الدرس في آداب الكلام والخطاب 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ينبغي للمسلم أن يبدأ بالسلام قبل الكلام والحوار، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإجابة لمن يبدأ بالكلام قبل السلام. أمر بإفشاء السلام لتحقيق الأمن والطمأنينة بين الناس.
يتناول المقطع آداب الكلام والحوار، مشيرًا إلى أهمية بدء الحديث بالسلام وعدم مقاطعة الآخرين. يُستدل من الحديث النبوي الشريف ومن أقوال الصحابة على ضرورة انتظار الإذن قبل المشاركة في الحديث.
يشرح المقطع آداب الكلام، مؤكدًا على عدم مقاطعة المتحدث وضرورة الاستماع حتى ينتهي. يُظهر المقطع أهمية احترام المتحدث في المجلس، خاصة إذا كان ذا مقام أو علم.
يختم المتحدث بالتأكيد على أهمية آداب الكلام وعدم مقاطعة الآخرين إلا إذا كان في ذلك منفعة أعظم، ثم يدعو الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من آداب الكلام والخطاب والحوار الذي ينبغي أن يتأدب به المسلمون ما يكون من البداءة بالسلام قبل الكلام. وهذه سنة غفل عنها الكثير من الناس، أحيانًا تجد أن أحدًا إذا بدأ بخطابه وكلامه أهمل السلام، إما بحجة أنه مستعجل، فيرى أن التعجل حجة في إسقاط مشروعية السلام، فلا يسلم، يدخل مباشرة إلى الحاضرين ويخوض في الموضوع، هذا بحجة الاستعجال. أو منهم من لا يرفع رأسًا بشعيرة السلام استخفافًا بحقها وفضلها. وقد مرت معنا في دروس سابقة ماضية حول السلام وما يتعلق بفضائله، فهي من فضائل الأعمال، بل هي من محاسن الإسلام. ومنهم من لربما يترك السلام بحجة عليلة، إذ يرى أن هذه كلفة بين الإخوة وكلفة بين الأحبة، يقول: ما بيني وبين أخي وبين صاحبي ما يحتاج إلى السلام، السلام نجعله مع الغربة. لها تجد مثلًا الأصحاب والزملاء والأصدقاء في تجمعاتهم، إذا جاء إلى صاحبه وانك يا رجال كيف حالك، يدخل مباشرة. وأين السلام؟ يرمي يقول: يا أخواني أصحابي، فيرى أن السلام شيء من الكلفة والحاجز بين الأحبة. ولهذا ما ينبغي؛ إنما السلام للغريب. وهكذا إخواني في الله، تجد أعذارًا شتى يتعذر بها جماعات من الناس بحجة أنهم يبدؤون الكلام قبل السلام، وكل ذلك إهمال لهذه السنة النبوية. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه». قال عليه الصلاة والسلام: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه»، ما يجاب ولا يسترسل معه في الحديث. فمن دخل عليك رجل وقال... علماء: «من بدأكم بالكلام قبل السلام»، قال: سواء هذا البدء عند اللقاء أو عند الدخول، كأن يلقاك في طريق أو يدخل عليك في مجلسك، هذا أو هذا، فمن بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه، لا تسترسل معه، وإنما عليك أن تذكر، قل: يا أخي سلم، سلم رعاك الله، أو بملحظ خفي، قل: يا أخي سلمت، فما سمعتك. والله يغفر لنا، قد يكون ناسيًا، صحيح. بعض الناس لربما عنده خبر يعني عاجل كما يسمى، فينسيه السلام، فنبه، قل: يا أخي هل سلمت؟ ما سمعتك السلام، آسف، سلام عليكم، ثم استرسل معه في الحوار. فهذه السنة قال عليه الصلاة والسلام: «من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه»، جاء من حديث ابن عمر، وقد أورده الشيخ الألباني في صحيح الجامع. ومثله كذلك في باب السؤال والطلب، أحيانًا كذلك يأتي إنسان لحاجة يطلب طلبًا، يسأل سؤالًا، مثل يبحث عن متاعه فيسأل، ويرى أن السؤال لا يدخل في حكم الكلام، لا السؤال من الكلام. فإذا أردت أن تسأل قبل السؤال سلم، وهذا جاء في رواية أخرى أيضًا عن ابن عمر، وحسنها الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع، قال عليه الصلاة والسلام: «السلام قبل السؤال»، السلام قبل السؤال، قال: «فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه»، يعني مثلًا: يا أخي أحد منكم رأى المفاتيح؟ قال: أخي سلم، سلام عليكم، ثم اسأل، اسأل عن متاعك، عن مفاتيحك، عن أغراضك، عن دراجتك، اسأل عن السؤال الذي تريد. هل منكم رأى فلان؟ قال: أخي سلم، والسلام. إخوانًا في الله، من شعائر الإسلام التي ينبغي أن تنتشر، ولهذا أمر نبيه بإفشاء السلام. فتخيلوا أن الناس أقاموا هذه السنة، قبل الكلام، قبل المحادثة، قبل الحوار، قبل الطلب، قبل السؤال، الكل يسلم، لحينها عم الأمن؛ لأن السلام أمان، وهذه من الحكم. لأن عندما تسلم السلام عليكم، كأنك تخبر الغير بأنك في أمان، ما سيأتي مني إلا السلامة، السلام عليكم أي الأمان عليكم، ما مني غدر، ما مني خيانة، هذا أمان لأهل الإسلام، ثم اشرع يا عبد الله بالذي تريد أن تتحدث فيه. إذن من آداب الكلام إخواني في الله أنه يسبق بالسلام. كذلك من آداب الكلام والخطاب والحوار عدم مقاطعة الحديث، عدم مقاطعة الحديث، هذا أدب من آداب الكلام والخطاب. أحيانًا تجد أن مجلسًا من المجالس أو أن شخصين أو أشخاص يتحدثون ويتداولون الكلام في أمر ما، فليس من الأدب، وهذا يتعلق بأدب الكلام، ليس من الأدب أنك تدخل بينهما ثم تقاطع الحديث وتريد أن تتكلم، أنت من أين جئت؟ من أين جئت يا عبد الله؟ حتى تقطع على الناس حديثهم، هذا لا يجوز، هذا ليس من الأدب. وإنما الأدب أنك تأتي، فإذا رأيتم أنهم خاضوا تنتظر حتى يؤذن لك بالكلام. ولهذا جاء في صحيح البخاري من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أنه كان يوصي أحد أتباعه وطلابه قائلًا: «ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم»، أي تدخل بينهم ثم تحدث أنت بحديثك مقاطعًا لحديثهم. قال: «ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم»، ولكن أنصت، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وهم يشتهون أي يشتهون كلامك، إذا أذنوا لك، إذن هذا هو السنة الذي أشار إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه. فأنت يا عبد الله تأتي إلى أناس يتحدثون، إذا دخلت وأردت أن تتكلم معهم انتظر حتى يؤذن لك، حتى يأتيك الدور، أو ينتهوا من كلامهم، أو أنك تستأذن، إذا كنت متعجلًا مستعجلًا، أنت خارج ورأيت فلانًا من أصحابك وتريد في أمر ولابد أنك تعطي خبر، وهو صعب أنك تنتظر، فإذا دخلت ولابد تستأذن، يا أخوان لحظة بس، عندي موضوع، كلمة لفلان، فإن أذن لك حييه له، وهم فرحون بهذا الأمر، وهم فرحون بهذا الكلام الذي ستدلي به، وخاصة أنه عبارة عن كلمتين، ثم تنصرف إلى حال سبيلك. أما أنك تدخل وتهجم هجومًا على المجلس وتتكلم، أنت مع أنك متأخر، فتقطع على الناس حديثهم، هذا لا يجوز. قال علماء: لما فيه من بتر الكلام على الحضور والجلوس، أو لما فيه من إغاظة الصدور. وهذا كيد في إغاظة الصدور، أنا أتكلم مع فلان وأسترجع معه في المحادثة، فيأتي فلان ويعطيني ضربة ويتكلم، أخي طيب، وأنت ما رأيتك؟ والموضوع يعني إيش؟ أنا سيكون ردة فعلي إيش؟ هذا الوقاحة، حتى أدب يعني احترام لي، قد يكون هذا الرجل ليس من فعله أنه أراد الإهانة أو أراد الوقاحة، لكن يرى الأمر عادي، لا هذا ليس بعادي؛ لأن هذا في إغاظة للصدور، عدم الاحترام للآخرين. ولهذا انتظر، وخاصة إذا كان الكلام عامًا، أنصت، أدنه. لكن إذا كان الكلام خاصًا في زاوية ابتعد، نتحدث الآن، وذا سأت معًا، لكن نتحدث الآن عن الكلام، إن كان عامًا، فلان قائم وفلان قائم يتكلمان، تدخل معهم تريد أن تتكلم، انتظر حتى يؤذن لك، فإذا أذن لك أو انتهى الكلام حينها تكلم. وتأمل فعله عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عندما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحدث في مجلس يحدث في مجلس، فقال أعرابي: «يا رسول الله متى الساعة؟ متى الساعة؟» طبعًا هذا فيه مقاطعة للحديث، النبي صلى الله عليه وسلم استرسل في حديثه مع أصحابه في مجلس، هذا الأعرابي جاء بحسن نية فطرح سؤالًا، قال: «يا رسول الله متى الساعة؟» قال أبو هريرة: «فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث القوم»، مضى في كلامه؛ لأنه يتحدث معهم، يقطع حديث أصلا كلامه أصالة لهم. هذا جاء أعرابي، لا العرب ينتهي، يبقى في محله حتى ينتهي الكلام مع المتحدث إليه. فقال أبو هريرة: «فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث»، فقال بعض القوم من الحضور: «أسمع ما قال فكره ما قال؟ وقال وقال بعضهم بل لم يسمع»، يعني الحضور استغربوا يعني استغرب من أن النبي ما أعطى لهذا الرجل يعني إجابة، بل استرسل في حديثه، حتى أن الحضور قالوا: هل النبي سمع خطاب الأعرابي وكره ما قال؟ وقال بعض: النبي ما سمع، ما سمع حديثه، ما سمع كلام الأعرابي هذا. فقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: قال: «فلما قضى حديثه»، فلما قضى حديثه أي انتهى من كلامه عليه الصلاة والسلام، قال: «أين السائل؟» بعد ذلك قال: «أين السائل؟» قال: «ها أنا يا رسول الله»، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قال: «وكيف إضاعتها يا رسول الله؟» قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله». الشاهد من هذا الحديث إخواني في الله فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قضى حديثه لهذا العارض الذي اعترض عليه، وإنما استمر في مجلسه، وهكذا الأصل. فأنت يا عبد الله تتحدث مع جماعة، مع إخوانك، أو مع رجل تتكلم، فجاء أحد عارض، الأصل أن هذا ما يعترض، وإنما يبقى حتى يؤذن له. فإن دخل وعرض، فأنت بالخيار، فالمجلس مجلسك، فلك أن تستمر حتى تنتهي من كلامك، ولا يلقي هذا السائل في قلبك بأنك أعرضت عنه تكبرًا أو تبخترًا أو أنك ما تبالي به، لا، لا، هذا لا يكون، هذا الظلم، هذا ليس الظلم، بل هذه السنة. فنبينا صلى الله عليه وسلم استمر في حديثه؛ لأن الكلام ما ينبغي أن ينقطع ولا يبتر، وإنما يستمر، فإذا انتهى حينها يلتفت إلى من جاء وماذا سأل هذا السؤال أو ما كان من أمثاله. فالحاصل إخواني في الله أن من آداب الكلام عدم مقاطعة الحديث، عدم مقاطعة الحديث، فمن كان يتكلم فلا تقاطع حديثه يا عبد الله، هذا الأصل. نقول هذا الأصل، لكن أحيانًا يمكن أن تقطع حديث الآخرين متى؟ إذا كان الخوض فيما هم يخوضون فيه مما لا فائدة فيه، يتحدثون من اللغو في الكلام، أو ما هو أعظم من ذلك أن يتكلم فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، سبًا وشتما وغيبة ونميمة، وأنت جالس، لا ما تسمع، لك هذا، اقطع حديثهم حتى يخوض في حديث غيره، اقطع حديثهم، لا تستمع ولا تمكنهم أصلا من الاسترسال في هذا الكلام. فهذا يكون لك أن تقطع حديث الآخرين إن كانوا في لغو أو فيما لا يجوز، وترى أن ما ستدلي به من كلام أنفع لهم، أو أن يكون المجلس هو مجلسك والمقام هو مقامك، والمجلس هو صدره لك، فالكلام حينها لك، فلا يتكلم الآخرون. مثاله في الدروس، مثلًا رجل يقيم درسًا في مسجد، لمن الكلام؟ للمدرس، فيوجد مثلًا هنا وهنا وهنا من يتحدث في الجوانب، أيهم؟ فلو قيل له: يا فلان يا فلان اسكتوا، هل لي ذلك؟ أن أسكتهم؟ لي ذلك؛ لأن أسكت هؤلاء على الجوانب؛ لأن الكلام لصاحب الدرس، أو من كان في محاضرة، أو من كان في المجلس. وليقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي، أنه في حجة الوداع عندما قام نبينا صلى الله عليه وسلم يريد أن يتكلم والناس يتحدثون، فقال نبينا لجرير: «استنصت الناس»، استنصت الناس، أي سكتهم لا يتحدثوا، ثم قال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». فسكت النبي، سكت المتحدثون، مع أنهم يتحدثون في مواضع في كلام، لكن المقام مقامه عليه الصلاة والسلام، والصدر له، والحديث معه، فهو الأولى بأن يتحدث، والآخر يسكتون. هنا اقطع حديث الآخرين؛ لأن هذا مقام مقامك، كان من أهل العلم أو من أهل الفضل أو من كان من صاحب المجلس ونحو ذلك. فالأصل إخواني في الله عدم مقاطعة حديث الآخرين، هذه من آداب الكلام، إلا ما كان فيه المنفعة أعظم كما سمعنا، فهذا ما يذكر في هذه الآداب، وبقية آداب تترك إن شاء الله في مقام آخر. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.