آداب التثاؤب 3

آداب التثاؤب 3

الدرس في آداب التثاؤب 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم التثاؤب في الصلاة وخارجها

التثاؤب مكروه في كل الأوقات لورود أحاديث مطلقة في ذلك وأدلة على كونه من الشيطان. ينبغي كظمه ورده ما استطاع الشخص.

كراهة التثاؤب في الصلاة وآدابه

التثاؤب في الصلاة مكروه ويزداد كراهة بسبب حرص الشيطان على إبعاد المصلي عن الخشوع. تغطية الفم عند التثاؤب سنة والحركة للكظم مستحبة.

أحكام خروج الصوت أثناء التثاؤب وآداب قراءة القرآن

خروج الصوت بغير تعمد أثناء التثاؤب في الصلاة لا يؤثر على صحة الصلاة، بينما التعمد فيه قد يبطلها. يُستحب رد التثاؤب باليد والإمساك عن القراءة عند التثاؤب.

  • 28 جمادى الأولى 1443هـ - 01/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيما سبق إخواني في الله، في دروس الآداب، بعد الانتهاء من آداب العطاس، كان الانتقال إلى ذكر آداب التثاؤب، ومرت معنا العديد من المسائل، منها قوله عليه الصلاة والسلام: «التثاؤب من الشيطان»، وكان البيان لمعنى هذه العبارة التي قالها نبينا عليه الصلاة والسلام، وبعد ذلك كان في بيان الآداب التي ينبغي على كل متثائب ومتثائبة من فعلها وآدائها. ومما يُذكر كذلك من آداب التثاؤب، قال العلماء ما يتعلق بآداب التثاؤب في الصلاة، بآداب التثاؤب في الصلاة، وهنا تأتي مسائل عدة، أود أن أنبه وأنوه عليها في هذا المقام، أولاها وهي مسألة المهم الأولى في هذا الباب، وهي ما يتعلق بكراهة التثاؤب، وما يتعلق برد التثاؤب باليد، هل هذا حكم خاص للمصلي في صلاته، أم أنها عامة؟ المعلوم والمعروف عند كافة الناس، وهذا الذي جرى عليه العمل، على أن التثاؤب والتعامل معه عام، فالواحد منا إذا تثاؤب في بيته أو في عمله، فهو يحاول أن يرده ما استطاع، وإلا وضع يده على فمه، لأن من الفقهاء من يذكر عنه أنه يرى أن الكراهة إنما تتقيد في حال الصلاة فقط، في حال الصلاة فقط. والذي أودى بهم إلى هذا القول، أنهم رأوا في بعض روايات الحديث التقييد بالصلاة، كقوله عليه الصلاة والسلام: «التثاؤب في الصلاة من الشيطان»، وفي بعض الأحاديث: «إذا تثاؤب أحدكم في الصلاة فليرده ما استطاع»، فلما وجد جماعة من العلماء هذه الألفاظ، إذا حصروها في أمر الصلاة، ولهذا قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه، بعد إيراده لمثل هذه الأحاديث، قال: «وقد كره قوم من أهل العلم التثاؤب في الصلاة». لكن الصحيح في هذه المسألة، والذي عليه الجماهير من أهل العلم، إلى أن الكراهة تكون في الصلاة وفي خارج الصلاة، وأن المسلم عليه أن يكظم تثاؤبه ويرده ما استطاع بيده أو بثوبه في كل حال، في كل حال، في صلاته أو في خارج صلاته، وذلك لعدة أمور. الأمر الأول، قال العلماء: كثرة الروايات، أكثر الروايات التي وردت في السنة النبوية في هذا الخصوص، جاءت مطلقة من غير تقييد، فيبقى الحديث والحكم على إطلاقه، لأن الحكم على الأكثر والأغلب هذا أمر. والأمر الثاني، قال العلماء: أن الشرع قد بيّن العلة في كراهة التثاؤب، أنهم من الشيطان، وهذا الحكم عام، هذا حكم عام، التثاؤب من الشيطان، سواء كان في الصلاة فهو من الشيطان، أو كان خارج الصلاة فهو من الشيطان، أو كنت في بيتك أو كنت في محلك أو كنت في برك أو كنت في بحرك، فهو من الشيطان، من الشيطان، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وعلت التثاؤب أنها من الشيطان، فإذا الحكم عام، فالحكم عام. ولهذا كما قلنا، صرح العلماء على أن التثاؤب حكمه الكراهة، وينبغي أن يرد بكل ما تملك من قوة واستطاعة، هذا في كل حال، ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «سواء أكان التثاؤب في الصلاة أو خارجها، يستحب له وضع اليد على الفم في خارج الصلاة أو في داخلها»، فالحكم عام. وهكذا قال ابن العربي المالكي، فالنووي من أئمة الشافعية، وابن العربي من أئمة المالكية، قال رحمه الله تعالى: «وهكذا ينبغي كظم التثاؤب في كل حال»، وإنما خص الصلاة لأنه أولى، وهكذا ترجح ذلك الإمام العراقي، وهكذا الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في «فتح الباري»، وهكذا ابن عثيمين رحمه الله، وفتاوى كثير من العلماء، أنهم ذهبوا إلى أن التثاؤب مكروه في الصلاة وفي خارج الصلاة، وينبغي أن يكظم. وأيضًا حمل العلماء ما جاء في التقييد بأمر الصلاة، «التثاؤب في الصلاة من الشيطان»، قال العلماء: يحمل هذا الحديث على أن الأصل أن التثاؤب هو مكروه في كل الأوقات، لكنه أشد كراهة في الصلاة، وهذا المعنى صحيح، وهذا المعنى صحيح. فأنت تعلم يا عبد الله أن الشيطان حريص على ماذا؟ على أن يضيع عليك أجر الصلاة، يضيع عليك أجر الصلاة، مثاله الوسواس والخطرات والسرحان الذي نبتل به، لا شك أن الوسوسة هي معنى في كل آن، منذ أن نستيقظ إلى أن نرجع إلى فرشنا في آخر الليل، والشيطان يوسوس بالخطرات والهواجس في قلوبنا وفي صدورنا، لا ينفك ولا يكل ولا يمل، لكنه في وقت الصلاة يعمل بعمل إضافي، يزيد، يزيد. ولهذا تجد منا الذهول والغفلة في أثناء الصلاة، لا ندرك كم صلينا، ولا ندرك بماذا قرأنا، يزيد، يزيد، قال علماء، وهكذا التثاؤب، تجد أن الإنسان الشيطان يحاول أنه يوقعه في التثاؤب، تلاعب على كسله وخموله، لكنك تجد أنك إن صليت يزيد يزيد التثاؤب فيك. وأذكر فيما أذكر أن سؤالًا عرض على بعض المشايخ، وفيه يقول السائل: أني إن دخلت إلى الصلاة أجد نفسي أني أتثاؤب، حتى ذكر من نفسه عشر مرات في الفرض الواحد، يتثاؤب في الفرض الواحد عشر مرات، فإذا انتهى من صلاة يذهب هذا التثاؤب، فبين له الشيخ المفتي على أن هذا من الشيطان، فالشيطان حريص. فما جاء في هذه الأحاديث «التثاؤب في الصلاة من الشيطان»، قال العلماء: يُحمل على أن أشد ما يكون الكراهة في أثناء الصلاة، لأن الشيطان حريص على إبعادنا عن الخشوع والحضور والخضوع لمقام الصلاة والإقبال عليها. إذن هذه المسألة الأولى إخواني في الله، من أهم المسائل المتعلقة بهذا الباب، وهو ما يتعلق بأمر التثاؤب في الصلاة، أنها مكروهة، وحكمها حكم العموم، لكنها أشد كراهة في أثناء صلاتها، ولهذا يحرص المسلم على كظمه قدر المستطاع. كذلك من أحكام التثاؤب في الصلاة، هل التثاؤب يضر بصلاتنا إلى درجة البطلان ونحو ذلك؟ هنا عندي ثلاثة مسائل، يتحدث عنها العلماء، وهكذا يقع الإشكال عند بعض الناس، وهي علاقة التثاؤب وتأثيرها سلبًا على الصلاة. المسألة الأولى، ما يتعلق بمسألة تغطية الفم، العلماء يكرهون تغطية الفم في الصلاة، لأنه قد جاء في بعض أحاديث السنة، يحسنها جماعة من العلماء، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه، هذا مكروه في أثناء الصلاة، أنك تأتي مثلًا بلثام أو بعمامة تغطي الفم، أو تضع يدك وأنت تصلي، هذا مكروه. لأن هذا الحديث على صحته فيه أن النبي نهى أن يغطي الرجل فاه، إذن قالوا: وكيف إذا تثاؤبت في الصلاة؟ هل أغطي يدي على فمي؟ أليس هذا من الكراهة؟ قال علماء: لا، هذا ليس مكروهًا، بل هنا سنة، هنا سنة، فإن كانت تغطية الفم لغير علة ولغير سبب، هذا مكروه من مكروهات الصلاة، لكن إن كانت تغطية الفم لأجل رد التثاؤب، فهذا سنة، وهذا مستحب، إذن لا تأثير على الصلاة. المسألة الثانية من تأثير التثاؤب على الصلاة، ما يكون من أمر الحركة، طبعًا بعض الناس يعلم ويسمع من أحكام الفقهاء بأن الحركة في الصلاة مكروهة، فيقول: أنا الآن أصلي، إما على هيئة الركوع والقيام، فيأتيني التثاؤب، وأنتم تطلبون مني أن أمد يدي فأرفع اليد من محلها، ثم أجعلها على فمي، أو آتي بالثوب وأجعله على فمي، ثم أرده، ثم أرجع يدي، أليست هذه حركة؟ أليست هذه حركة في الصلاة؟ والصلاة مكروهة؟ العلماء قالوا في هذه المسألة: أن الحركة في الصلاة ليست على نسقٍ واحد، فمن الحركة ما تكون مكروهة، نعم، إن كانت من باب العبد، كحال رجل في صلاة وهو كل ساعة ينظر إلى ساعته، أو يلتفت، أو يلتفت، آه، من المكروهات في الصلاة، كما صرح بذلك العلماء، لأن حركات ليس لها داعٍ إلا العبث. وقد يكون من الحركات ما يؤدي إلى البطلان، وهي الحركات الكثيرة المتتابعة، وبعضهم جعل لها ضابط، وهو الذي يخرج المصلي عن ماهية الصلاة، يخرج المصلي عن حقيقتها، مصلي، فهذه حركات كثيرة متتابعة تبطل الصلاة. وهناك من الحركات ما هي مباحة، إن كان الإنسان مثلًا احتاج، كأنه يصلي، فسقطت العمامة على وجهه، فمسرع يعدل عمامته، لا بأس بهذا، هذا مما من أشياء المباحة. ومن الحركات في الصلاة ما هي مستحبة، والتي فيها إصلاح لصلاته، إصلاح لصلاته، كأن يتحرك مثلًا إلى سترته مثلًا، أو يبعد شيء يؤذيه في الصلاة، فهذه أشياء حركة، لكن مستحبة، فيها إصلاح الصلاة. ومن هذه الأشياء المستحبة، هذه الحركة التي تؤديها في كظم تثاؤبك، هذا من الحركات المستحبة، فليس لها علاقة بالبطلان، وليس لها علاقة بالتأثير بالسلب على أمر الصلاة. المسألة الثالثة من علاقة التثاؤب سلبًا على الصلاة، ما يتعلق بمسألة إخراج الصوت، تجد أن من الناس من إذا تثاؤب يخرج صوتًا، بل جاء هذا في الحديث، كما قال عليه الصلاة والسلام: «فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك منه الشيطان»، وفي رواية: «إذا قال: ها ها، ضحك منه الشيطان»، فها ها، هذه أصوات خرجت، أصوات تخرج من المتثائب في أثناء الصلاة. فهل هذه الأصوات التي تخرج من المصلي تبطل الصلاة؟ العلماء يذكرون إلى أن مسألة العطاس والتثاؤب للمصلي، مع أن فيها خروج أصوات، لكن قال العلماء: لكن هذا مما يغلب عليه، هذا مما يغلب على المصلي، فيهجم عليه هجوم، وهو يحاول أن يرده، لكن يغلب عليه، فهذا لا شيء في ذلك. لكن الإشكال إخواني في الله، نعم يقع في المتمادي الذي يتمادى، إذا عطس لربما تعمد أن يعطس، شوف، ثم يأتي بالشوف، يأتيه عمدًا، شوف في الصلاة، السالف وعاد اعتادها في عطاسه، أو أحد إذا التثاؤب يفتح فمه ويصدر أصوات، ليس ها، بل ها هات، يخرجها وهو قادر على كظمها، هنا الإشكال. فمن أهل العلم من حكم على صلاته بالبطلان، هذا المتمادي، انتبه لكلامي، هذا في حق العمد، المتعمد الذي يخرج أصوات لا داعي لها، لا في عطاسه ولا في تثاؤبه، هنا نعم، وإن كنا لا نتجاسر على الحكم بالصلاة بالبطلان، لكن ننقل لك أقوال جماعة من العلماء من يقول بهذا. ولهذا احرص يا عبد الله على عدم التساهل إذا ابتليت مثلًا بالتثاؤب أو هجم عليك العطاس، ففعل السنة في العطاس، تكظم صوتك، وفي التثاؤب ترده ما استطعت، فإن غلب عليك شيء فلا حرج، فلا حرج، لكن احرص على أنك لا تتمادى. كذلك مما يذكر من أحكام التثاؤب، وهي مسألة قد أشرنا إليها، وقد يسأل عنها بعض الناس، هل يكون رد التثاؤب باليد اليمنى أو باليد اليسرى؟ العلماء في ذلك تركوا المجال، لأن الحديث مطلق، قال عليه الصلاة والسلام: «فليضع يده على فيه»، فليضع يده، هل باليمنى؟ لا، هل باليسرى؟ لا، عليه الصلاة والسلام، فقال العلماء: الأمر في ذلك واسع. وإن كان من أهل العلم من يرى أن الأفضل أن يكون التثاؤب رده باليسرى، ومن أهل علم من فصل، كما ذكر ذلك السفاريني رحمه الله تعالى، أن من العلماء من يرى إذا تثاؤبت وأردت أن ترد التثاؤب باليد اليمنى، فليكن بالباطن، بالباطن، وإذا أردت أن تتثاؤب وترده باليسرى، فليكن بالظاهر، هكذا التفصيل، اليمنى بالباطن واليسرى بالظاهر. طبعًا لهم معنى في هذا الباب، لأن اليسرى محل نجاسات وأذى، فلا تجعلها على فمك، و إنما تجعل الظاهر على الفم، هكذا نقول، طبعًا ما عندي دليل قطعي على هذه المسألة، ولهذا نقول: الأمر في ذلك واسع جدًا، رد التثاؤب بما تستطيع، على رده باليمنى أو باليسرى. ابن عثيمين رحمه الله تعالى، نعم في بعض الفتاوى قال بهذا الأمر، بأن الأمر واسع جدًا، وفي بعض الفتاوى قال: وإن تمكن باليسرى فهو أولى، لماذا؟ قال: لأنها من الشيطان، إن تمكن باليسرى فهو أولى، قال: لأنها من الشيطان، لكن كما قلنا: ما عندي نص صريح صحيح في تحديد الجهة التي تغطى بها الفم، إما باليمنى أو اليسرى، فالأمر على ما تيسر. مسألة أخيرة كذلك متعلقة بآداب التثاؤب، قال علماء: من كان قارئًا للقرآن، قارئًا للقرآن، فأصابه التثاؤب، فعليه أن يمسك عن قراءة القرآن، هذا أدب عظيم، تجد الإخلال به عند بعض من يقرأ القرآن، كما قلنا: عندما تقبل على قراءة القرآن يهجم عليك الشيطان، فلربما أوصلك إلى حد التكاسل والخمول، فيظهر على إثر ذلك التثاؤب منك. فإذا تثاؤبت، فإنه مما ينبغي عليك يا عبد الله أنك تنشغل برد التثاؤب، إما بكظمه أو بوضع الشيء على الفم، ولا تكن في هذه الحالة قارئًا للقرآن، لأن قد تسمع من بعض الناس يقرأ القرآن ويتثاءب ويقرأ في الهواء، وهذا مما يكره، وقد كره ذلك السلف، كما نقل ذلك عن مجاهد، ونقل ذلك عن عكرمة، وعن جماعة من التابعين، أنهم كرهوا ذلك. ويلزمون القارئ أن يسكت، يسكت، انتهى من تثاؤبه، قال العلماء: لأنك عند القراءة في أثناء التثاؤب، أن هذا سيغير نظم القرآن، إضافة إلى إذهاب لبعض حروفه، إذهاب، وجرب أنت هذا، مثلًا، يعني ليس عمدًا، لكن تثاؤب مصطنع مثلًا، وانظر إلى تثاؤبك وأنت تقرأ، تجد الأحرف ضائعة، تقرأ والفك منفتح، ليس عندي مخارج، وليس عندي صفات، فأصبح الأحرف تخرج في الهواء، هذا إخلال في نظم القرآن، وأيضًا ضياع لحروفه. ولهذا من الأدب عند قراءة القرآن، إذا ابتليت بالتثاؤب، فانشغل برده، واسكت حتى تنتهي من التثاؤب، ثم استمر يا عبد الله في قراءة القرآن، هذه المسائل إخواني في الله، من أهم المسائل المتعلقة بمبحث التثاؤب. فبهذا إخواني في الله انتهينا من باب التثاؤب، وما يتعلق بمسائله، وقبل ذلك كان الانتهاء من أمر العطاس، وما يتعلق بأحكامه، فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.