الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش الغلو في الأنبياء والصالحين ومذهب الحلول والاتحاد الذي انتشر بين بعض الطوائف الصوفية، ويبين ارتباطه باتباع غير الله. يشرح أن هذا المذهب أخذ من النصارى.
يشرح مفهوم شرك الطاعة ويربطه باتباع غير الله في تبديل الشرع، ويحذر من خطورة هذا الفعل. يستشهد بالآيات القرآنية التي تنهى عن اتباع غير الله.
يحذر من اتباع أولياء الشياطين والغلو في الدين، ويشير إلى مخالفات التصوف للسنة مثل لبس الخرق والثياب الرثة. يبين أن هذه الممارسات مبتدعة ومستمدة من الرهبانية النصرانية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بعدما ذكر بعض المسائل التي كانت عند أهل الكتاب وتابعهم بعض المسلمين أو بعض من ينتسب للإسلام، وذكر من ذلك الغلو في الأنبياء والصالحين، قال: ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضلال المتعبدين والمتصوفة، حتى خالط كثير منهم من مذهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى، ومثله أو دونه. مذهب الحلول المراد به أن الله عز وجل حل في المذهب العام أن الله عز وجل حل في كل شيء، والمذهب الخاص على أنه حل في الصالحين أو في أوليائه. والاتحاد المراد به أنه يصير العبد ربا، كما كان يقول بعض الملحدين. وبعض هؤلاء أهل حلول الاتحاد هو ابن عربي: "العبد رب والرب عبد، يا ليت شعري من المكلف". وقال: "حدّهم، وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، وما الله إلا راهب في الكنيسة". هذا تعالى الله عز وجل عن قولهم. كما قال الإمام البخاري رحمه الله في "خلق أفعال العباد": "إنا نستطيع أن نحكي قول اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي قول الجهمية". وهذا من أقوال الجهمية التي أخذها بعد ذلك بعض الباطنية وتشبث فيها من تسموا بالصوفية كالحلاج وابن عربي وابن السبعين وابن الفارض وغيرهم من هؤلاء الضلال، كانوا يقولون بالحلول والاتحاد. وهذه عقيدة من عقائد النصارى، وهي أصلها الغلو في الصالحين والأنبياء. قال الله عز وجل: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم﴾. اتخذوهم آلهة، والرب هنا اتخذوهم أربابا، فالرب هو الذي يربي على شيء. فاتخذوا هؤلاء الرهبان أربابا، أي أنهم هم المنعمون عليهم، وهم الذين يستحقون الطاعة؛ لأن الرب هو الذي يستحق الطاعة. فلهذا اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم. وهذه طاعة عمياء وغلو حتى صاروا مثل الأرباب، وهذا اتخاذ الرب من دون الله عز وجل هو شرك في الطاعة، شرك في الطاعة. ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن طعتموهم إنكم لمشركون، وإن طعتموهم إنكم لمشركون. فهذا هنا شرك الطاعة كما ذكره الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله. وشرك الطاعة هذا خلط فيه كثير من المعاصرين، خاصة قطبية سرورية، فإنهم خلطوا في هذا الشرك، ظنوا أن هذا شرك مجرد اتباع، فجعلوا اتباع الحكام أو اتباع العلماء جعلوه شركا بالله معنى مجرد اتباع. وهذا باطل، وهذا هو مذهب الخوارج. وإنما المراد بشرك الطاعة هو اتباع في تحليل ما حرم الله، وطاعتهم في تحليل ما حرم الله. فالاتباع في هذا فهو اتباع في تبديل الشرع، واتباع كذلك في من حرم ويحلل على خلاف الشرع، فكأنهم اتخذوهم آلهة. وأما الاتباع المجرد بدون الاعتقاد فهذا لا يدخل في هذا الباب. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. هذه الآية نزلت لما قال المشركون لبعض المسلمين: كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ يعني: كيف تأكلون الميتة والله هو الذي أمات، وأنتم الذين تذبحونه تأكلون. وضعوا شبهة على بعض المسلمين حتى تأثر بعض المسلمين بهذا. فذكر الله عز وجل لهم أن تلك الميتة لم يذكر اسم الله عز وجل عليها، لكن هذه ذكر اسم الله. ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم﴾ أي: في تحليل الميتة، ﴿وإن أطعتموهم في تحليل الميتة﴾ فالمراد أن أطعتموهم في تحليل الحرام. ولهذا جاء في حديث عدي -وإن كان فيه ضعف- لكن هو يبين المعنى: "ألم تحل لكم ما حرم عليكم فأطعتموهم، وحرموا عليكم ما حل لكم فاتبعتموهم؟" قال: "بلى". قال: "فتلك عبادتهم إياهم". لأن عدي استنكر كيف "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم"، "وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا". فقال عدي: "ما عبدناهم". فذكر له هذا. وكثير من أتباع المتعبدين يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمر به، وإن تضمن تحليل حرام أو تحريم حلال. فهذا يحصل في بعض طوائف الصوفية وغيرهم، فيجعل وليه أو هذا الصالح الذي يعتقد فيه كأنه إله، فهو يعمل الحرام ويحلله لنفسه أو لغيره. قال سبحانه عن الضالين: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله﴾. أيضا هذه الآية هي من الغلو. "ورهبانية ابتدعوها" أي ابتدعوا رهبانية لم تكن، لم يأمرهم الله عز وجل بها. وقد جاء عن ابن عباس وعن غيره قصص في هذه الرهبانية كيف حصلت. وهل حصلت بتعمد أو ليس بتعمد من بعض النصارى؟ والمهم أن هذا الشيء لم يكن، لم يشرعه الله عز وجل لهم، لم يأمرهم أن يتعبدوا بعيدا عن الناس، فحصل هذا منهم. وفوق هذا أنهم لم يهتموا بها، ولم يعملوها على ما أرادوا: "رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها". قال شيخ الإسلام: قد ابتلي طوائف من المسلمين من الرهبانية المبتدعة بما الله به عليم. تعبد على خلاف السنة، وتجد الواحد يأتي بأشياء ليست من العبادة أصلا، مثل أنه يمشي في المزابل كما يفعل بعضهم للتصوف، أو يجلس فيها، أو يلبس الخرق، أو يلبس الثياب الرثة، أو غيرها من هذه الأشياء التي فعلها بعضهم للتصوف، وهي ليست من دين الله عز وجل، وإنما هي من الرهبانية التي ابتدعها النصارى.