الدرس في آداب الكلام والخطاب 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع آداب الكلام وخاصة حديث التناجي، ويحرم التناجي إذا ترتب عليه إخراج أحد من المجلس. يستدل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري.
نهى الإسلام عن التناجي في مجلس فيه ثلاثة أشخاص، ويجب تغيير اللهجة إلى لغة يفهمها الجميع أو استدعاء رابع. كما أن من آداب الحوار عدم نشر الأسرار والمجالس محفوفة بالأمانة.
يجب حفظ الأسرار التي تؤخذ عليها العهود والمواثيق وعدم إفشائها لأي أحد لأن كشفها يعتبر خيانة. هناك إشارات تدل على أن الحديث سر يجب حفظه.
المقطع يشير إلى الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه ويختم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر الختام أهمية الصلاة على النبي في الإسلام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازال في هذا المقام في ذكر آداب الكلام وما يتعلق بآداب التخاطب والحوار، ومضى معنا في درس أمس من تلكم الآداب عدم مقاطعة الحديث، وهكذا ما كان من البدء بالسلام قبل الكلام، وهكذا قبل السؤال. ومما يذكر كذلك من آداب الكلام والحديث عدم التناجي، عدم التناجي في الحديث. والتناجي كما يقول العلماء هو في الأصل الصوت الخفي أو التحدث سرًا، هذا هو أصل التناجي والنجوى، وعكسه المناداة، وهو الخطاب بصوت مرتفع. ومما جاءت به الأدلة في مسألة التناجي أن لا يتناجى اثنان دون الثالث، هذا لا يجوز في آداب الحديث والخطاب والمجالسة مع الآخرين. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في صحيح البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، فإن ذلك يحزنه». وقد كان قديمًا في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان أهل النفاق يتعمدون التناجي، مثلاً في مجلس كان فيه أخلاط من أهل النفاق مع أهل الإيمان، فربما تسار أهل النفاق الحديث فيما بينهم وتركوا رجلاً مؤمنًا لوحده على حدة، فهم يتحدثون سرًا، فحينها يقع في قلب هذا المؤمن الهواجس: «عن ماذا يتحدثون؟ هؤلاء يكيدون، يستهزئون، يخططون»، فلا يزال المؤمن في ريب في موضوع التناجي الذي يقوم به أهل النفاق. ولهذا حرم ربنا سبحانه وتعالى هذا النوع من التناجي، سبحانه وتعالى قال: ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً﴾. وهنا تأتي مسائل، أولى هذه المسائل: هل التناجي يكون محرمًا دائمًا وأبدًا؟ وإنما يكون هذا في الصدر الأول عندما ظهرت شائبة النفاق؟ نعم، ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التناجي إنما كان محرمًا لأمر المنافقين، لكن بعد ذلك لا بأس أن تأخذ صاحبك على جنب فتتحدث دون الثالث، ليس في هذا غضاضة، هذا قال به جماعة من أهل العلم. إلا أن جماهير العلماء على التحريم، وأن التناجي محرمًا دائمًا وأبدًا في كل زمان وفي كل مكان، وهذا هو الصحيح، والذي أطبق عليه أهل العلم. لماذا؟ لأن العلم موجودة لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن ذلك يحزنه». وأنت تخيل يا عبد الله في مجلس، فإذا بجماعة من الناس يتناجون فيما بينهم وتركت وحيدًا، تأتيك الهواجس، إن لم تأتيك الهواجس والخطرات، فلا أقل أن يأتيك انكسار. لماذا ما أدخلت معهم؟ أنت وحيد في المكان، هم ستة، سبعة، أربعة، وأنت الوحيد. لماذا ما أدخلت معهم؟ تبقى في نفسك حزازية، فيدخل حزن، فهذه علّة موجودة في كل مجلس، ولهذا منع على القول الصحيح، فالتناجي محرم دائمًا وأبدًا. المسألة الثانية في مسألة التناجاة، إخواني في الله، ما يكون من معرفة الضابط المحرم، وهو أن يبقى أحد من الناس منفردًا، هذا الضابط. فإذا وجدنا مجلسًا أو لقاء عبارة عن ثلاثة أشخاص، أربعة أشخاص، خمسة أشخاص مثلاً، ثم قام البقية يتحدثون سرًا وأخرجوا أحدهم، هذه مناجاة محرمة. يقول: هذا لا يجد فعلكم هذا طيب. لو قيل أن في المجلس عشرة أشخاص قد اجتمعوا، فإذا بالتسعة قد تناجوا بكلام سري فيما بينهم، أبقوا العاشر لوحده، هل هذا يجوز؟ هذا محرم، لا يجوز، لأن هذا هو الضابط: التناجي أن تبقي في المجلس فردًا لا يدخل معكم في الحديث، هذا لا يجوز. المسألة الثالثة: ما لو قيل أن الذي خرج عن المجلس ليس بواحد، وإنما اثنين أو ثلاثة، هل هذا يضر؟ الجواب: هذا لا يضر. مثاله: لو كنا أربعة فقام اثنان وتناجيا فيما بينهم بكلام سري وبقي اثنان، هل هذا يضر؟ هذا لا يضر. نرجع المثال السابق: عشرة في المجلس، فثمان جلسوا فيما بينهم يتحدثون بموضوع يتعلق بهم وخرج من المجلس اثنان، ما دخلا معهم؟ هل هذا يضر؟ هذا لا يضر، لأن هذا معه صاحبه يتحدثان بما شاء، فهذا لا يضر. إذن ضابط التناجي هو إخراج رجل من المجلس أو اللقاء أو الكلام، يبقى لوحده، هذا لا يجوز، لأن هذا مدعاة لحزنه، مدعاة لحزنه. كذلك من المسائل التي يذكرها العلماء في مسألة التناجي: ما لو أن الكلام الذي يدار في المقام وفي المجلس عبارة عن كلام علني بصوت مرتفع، لكن بلغة غير مفهومة عند الثالث. لو أن ثلاثة في مجلس، ما يتحدثون الاثنان يتحدثان باللغة الإنجليزية، باللغة الفرنسية، باللغة الإرتيرية، بأي لغة؟ الثالث ما يفهم شيء، طبعًا هم الذين يتحدثان باللغة الإنجليزية ليسوا بسر، إنما كلام علني بالرطانة الأعجمية، وهو يسمع الكلمات، يسمع الأحرف تخرج، لكن ما يفهم ما يستوعب هذا الكلام، وهو ينظر إلى هذا وهذا يرد وهذا يضحك وهذا يبتسم وهذا ينظر حركات الوجوه، هل هذا يضره؟ نعم، هذا يضره، هذا من التناجي. فلو أن الثالث جلس بين الاثنين وهم يتحدثان بصوت مرتفع إلا أنه بكلام غير مفهوم، هذا لا يجوز. إذن ما الواجب؟ الواجب أن يغيروا اللهجة. فهذا قد نجدها في بعض المجالس، طبعًا ليس عندنا هنا اللغة إنجليزية أو فرنسية، بل عندنا هنا لغة مثل مهرية أو سوقطرية، تجد يتحدثون، تغير اللغة عن العربية، فأنت في المجلس تنظر إلى هذا يتحدث وهذا يتحدث، ولهذا ما تفهم شيء، هذا لا يجوز. أنا ما أفهم شيء، ولهذا ينبغي أن يعدلوا من اللغة فيتحدثوا باللغة العربية حتى لا يقع هذا الحزن. وهذا الذي يذكره العلماء من صور التناجي. المسألة الخامسة في هذا الباب: ما لو أن من في المجلس أراد أن يتحدثوا سرًا، لكن الحديث سيوقعهم في التناجي، كما قلنا: ثلاثة في مجلس، ثم تذكر أحدهم أمرًا يريد أن يسر به لأحدهم، طبعًا إذا أسر به سيبقى ثالث من غير صاحب، سيكون تناجي، وأنت محتاج للحديث ولا تريد أن تقع في النهي، فكيف العمل؟ من الطرق التي تبعد عنك صورة التناجي المحرم ما فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه، كما جاء ذلك في موطأ إمام مالك، أن ابن عمر كان مع رجل، فجاءه آخر مباشر إليه يريد بكلام خاص، ابن عمر عرف أنه إذا أخذه سيكون هذا لوحده، سيكون تناجي، فماذا فعل ابن عمر؟ قد تفطن لهذه المسألة، قام واستدعى شخصًا رابعًا: «تعال يا فلان»، أتى به، ما الذي يريده؟ يجلس مع فلان وتأخر، وأمره بالتأخر، ثم أتى بصاحبه وتكلم معه، فهذا من فقه ابن عمر رضي الله تعالى عنه، استدعى الرابع حتى لا يقع في التناجي. كما مثل أنت في مجلس مع أحدهم، فجاء أحد يسر لك بسر، فتختلط بالناس، ولهذا جاء في البخاري قال: «حتى تختلطوا بالناس، فيزول الوحشة للثالث». فهذا مما يذكر حتى تزال مسألة الوحشة في الثالث، أنك تستدعي رابعًا أو أنك تدخل في مجلس عام حتى تبعد هذه المسألة. بقي سؤال: إذا لم يكن هناك أحد، هذا كما يقول: فعل ابن عمر، في مكان يمكن أن ينادي هنا، أو أنت في مجلس عام، أو أنت في السوق. طيب ما لو كنت في مجلس، ما عندك أحد، ما أنتم إلا الثلاثة، ما يمكن أن تنتظر أحد أو تفتح النافذة أو تريد أحد، كل من هب ودب تنادي، ما يمكنك، فما هو العمل؟ ذكر الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى فائدة في هذا المقام: أنه إن كان ولابد إن كان ولابد من هذا الكلام بينك وبين صاحبك على حساب أن تترك الثالث، قال هنا لا بد من الاستئذان، أنك تستأذن من الثالث. فقال رحمه الله تعالى: «فإنهما يستأذنانه منه، يقولان: أتأذن لنا أن نتكلم؟». هذا نهاية المطاف. والأخ في موضوعنا وصاحبي يتعلق بسيارة، يتعلق بهذا، يتعلق بأمر، فيخبره ويستأذنه. فإن أذن لهم، هذا حقه، ولا يوقع في أمره شيء، لا حزن ولا هم ولا غم. وإن قال: «لا»، أخوان، رجعا، لا تفتح هذا، وهذا ليس بطيب، قال: «زاكر الله أمر عادي»، ولا ينبغي أن تستوحش النفوس لمثل هذه التعاملات، هذا أخوان في الله. من أهم المسائل المتعلقة بمسألة التناجي من آداب الحوار والخطاب والكلام: عدم نشر الأسرار، هذا كذلك أدب منفصل، وتحته صور كثيرة. وإنما ستطرق إلى بعض مسائله، والبعض الآخر سيترك إن شاء الله في درس غد. وإنما أشير إلى مسألة وهي من أهم مسائل الكلام: عدم كشف الأسرار. الأصل أن الكلام إذا وجه إلى متكلم، فإن هذا الكلام يتعلق به، يوجه إلى متكلم فيتعلق به، وما يخرج. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «المجالس بالأمانة»، بمعنى محفوفة بالأمانة، تحفها الأمانة، بمعنى الكتمان وعدم النشر والإخبار للغير. فيبقى هذا المجلس ينطلق على بعض، إن لك هناك قرينة تدل على أن الكلام عادي، مثل أن تتكلم في صوت مرتفع أو كلام في شارع عام، فهذا يدل على أن من أحب أن يدخل يدخل ويستمع لحديثي مع صاحبي، الأمر في ذلك لا يضر. الأصل أن كما قلنا الكلام إذا لقن وذكر عند أحد من الناس أن يبقى بيني وبينه. فما ظنك إذا كان هذا الكلام أخذت عليه العهود والمواثيق، كمن يقول: «يا أخي، عندي موضوع، رجاء بيني وبينك»، أو «هذا موضوع لا أريد أحد أن يتعرف عليه، أريد منك وعد أنك ما تخبر أحد». فتجد في بعض الأحاديث التي هي بالغة في السرية بمسائل الخاصة وغير ذلك، يؤخذ على أصحابها العهود والمواثيق على ضرورة الكتم، هذا ما حاله؟ هذا واجب، هذا واجب أن تحفظ، واجب أن تحفظ، ولا تخرج لأي أحد. ومن فرط في هذا الباب فهو قد وقع في صفة من صفات أهل النفاق، وإذا وعد أخلف، هذا من الوعد الذي قطعته على نفسك يا أيها المستمع بأنك لن تخبر به أحد، ثم بك الآن تخبر فلانًا وفلانًا، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز، هذا محرم. وانبني على فائدة أخرى متعلقة بهذا المبحث، ألا وهو ليس من شرط الكتمان وحفظ الأسرار أن صاحبه يأخذ عليك العهود والمواثيق، هذا ليس من الشرط. بل لو وجدت إشارات وأمارات تدل على أن المتكلم يريد بهذا الخبر لك وحدك فقط، هذا يعامل على أنه سر، يعامل على أنه سر. والقرائن كثيرة، مثاله: ما لو أن رجلاً أتى إليك وأنت في مجلس، فإذا به يأخذ بيدك يجرك جرًا إلى زاوية، ما الذي تفهم من هذا الكلام؟ تفهم أن هذا الرجل عنده حديث ما يريد أحد يسمعه. إذن اجعل في بالك أن هذا سر، أو في مجلس مع أصحابك ورأيت رجلاً في الطرف جالس وهو منتظر، منتظر أن الناس يذهبون أو الناس ينصرفون عنك، ثم يأتيك لوحده، ما الذي تفهم؟ تفهم أن هذا الرجل أراد الكلام لك وحدك، بدليل أنه ما تأخر، ما أراد أحد أن يسمع الحديث الذي سيدار بينكما. أو كذلك من لربما إذا جلس يتحدث يلتفت: «يا أخي، معي موضوع»، لماذا يلتفت؟ يعني يقول: «هل أحد بالقرب؟ هل أحد ورائي؟ هل أحد يتنصت لهذا الحديث؟». يتنصت لهذا الحديث، فهذا إخواني في الله أمارات تدل على أن الرجل يريد من هذا الخبر لك وحدك، فهو أمانة وسر. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا حدث الرجل بحديث فالتفت فهي أمانة». إذا حدث الرجل بحديث فالتفت فهي أمانة، هذه أمانة يا عبد الله. لهذا قرر العلماء على أن كشف الأسرار خيانة، كشف الأسرار خيانة. وللأسف إخواني في الله، من تأمل في أحوال الناس من المسلمين والمسلمات، تجد أن الكثير إلا من رحم ربي من فرط في هذا الأدب. كم كان هذا سببًا في قطع الصداقة والعداوة بين الأهل والأقارب والأرحام والأصحاب والزملاء؟ لو ربما أنت تثق برجل، يأتيك هو يأتيك يسألك عن فلان، تقول: «يا أخي، ما...». فيقول: «لأخي رجاء، أخبرني اشتعف عن فلان»، هذا يتقدم عندنا يتزوج، أو هذا رجل يريد يشتري سيارة، أو سيدخل معه في شراكة، أو هذا كذا أو كذا، يأتيك بأمور ويطلب منك استشارة، وأنت ستتكلم حينها بما فيه النصح، مع أنك ما تريده أن يسمع ذاك ما تريد أن يسمع هذا الكلام منك، فتعطي هذا سر أخي، سمع إن كنت ولا بد، فالرجل فيه أشياء عليها هكذا، ذاك الله كن على حرص، قل: «ها أبشر»، فإذا به يأخذ هذه الكلمة ومباشرة: «تعال فلان، صاحبك هذا يتحدث عنك»، سبحان الله، والله كم شهدنا وعلمنا وقد تعلمون بهذا، هتكت البيوت وطلقت النساء ويتم الأطفال وقطعت وهدمت بيوت من أجل هذه الأسرار التي هتكت وهتكت وفضح ونشر أمرها. كم من سر كان بالأمس خلف الجدران، ما جاء عليه الليل والجديد إلا قد تحدث به الأطفال والرجال والنساء؟ كيف عرفتم؟ قالوا: «فلان أخبرنا». هذا ما يجوز يا عبد الله. فالله الله إخواني في الله في هذا الباب في حفظ الأسرار، وخاص من أخذ عليك العهود والمواثيق، إما نصًا وإما بإمارات وإشارات، كأن يخفيك ويعلمك بأن هذا الأمر لا أحد يعلم إلا أنت، أو تجد من تصرفاته أنهما أرادوا إلا لك وحدك، فهذه الأسرار ينبغي أن تحفظ. وهذا يجرنا إخواني في الله إلى مسألة أخرى، إلى بعض الأسرار التي هي أشد في الحفظ. وقد جاءت السنة تبين أن هناك من الأسرار ما هو أشد من الآخر. وهذا سيأتي معنا إن شاء الله في درس غد. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.