ هل نبينا عليه الصلاة والسلام يتثاؤب؟ ذكر أهل العلم أن من الخصائص ومن الخصوصيات التي جعلت لرسول الله عليه الصلاة والسلام أنه لا يتثاؤب. ولهذا من قلب كتب السنة وكتب السيرة لن يجد هذا أبدًا في وصف رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه تثاؤب قط. بل ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله بعدما قرر هذه المسألة، وأن هذه من خصوصياته، ذكر بعض الآثار، ذكر بعض الآثار التي فيها هذا المعنى، إلا أن الآثار فيها ضعف، هي من المراسيل. منها ما جاء عند مصنف ابن أبي شيبة بلفظ: «ما تثاؤب النبي صلى الله عليه وسلم قط». بل جاء ما هو أعم من ذلك بلفظ: «ما تثاؤب نبي قط». وهذا إن صحت الآثار، منها مراسيل، وعلى قول من يقول بأن المرسل مع المرسل يستشهد به، فهذا قول. وأيضًا كذلك من حيث المعنى مرة، معنى أن التثاؤب إنما يصدر عن امتلاء، يصدر عن تعب وغفلة، يصدر عن كسل. وهل هذا مظنة تصدر من أنبيء الله ورسله؟ الجواب: لا، وألف لا، إذ أنهم هم القدوة في الجد والاشتهاد والنشاط، ويكفيهم أعباء الدعوة التي أرهقت كواهلهم، ما ناموا، وما كان حتى قال نبينا عندما سئل عن نومه: «تنام عيناي ولا ينام قلبي»، تنام عيناي ولا ينام قلبي، قلبه يقضي، صلوات ربي والسلام عن شدة حرصه. فمن أين تأتيهم الغفلة؟ ومن أين تأتيهم الخمول؟ وأضف إلى ذلك ما جاء في هذا الحديث: «التثاؤب من الشيطان»، فالشيطان أبعد ما يكون عن أنبياء الله ورسله. ولهذا كما قلنا: ذكر جماعة من أهل العلم على أن الأنبياء، وعلى رأسهم نبينا عليه الصلاة والسلام، ما تثاؤبوا قط. هذا مسائل تعتبر تمهيدية لأحكام وآداب التثاؤب، وسأتي معنا إن شاء الله في درس غد وما يتتبع من أيام قادمة بإذن الله ذكر أهم المباحث التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة إذا وقعت لهم هذه الحالة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.