الدرس في كتاب الرهن 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدرس يتناول أحكام العارية والوديعة، حيث يرى جمهور العلماء أنهما مستحبان. كما يتناول مسألة الضمان في العارية والوديعة، حيث لا ضمان في الوديعة، وفي العارية يكون الضمان عند الاشتراط أو التعدي والتفريط.
الغصب هو الاستيلاء على مال الغير بغير حق، وهو محرم ويأثم فاعله ويجب عليه رد ما أخذ. نهى الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل.
إذا زرع أو بنى شخص في أرض غيره بدون إذن، فليس له حق في الزرع أو البناء، ويتحول إلى صاحب الأرض، ويعوض عن نفقته فقط أو يعطى أجارًا بناءً على رغبة صاحب الأرض.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، أخذنا في الدرس الذي مضى الوديعة والعارية، وقلنا إن الوديعة والعارية هي من باب الأمانات التي يجب أن يؤديها من كانت عنده. الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وقال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾. ولهذا فخيانة الأمانة اعتبرت من الأخلاق الرديئة، وهي أيضا من أخلاق وصفات المنافقين كما جاء في حديث عبد الله بن عمر. فلهذا الواجب تأدية الأمانة والعارية. وكما ذكرنا أن جمهور العلماء في الوديعة والاستعارة يرون أنهما مستحبان، وهي من باب الفضل. وبعض العلماء يقول بالوجوب، وما جاء في حديث أبي مسعود «كنا نعد الماعون الدلو والقدر والفأس»، حملوا بقول الله عز وجل: ﴿ومنع الماعون﴾ على أنه لا بد أن الإنسان يعير غيره لينتفع به. ورجح ذلك أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على الوجوب. وأكثر العلماء على أنه مستحب وفضل، خاصة إذا علم عن الشخص عدم وفاء أو الوفاء، فهذا يعطى. وأما إذا علم عنه عدم المبالاة بأموال الناس وحقوقهم وما يستعيره، فهذا لو لم يعط فهو جائز. ومسألة الضمان، فصحيح أن الضمان كما ذكرنا لا يضمن لا المودع ولا أيضا المستعير. الأصل عدم الضمان، لما جاء بحديث صفوان أنه قال: «لا ضمان على مستعير إذا لم يشترط الضمان». وفي حديث أبي هريرة أيضا: «العارية مؤداة». فدل على أنه كما ذكرنا أن الصحيح في العارية أنه إذا اشترط الضمان يقع الضمان، وأما إذا لم يشترط فليس عليه ضمان إلا إذا تعدى وفرط. وأما الوديعة فهي لا ضمان فيها على كل حال، لا ضمان فيها بكل حال لأنها تكون من محسن، ما على المؤمنين من سبيل. فلهذا فالضمان كما قلنا يكون عند الاشتراط في العارية، وأما في الوديعة لا يضمن لو اشترط لأنه لا ضمان عليه. وهذا الضمان يكون عند التلف، ولا شك أن التلف الذي هو من طبيعة الشيء هذا لا يؤخذ عليه، حتى من يشترط الضمان. مثلا استعار ثوبا فبلي هذا الثوب عنده من مدة، أو استعار مثلا بيتا، قال له: أعطني هذا البيت أسكن فيه مدة، وهذا البيت منهار، فأعطاه إياه فسكن فيه فانهار هذا البيت، هذا أيضا لا ضمان فيه لأنه تلف بنفسه، لم يتعد ولم يفرط، وليس هو سبب في هذا الاتلاف أيضا. وذكر أيضا مسألة عدم جواز منع إطعام الفحل وحلب المواشي، وأيضا إعارته الدلو، هذا من حق الحيوانات. وهنا قوله: «إعارة الدلو» فيه دليل على من قال بوجوب هذه الأشياء، وهو الإعارة لمثل هذه الأشياء أنه يعيرها. لكن مسألة الأجل الصحيح الذي قرره شيخ الإسلام وغيره، وهو رواية عن أحمد، أنه إذا اشترط أجلا فلابد أن يفي بهذا الأجل. وأنه قال له: أخذ أريد قدرك عشرة أيام عندي زواج وعندي كذا، أريد عشرة أيام، فهنا لا يرجع المعير، لا يجوز له أن يرجع يقول: لا، خلاص، هذا حقي. لكن إذا لم يشترط أجلا، فيجوز أن يأخذ في أي وقت، لأنه يعتبر من باب التبرع، وهو من باب الجواز. العقود الجائزة يجوز للإنسان أن يرجع فيها ما لم يكن فيه ضرر على هذا الذي عقد معه. مثلا لأن عندنا إنسان استعار سيارة، قال له: أريد سيارتك أنقل فيها حمولة، أنا عندي حمولة سأنقلها إلى بيت، سأنقل أغطي السيارة سأنقل هذا الحمول فيها. فهنا إذا وضع الإنسان مثلا حموله في الطريق، ثم قال: خلاص، أريد سيارتي، هذا فيه ضرر على الإنسان المعير، سيخرج وسيبحث عن سيارة أخرى أو نقل آخر، هذا خطأ. لكن إذا كان مثلا يريد سيارته قبل أن يفعل هذا الشيء، قلنا: خلاص، أريد سيارتي، وأنا مشغول، ممكن. أما بعد أن يكون فيه ضرر على هذا المستعير، هذا لا يباح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الغصب، والغصب معناه أن يؤخذ غصبا قهرا وظلما. وعرفه كثير من أهل العلم أنه الاستيلاء على الشيء قهرا بغير حق. الاستيلاء على الشيء قهرا بغير حق، قهرا معناه بالقوة، وبغير حق لأنه قد يكون بحق. مثلا أخذ الإمام أو القاضي مال السفيه ويحجر عليه هذا بحق. أيضا أخذ مال اليتيم من وليه على اليتيم عنده مال اكتسبه مثلا، فيأخذه الولي بالقوة منه لأنه وليه، فهذا يعتبر قهرا لكنه بحق. فارادوا أن يخرجوا ما كان بحق، فالاستيلاء على حق الغير قهرا بغير حق هذا هو الغصب. وأيضا قهرا يخرج أشياء كثيرة من أخذ الأموال، يخرج السرقة، يخرج أيضا الاختلاس، يخرج النهبة، ويخرج غيرها من هذه الأشياء. قال: «يأثم الغاصب ويجب عليه رد ما أخذ». وقوله: «يأثم الغاصب ويجب عليه رد ما أخذ» لأنه من أخذ أموال الناس بالباطل، والله عز وجل قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. فنهى الله عز وجل أن يأكل بعضنا بعضا أموال غيره بالباطل، أي بغير حق. وهذا لا شك منه، وأيضا حديث «الظلم ظلمات»، الظلم كلها تتمثل في هذا، لأن هذا من الظلم. قال: «ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه». وهذا جاء حديث آخرجه البيهقي والدارقطني عن أنس، وفيه داود بن الزبرقال وهو متروك. وجاء من طريق أخرى من طريق عبد الله بن شبيب وهو أيضا ضعيف الحديث، والظاهر أن هذا الحديث لا يصح، وطرقه أكثرها ضعيفة جدا. وجاء له شواهد لكن أكثرها لا يصح، وبعض العلماء كالشيخ الألباني جعل هذه الشواهد تشهد أو يحسن بها الحديث، خاصة قوى العمل الألباني حديث حميد السعدي عند الحاكم والبيهقي. فلهذا حسن هذا الحديث. هذه الطريق أيضا لا تصح، لكن اعتمد عليها فيها ضعف، اعتمد على الطرق التي جاءت في هذا فصححه رحمه الله، وهو مجتهد. وجاء أيضا في حديث السائب بن يزيد قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا». وهذا أيضا الحديث لا بأس به، بل جاء في بعض أسانيده بإسناد صحيح، وإن كان فيه عنعنة ابن إسحاق، لكنه قد صرح في بعض الطرق. والمهم أن هذه المسألة لا خلاف فيها بين العلماء في تحريم الغصب وأنه من أكل أموال الناس بالباطل، ولا يجوز أخذ أموال الناس حتى ولو كان هازلا، إلا إذا كان بينهما تعارف وبينهما إذن، فهذا لا شيء فيه. إذا كان بينهما إذن كل واحد يأخذ من مال الآخر، وأذن كل واحد منهما أن يأخذ من مال الآخر. مثلا مثل ما جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل عند بعض الأنصار، فأقرها على هذا، فدل على أنه متى ما وجد الإذن فلا بأس بذلك. لكن لا يباح التعدي حتى لو كان وجد الإذن، قد يكون وجد الإذن في شيء معين، ليس معنى ذلك أنه يأخذ أشياء بغير إذنهم، قد يضر عليهم. على مثل مثلا أخذ هذه الأغنام، قد يكون عندهم تيس لأجل النسل، فيقوم يأخذ التيس ويذبحه، قد يكون ضرر عليه. فبعض الأشياء تحتاج إلى إذن إلا إذا كان الإذن عام، فإن شاء الله ما في شيء. قال رحمه الله: «وليس لعرق ظالم الحق». عرق ظالم معناه ليس لعرق ظالم أي ليس له في الظلم شيء من الحق، ليس له في الظلم شيء من الحق. وقد جاء عند أحمد وأبي داود وغيرهما عن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم ليس له من الزرع شيء وعليه نفقته». ليس له من الزرع شيء وله نفقته، وهذا الحديث بإسناد حسن، حسنه البخاري وغيره. وهذا الحديث أخذ العلماء منه أن من زرع في أرض القوم بغير إذنهم ليس له من الزرع شيء. هذا إذا كان زرع زرع أشجار ونخيل أو بنى بيتا وهو يعرف أن هذه الأرض ليست له، فجاء صاحب الأرض وطالب بارضه، فقال: أنا قد بنيت أو قد زرعت، فهل هنا يكسر ويأخذ الزرع؟ قال به بعض العلماء. وقال بعض العلماء كأحمد، وهو الراجح عند شيخ الإسلام ومن تبعه، أن هذا الحديث يقتضي أنه يقال له: ما ينبغي أن تكسر الأشجار، هذا فيه تلف للأموال، لكن يقوم هذا الزرع كم خسر فيه؟ ليس بيع، لكنه الخسارة التي خسرها في الزرع. مثلا كم دفع في البذور؟ كم دفع في حرث الأرض؟ كم فعل في هذا؟ يعطى هذه الخسارة التي خسرها، هذه النفقة التي يعطى هي ثمن الخسارة فقط، ويتحول الزرع إلى صاحب الأرض. تحول الزرع أو البناء إلى صاحب الأرض. مثلا بيت بنى بيت، يقال له: كم خسرت في هذا البيت؟ يقول مثلا مليون، مثلا فهنا يعطى المليون، هذا قد يكون هذا البيت قيمته أكثر من ثلاثة ملايين، لكن ما يعطى إلا ما خسره فقط، حتى عمل يده لا يعطى شيء لأنه ليس له حق، فيعطى نفقته والأشياء التي خسرها. وإذا كان مثلا اغتصب بيتا، مثلا اغتصب بيتا أخذه بالقوة وسكن فيه وهو يعلم أنه ليس له، أو أعطاه إياه السلطان. مثلا عندنا كان في أيام الحزب الاشتراكي كانوا يأخذون بيوت الناس بالقوة، أنت معك مثلا بيت آخر، خلاص يأخذون هذا البيت الآخر، أنت معك سكن خلاص هذا البيت الآخر يأخذون ويعطونك آخر. فهذا لو أجازه الدولة ما يجوز لهم أن يأخذوا لأن هذا حرام، ظلم، ليس له. فلهذا إذا كان أخذ بيتا آخر، فجاء بعد ذلك صاحب المال وقال: أريد بيتي، فهنا قال كثير من أهل العلم أنه يعطى بيته، ويعطى أيضا كذلك خسارة مثلا هذه السنوات، لأن البيت سنهدم أو سيكون ماؤه هادم أو أنه يكون قديما على سنوات مثلا، وهو ساكن فيه، فيعطيه قيمة الفرق. وكذلك أيضا يعطيه نفقة الإجار منذ أن سكنه إلى أن أعطاه إياه، مثلا عشر سنوات يحسب إيجار عشر سنوات، وهكذا لأنه تعدى على حق غيره، فهو ضامن في كل شيء، ضامن في كل شيء. ولهذا قال بعض العلماء: إذا كان مثلا إنسان معه زراعة، فصار مع الثمر قريبا سيحصل الثمر ويخرج الثمر من الأشجار، فجاء صاحب المزرعة أو صاحب الأرض فقال له: أنا أريد أرضي، وهو يعلم أنه أخذها منه عنوة وقوة، فهنا يقال له: اما مع بعض أهل العلم يقولون إذا كان وقت حصاد يجعله يحصد، ثم بعد ذلك يأخذ حقه. وبعضهم قال: يكون حقه بعد الحصاد لا قبله. وعنده أحمد وشيخ الإسلام وغيره أنه سواء كان قبل الحصاد أو بعده، لأنه حقه. هذا الثمر معناه إن كان يريده صاحب الأرض، تثمن الخسارة التي خسرها هذا الرجل، كم خسر حتى أثمرت هذه الأشجار؟ فإن كان مثلا قال: خلاص أنا ما أريد هذا الثمر، فقط أريد أجار، يعطى أيضا أجار لتلك السنوات.