الدرس في كتاب الرهن 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل حكم الشرع فيمن غرس شيئًا في أرض غيره بدون إذن، ويبين عدم جواز الانتفاع بالمغصوب لما ورد في ذلك من أدلة شرعية. كما يشرح عاقبة الظلم وأثره في الدنيا والآخرة.
يروي هذا الفصل قصة سعيد بن زيد مع المرأة التي ادعت عليه بأخذ أرضها، ودعا عليها بعد أن أكد على صحة موقفه بحديث رسول الله، واستجاب الله لدعائه. يبين هذا الفصل عاقبة الظلم وأهمية اللجوء إلى الله في رد المظالم.
يشرح هذا الفصل أحكام ضمان التالف، حيث يبين أن من أتلف شيئا ليس له فيه حق فإنه يضمن إما بالمثل إذا وجد أو بالقيمة إذا لم يوجد المثل. كما يستعرض آراء العلماء في هذا الشأن واستدلالاتهم بالأحاديث النبوية.
يتناول هذا الفصل حكم إعطاء القيمة بدلاً من المثل في حالة تعذر إعطاء المثل أو إذن صاحب الحق بذلك. يبين الأصل في رد الشيء المفقود وإعطاء المثل، والاستثناءات التي تطرأ على هذا الأصل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: ومن غرس في أرض غيره غرسا رفعه، ولا يحل الانتفاع بالمغصوب. أخذنا في الزرع والعقل كما قلنا في مسألة الغصب، أنه ليس لعرق ظالم حق، ليس له حق أبدا. لكن إذا كان هناك زرع أو كان بناء، فقول أكثر العلماء أنه يعطى قيمة البناء، معنى الخسارة التي خسرها في البناء يعطى هذه القيمة، لا يعطى شراء، لا يعطى قيمة شراء، وإنما يعطى ما خسره من المخاسير إن كان يعرفها، وإلا تقدر. يأتي مثلاً عنده خبرة في ذلك يقدر كم هذا سيكلف هذا البناء أو هذا الزرع، الأشجار والنخيل وكذا، فيعطى تلك القيمة، وليس له فائدة أبدا، ما يعطى فائدة لأنه اعتدى على حق غيره. وهنا ذكر إذا كان هناك غرس ليس زرعا، غرس معنى غرس غرسا، بداية الزراعة، فهنا قال العلماء أن من فعل ذلك يرجع إلى صاحب الأرض، يرجع إلى صاحب الأرض إن كان يريد الغرس يعطيه قيمة، وإلا إن كان لا يريده فالواجب أن يرفعه، يخرج هذا الغرس الذي غرسه. جاء في المسألة حديث، لكنه لا يصح، لكن يستدلون بحديث «ليس العرق ظالم الحق»، وإن كان أيضا هو مرسل، لكن استدل به العلماء على أن الظالم لا يحق، ليس له حق أصلاً. وجاء أيضا حديث من حديث عروة عن رجل أو عن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس أحدهما نخلاً في أرض في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها. ولكن أيضا فيه عن عينة بن سحاق، وإلا فالإسناد لا بأس به إلا هذا، فابن سحاق إذا لم يصرح لا يقبل العلماء حديثه. لكن كما قلنا أخذ العلماء بهذا على أن الظالم ليس له عرق حق أبدا، ليس له حق، يعني لا يستفيد من هذا الذي فعله لأن الحقية ليست له. فلهذا إذا كان قد غرس غرسا وأراد صاحب الأرض أن مثلاً أن لا يجعلها أرضا زراعية وإنما يريد أن يبني فيها، فيجب على صاحب الزرع أن يخرج زرعه، وإن كان بناء قد بناه، فقلنا الأول أن يعطى خسارة هذا البناء. لكن إن كان مثلاً لا زال مثلاً حجز أو كذا، فهذا ليس له حق فيخرج حجزه ويرفع حجاره وتأخذ هذه الأرض. ثم قال: ولا يحل الانتفاع بالمغصوب، لا يحل أن ينتفع بهذا المغصوب، لما ورد من أدلة في ذلك، ومنها تحريم أخذ أموال الناس بالباطل. ومن ذلك أيضا حديث عائشة في الصحيحين، وكذلك حديث سعيد بن زيد في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ظلم شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أراضين». من أخذ شبرا من الأرض ليس له فيه شيء، قال الله صلى الله عليه وسلم: «طوقه الله يوم القيامة من سبع أراضين». وقصة سعيد بن زيد مع أروى امرأة يقال لها أروى، ادعت أرضا لها عند سعيد بن زيد، وأوهمت أن سعيدا أخذ أرضا لها، فجاء مروان واستدعى سعيدا، استدعى سعيد بن زيد، فقال له: إن هذه المرأة ادعت أنك أخذت من أرضها. قال: أنا أخذ من أرضها بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخذ شبرا من أرض طوقه الله سبع أراضين». فقال مروان: والله لا أسألك حجة بعدها. أنا ما أريد إذا كان هذا عندك الحديث، ما سأسألك حجة، هذه بينة عظيمة، وهذا تعظيم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال مروان: والله لا أسألك حجة بعدها. فدعى سعيد على هذه المرأة التي ادعت، قال: إن كانت كاذبة فأطل عمرها وأعم بصرها واقتلها في أرضها. فاستجاب الله عز وجل لسعيد، هذا ليس حقدا عليها، لكن من باب فقط الزجر حتى لا يتعدى الناس على أهل الصلاح. ولهذا بعض العلماء يقول: أن الدعوات التي تكون على أهل الصلاح لا ينبغي للقضاء أن يستمع لها إذا لم تكن هناك بينات. يأتي سفيه من السفهاء ويدعي على رجل من أهل العلم أنه فعل كذا وأنه ظلمه وأنه أخذ أرضه أو أنه ابتنى في بيته أو غيرها من هذه الادعاءات، فإذا لم تكن هناك بينة معه فلا تسمع هذه الدعوة، ولا أيضا يؤتى بهذا الرجل الذي هو من أهل الصلاح يجرجر إلى المحاكم لأجل هذه الدعوة التي هي دعوة عارية عن الأدلة. فلهذا أراد سعيد رحمه الله تعالى أن يعاقب هذه المرأة التي تدعي مثل هذه الأمور، وهذا عبر أيضا لغيرها حتى لا يدعى على أناس من الصالحين مثل هذه الدعوات. فدعى عليها سعيد بن زيد، فاستجاب الله عز وجل له، فصارت هذه المرأة طال عمرها وعميت، وذات مرة كانت تمشي في هذه الأرض التي ادعت أنها لها، فسقطت في حفرة من حفرها. فلهذا فالظلم عاقبته وخيمة، فقال العلماء: أنه لا يحل الانتفاع بالمغصوب أبدا، لا يحل الانتفاع بالمغصوب، لا يجوز له أن ينتفع بشيء غصبه. فإن كان مثلاً أخذ بيتا وسكن فيه، فإنه يدفع إيجار هذا البيت منذ أن سكن فيه، لأنه انتفع بهذا البيت وهو ليس له حق في الانتفاع. فلهذا يؤخذ إيجار هذه السنوات التي جلس فيها في هذا البيت. وإن كان قد بنى أيضا لا ينتفع بشيء مما بناه، معنى لا يعطى قيمة البيت، وإنما يعطى قيمة البناء كما تقدم معنا. وإلا بعض العلماء يقول: أنه لا يعطى شيئا. والصحيح أنه يعطى ما قد أدخله في هذا البيت. قالوا: من أكلفه فعليه مثله أو قيمته. إذا أتلف شيئا مغصوبا سواء كان فرط أو لم يفرط، فهو عليه الغرم. لما جاء في البخاري عن أنس أن بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت مع خادم لها قصعة فيها طعام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أحد أزواجه، جاء في رواية أنها عائشة، فضربت بيدها هذه القصعة فكسرتها. وجاء في رواية: «إناء بإناء أو إناء كإناء وطعام كطعام». وأيضا جاء في رواية عند الترمذي صحيحة: «طعام بطعام وإناء بإناء». وفي البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كلوا». بعدما ضمها ودفع القصعة الصحيحة للرسول، أن أعطاه تلك المرأة وأخذ هذه القصعة، هذه القصعة الذي يشبع الخمسة، فأعطاه للمرأة التي جاءت بالطعام، وهذه القصعة المكسورة أعطاها لهذه المرأة التي كسرتها. وهذا يدل على أن من أتلف شيئا ليس له فيه حق فإنه يضمن، فإنه يضمن على كل حال. فإن كان له مثل فيضمن بالمثل، يأتي بمثله، إناء بإناء، وطعام بطعام. وإن كان ليس له مثل فيضمن بقيمته، يضمن قيمته. مثلاً ما عنده المثل، مثلاً كسر مثلاً شيء من زجاج البيت، دخل بيت شخص فكان في غضبه أخذ شيء من الزجاج وكسر، وهنا يأتي بمثل هذا، إن لم يجد مثله يأتي بقيمته، لكم اشترى هذا الشخص هذا الشيء يعطيه قيمته. فلهذا استدل جمهور العلماء على أن القيم يضمن بمثله، ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل. وبعض العلماء قال: لا بأس بالقيمة لحديث المصرّة. لكن يقال: الجمع بين هذه الأحاديث، حديث على أنه إن كان له مثل فلابد من المثل، يعطى مثله. مثلاً أخذ شاة ليس له، بعض الناس الآن عندنا تعودوا أنه إذا وجد شاة مريضة وكذا قاموا ذبحها وأعطاها المطعم وأكل، جاء أصحابه وأكل، ليس تأكل، قال: خلاص مريضة هذه بتموت، نحللها. هذا لا يجوز، ما لك حق أنت في هذه حتى لو ذبحتها، فهي ليست لك. فيظن بعضهم عن باب الجهل أنه متى ما ذبح هذه الذبيعة خلاص حلت له. أو مثلاً أحياناً يأتي سيارة تضرب مثلاً شيء من شيء وكذا، فتجد أنها على الموت، فيأتي وذبحها ويأخذها ويأكلها، هذا ما ليست لك حتى تأكلها. فلهذا إذا فعل مثل هذا الشخص فإنه يضمن، ولو قال: أنقذتها من الموت، ولو كان أنقذها من الموت، فهي ليست له، ينقذها، يذبحها مثلاً، لكن يعطيها صاحبها، يسأل عن صاحبها ويعطيها إياه، يعطيها ولو لحماً. فإن كان هو فاعل خير يذبح هذه البهيمة ويأتي باللحم ويسأل عن صاحبها ويعطيه لحمه، إن أهداه له بعد ذلك ما في شيء. أما أنه يأتي ويذبح ويأكل، فهذا ليس له حق. فلهذا من أتلف شيئا فإنه يضمن مثله، وإن كان ليس له مثل فإنه يضمن القيمة، يضمن القيمة. لو مثلاً أخذ شاتين أخذها سرقها وذبحها، ثم عرف أنه هو الذي سرق، فهل يدفع القيمة ويأتي بمثله، معنى على قول الشافعي وأحمد، وأيضا هو قول أبي حنيفة، على أنه لابد أن يأتي بالمثل ما دام المثل موجود، يأتي بالمثل، يعني يذهب ويشتري شاتين مثلها ويعطيه إياه. وعلى القول الآخر: لا بأس أنه يعطي القيمة، إن شاء أعطى المثل وإن شاء أعطى القيمة. لكن كما قلنا الأولى القول بأنه لابد من المثل إلا إذا تعذر، أو أن صاحب الحق يأذن بالقيمة، صاحب الحق يقول: خلاص اعطيني قيمة هذا الشيء ولا أريد مثلاً مثل. وإلا الأصل أنه يأتي بمثله. والله تعالى أعلم.