آداب الجوال 1

آداب الجوال 1

الدرس في آداب الجوال 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في آداب استخدام الجوال

يبدأ الحديث عن أهمية آداب استخدام الجوال وضرورة شكر الله على نعمة الجوال. يشدد على أركان شكر النعم الثلاث.

الاعتدال في استخدام الجوال

يُناقش أهمية استخدام الجوال باعتدال واقتصاد في طاعة الله، ويُوضح كيفية تحقيق ذلك بعدم الإسراف في الاتصالات والوقت.

آداب الاتصالات الهاتفية في الإسلام

يُناقش أهمية الالتزام بآداب الإسلام في الاتصالات الهاتفية، مثل بدء وختام المكالمة بالسلام وتجنب العبارات غير الإسلامية.

تطبيق آداب الاتصال بالجوال

يُطبق آداب الاتصال بالجوال مثل بدء المكالمة بالسلام والرد عليه، ويُشير إلى وجود آداب أخرى ستذكر في دروس قادمة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بعد الفراغ والانتهاء من ذكر آداب الكلام والخطاب والحوار، حيث تطرقنا إلى أهم مسائل الباب وما ينبغي على كل متكلم ومتكلمة أن يتخلق به من آداب، ناسب أن نذكر فصلًا خاصًا متعلقًا بآداب الحديث عبر الجوال، وما ينبغي أن يلتزم به كل متصل ومتصلة متى ما كان التواصي والتواصل عبر الجوالات. ولا شك ولا ريب، إخواني في الله، على أن الجوال من النعم التي حباها الله للناس، وخاصة في مثل هذه الأزمان، حيث قربت البعيد ويسرت العسير. فكم من أماكن لربما احتاج الناس إلى أن يقطعوها في أيام وليالي، إذ بك بضغطة زر أو بضغطة تستطيع أن تتواصل مع الطرف الثاني، فتم صلة الأرحام عبر الجوالات، وهكذا ما كان من السؤال عن الدين والتواصل مع أهل العلم وعن أهل الفضل والشأن، إلى غير ذلك من الفوائد التي ليس لسنا في مقام سردها وعدها وإحصائها. وهذا مما يتفق عليه العقالة. إلا أن هذا الجهاز، إخواني في الله، وما يتعلق بالتحدث عن طريقه، ينبغي أن يحفه شيء من الآداب والأخلاق، والتي للأسف نجد أن كثيرًا من الناس من يستخدم مثل هذه الأجهزة لا يراعي هذه الآداب. فمما ينبغي أولًا أن نذكر به أنفسنا، وهي من الآداب العظيمة التي ينبغي أن نتحلى بها ونحن نستخدم هذا الجوال، أن نؤدي شكر الله، أن نؤدي شكر الله سبحانه وتعالى، كما أسلفنا، هي من نعم الله، وما من نعمة إلا وهي تحتاج إلى شكر، ولئن شكرتم لأزيدنكم. وشكر النعم يقوم على أركان ثلاث: الاعتراف بها باطنة، والتحدث بها ظاهرة، وتصريفها في حق معطيها وموليها. هذه الأركان الثلاثة بها يقام مقام الشكر. فأما ما يتعلق بتطبيق الأركان الثلاثة على نعمة الجوال، تكون كالتالي: نعمة الجوال شكرها يقوم بالاعتراف بها باطنة بأن تعتقد وتعلم علم اليقين أن هذا الجوال إنما يسير لك من قبل الله. ولو أنه أهدي إليك إهداء من فلان ومن فلان، من أبيك أو من أمك أو من صاحبك أو من جهة، اعلم أن هؤلاء ما هم إلا سبب السبب من الأسباب في تمليكك لهذا الجهاز، إلا هو من الله سبحانه وتعالى، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فينبغي أن تعلم وتعتقد أن هذه النعمة هي من الله وحده، هو الذي أسبغها عليك. ثانيًا، التحدث بها ظاهرة، هذا الرقم الثاني من أركان الشكر، تطبيقه على الجوال بأنك تشكر الله، تحمد الله، تشكره وتتحدث بهذا عن شكرك لله جل وعلا أن أعطاك ووهبك لك هذا الجوال. وهذا التحدث يخرج منك، يا عبد الله، على وجه الامتنان لله، ليس على وجه الفخر والخيلاء، لا تفتخر، لا تتكثر، يا عبد الله، كحال بعض الناس إذا اشترى الجوال من الأجهزة الحديثة أو ما يسمى بالذكية، فإذا به يظهرها أمام الناس وأمام القاصي والداني، يقول: والله هذا آخر صيحة، وهذا آخر، ويرد أن يفتخر على غيره، فيجعل هذه النعمة مدعاة إلى التفاخر وإلى الترفع، لا، يا عبد الله، هذا ليس من التحدث بنعمة الله. قال ربنا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، حدث بها على وجه الامتنان، وأن هذه نعم من الله، لا أنك تتحدث بها على وجه الخيلاء كما يفعل كثير من الناس إذا اشترى الجهاز، لربما تحدث بسعره: هذا تدري بكم؟ هذا بمبلغ السعود، هذا بالدولار، هذا قيمته كذا، ويفتخر، لا، ما يجوز هذا، يا عبد الله، وإنما هذا فخر وترفع، وهذا من فعل المتكبرين، والمسلم يكون متواضعًا. ولا بأس، يا عبد الله، أن تشتري جوالًا غاليًا، الجوال الغالي يُشترى إذا كان له قيمته، هذا ليس فيه شيء، ولا يعد هذا إسرافًا، الإسراف ضابطه هو الذي يدفع المال الكثير في شيء الحقير، هذا الإسراف، يدفع المال الكثير في شيء الحقير، أو أنه يدفع ما لا يقدر عليه، يدفع ما لا يقدر عليه رجل فقير الحال، ما عنده ما يسد به رمقه أو أن يسدد به ديونه، فإذا به يشتري الجهاز بمبلغ طائل جدًا، لربما استدعى إلى أن يتكلف الديون، هذا ما ينبغي، هذا من الإسراف، يا عبد الله. لكن إذا كان رجل عنده القدرة المالية على الشراء، يشتري، أو أن هذا الجهاز هذا سعره لما فيه من تطبيقات ولما فيه من أمور برمجة إلى غير ذلك، يُشترى، وكان الإنسان قادرًا على هذا، فهذا ليس من الإسراف. ولهذا يقول علماء: الإسراف أمر نسبي، فعند أناس يكون إسرافًا، وعند أناس لا يعد إسرافًا؛ لأن هذا مما يقدر عليه عند بعض الناس. فالشاهد أنك، يا عبد الله، تتحدث بنعمة الله ليس على الوجه الفخر والخيلاء. ثالثًا، من أركان الشكر، وهو أن تصرفها في حق موليها، وهو أن تصرف هذه النعمة في جنب الله سبحانه وتعالى، فالجوال ينبغي أن يكون وسيلة من وسائل التي تقربك إلى الله؛ لأنك تعبد به رب العالمين. لا تجعل هذه النعمة، يا عبد الله، نقمة بأنك تتوصل بها إلى ما حرم الله عز وجل، أهكذا جزاء الشكر؟ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ الله سبحانه وتعالى أعطاك من المال ويسر لك من الأسباب لكي تتوصل إلى شراء وإلى التملك هذا الجهاز، فهل من شكر الله، يا عبد الله، أن تحارب الله، أن تجاهر الله بمعاصيك عبر هذا الجوال؟ هذا لا يجوز. ولهذا فإن هذا من جحود النعم، ومن كفران النعم، والتي مآلها - ناهيك عن الآثام والذنوب التي تحصى عليك - أن الله سيحرمك منها يومًا من الأيام. وكم ابتلوا هؤلاء بتعطل الجوال، يتعطل عليه، يسرق عليه، تنكسر عليه الشاشة، لمحق البركة، لمحق البركة. ولو أن هذا الجهاز يُغَل فيما ينفع، من صلة الأرحام، من التواصي بالخير، من التواصي مع مسافر، من سؤال عن قريب أو سؤال عن مريض، فهذا مما تنفع فيه البركة. فشاهد، إخواني في الله، هذا من أعظم آداب الجوالات، وما يكون التواصل بها، أن تستغل هذه النعمة بأداء شكر الله سبحانه وتعالى، وذلك بالاعتراف بها باطنة، والتحدث بها ظاهرة، وتصريفها في حق موليها. كذلك من آداب الجوال، وما يتعلق بالحديث فيه، أن يكون الاستخدام باقتصاد، الاستخدام لهذا الجهاز يكون بالاقتصاد، أي يكون باعتدال، يكون باعتدال. ومن صور الاعتدال في استخدام الجوال أن لا يكون التواصي والتواصل به إلا عند الحاجة. إذا احتاج الإنسان أن يتواصل مع أحد ما في شيء، وخرج بهذا الاتصال للفضول أو لسآمة الوقت أو لوجود الضجر والملل، فيقول بعض الناس: أفلا كيف حالك؟ بس يمشي ويتصل عبثًا، لا، ما ينبغي، عبد الله، هذا لا ينبغي. وقد مر معنا أن الإنسان يحاسب على جلوسه في المجالس، وكذلك على اتصالاته، إذا اتصل فالاتصال لغير حاجة ما ينبغي. كذلك مما يخرج بشرط الاقتصاد أنك، يا عبد الله، تقتصد حتى في الوقت، قد يكون نعم أنت محتاج للكلام، لكن هل معنى ذلك أن تسترسل في الحديث، تتصل تمر، الخمس الدقائق والعشر والربع ساعة ونصف ساعة، هذا يقع، سواء عند الرجال أو أكثر ما يقع عند النساء، الكلام مكرر، الكلام مكرر، تبدأ من نقطة وتنتهي إلى نقطة، ثم يعاد الكلام من نقطة إلى نفس النقطة، ثم يعاد الكلام إلى النقطة، كلام مكرر، وهذا يضيع على الأوقات، لهذا المستخدم للجوال. فمن أعظم آدابه أن يكون الاستخدام باعتدال، أو ما يعبر عنه بالاقتصاد، فلا تتصل إلا عند الحاجة، أو يكون كذلك بوقت، يعني بقدر، ولا أنك تسترسل. وهذا الأدب، أقول، على ماذا يثمر؟ يثمر على أنك تحافظ على وقتك، تحافظ على وقتك، فلا تمر عليك جل النهار وأنت في اتصالات عبثية، على حساب ما هو أنفع لك في دينك ودنياك. أو ما يكون في هذا الاتصال الطويل ما يكون فيه حساب على اللسان، قد مر معنا في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ما من نطق، ما من لفظ إلا وقت سطر، ويكتب عليك، فخلال هذه النصف ساعة لكلام قد استرسلت، في كل كلمة قد سطرت عليك، فالله أعلم بمآلاتها، أهي تنفعك أم هي تضرك؟ وكذلك إضاعة هذه الأوقات، ما يكون زيادة على ذلك، ما يكون من إضاعة الأوقات، ومن كثرة الكلام، ما يكون من إضاعة المال، طبعًا هذا الاتصال ليس مجانيًا، أنت دفعت عليه رصيد شحن كرت أو تعبئة رصيد، هذا كله مال مدفوع، هذا المال مدفوع، ألا تحاسب عليه؟ تحاسب عليه، بلى، تحاسب. ماذا ذهب هذا المال؟ وقد جاء في حديث أبي برزة الأسلمي: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وفيه: وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه»، هذا المال ذهب إلى ماذا؟ ذهب إلى رصيد، هذا الرصيد ذهب إلى ماذا؟ فينبغي، إخواني في الله، أن الإنسان يخرج من هذه المحرجات والأسل الذي ستنهال عليه في قبره ويوم القيامة، بأن يقتصد في الاتصال، أن يكون بحاجة، وأن يكون بقدر. من آداب الاتصالات، إخواني في الله، وما يتعلق بها، وهي آداب كثيرة، ننتقي منها الأهم فالأهم، من ذلك ما يكون من البداءة بالاتصال أن يكون بالسلام، بتحية الإسلام، هذا من الآداب العظيمة. وخرج بهذا الأدب، إخواني في الله، ما يفعله بعض الناس أنه إذا اتصل قال: ألو، هي بالأصل هالو، هالو، بمعنى تحية عند النصارى، هي ليست من تحية المسلمين، ليست من تحايا أهل الإسلام. وإنما إذا اتصلت، يا عبد الله، تقول: السلام عليكم، هذا الأدب الإسلامي. وكذلك من الأخطاء في هذا الباب أن الإنسان إذا رفع السماعة مباشرة: كيف الحال يا فلان؟ كيف أمورك؟ ويسأل عن الحال. وقد مر معنا في دروس الكلام ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «من بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه»، من بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه، سواء هذا السؤال سؤال حسي يطلب حاجة، أو سؤال معنوي كأن يسأل عن حالك. يرفع السماعة: آه، أبو فلان، كيف حالك؟ كيف أمور؟ أين السلام؟ سلم، يا عبد الله، حتى تجاب، قل: السلام عليكم، كيف حالك يا أبو فلان؟ ثم تسترسل في الحديث. فمن الآداب التي ينبغي أن يتأدّى بها كل متصل عبر الجوال أن يتقيد بالسلام، تسلم، ثم بعد ذلك، يا عبد الله، تسترسل في الحديث. وهكذا مما ينبغي أن يختم به المقام، أي الكلام بالجوال، السلام، فليست الأولى أحق بالثانية، كما قال عليه الصلاة والسلام، قد مر ذلك معنا في آداب المجالس، على أن الإنسان إذا دخل مجلسًا سلم، وإذا أراد أن ينصرف سلم، في البدء وفي الختام، في البدء والختم. ومن الخطأ في هذا الباب ما يفعله بعض الناس إذا انتهى من الكلام قال: يالله مع السلامة، لا تقول: مع السلام، أقول: السلام عليكم، هذه هي التحية التي جاءت بها السنة، أو كفعل بعض العصريين: باي باي، وهذه كثيرة تفعل، كما مر معنا في حق من يريد أن يتكلم ببعض الكلمات الأعجمية، لا، يا عبد الله، استبدل بما هو خير من هذا العبارة، وهو السلام عليكم، قلها عند البدء، وقلها كذلك عند النهاية، فهذه من الأمور المستحبة. بقي مسألة متعلقة بالسلام، من هذا الذي يبدأ بالسلام، أنت أيها المتصل، أو المتصل عليه؟ أحيانًا ترفع الجوال، من أول ما يمسك الخط الثاني، يسلم: السلام عليكم، من له الأحقية ببدء السلام؟ أنا أيها المتصل، أم أنت أيها المتصل عليه؟ المتصل هو الذي يبدأ بالسلام؛ لأنه كحال الذي يقرع الباب ويريد أن يدخل، فهذا الذي اتصل عليه كحال من قرع الباب، سيدخل، سيستأذن عليك، قل: السلام عليكم، يسلم عليك، ثم ترد عليه، ثم تبدأ أن تؤذن له بالحديث. هذا، إخواني في الله، شيء من آداب الجوال والاتصال. بقيت آداب أخرى تترك - إن شاء الله - في دروس قادمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.