بواعث الخلاص من الذنوب 18

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في الجاذبين المتضادين

يشرح الدرس مفهوم الجاذبين المتضادين في حياة الإنسان، أحدهما إلى الرفيق الأعلى والآخر إلى أسفل سافلين، ويبين تأثير الإيمان والأعمال الصالحة في جذب الإنسان إلى العلو. يُفصل الكلام حول أهمية معرفة العبد ميل روحه في الدنيا لتحديد مصيره في الآخرة.

جاذبية الأرواح وميلها إلى ما يناسبها

يشرح الدرس أن الأرواح تنجذب إلى ما يناسبها من صفات وأخلاق، فأهل الإيمان والصلاح يميلون إلى بعضهم البعض، وأهل الفسوق والفجور كذلك. يُذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم أن المرء يكون مع من أحب يوم القيامة.

أثر الجواذب على الإنسان ووجوب اختيار الخير

يُناقش الدرس تأثير الجواذب على الإنسان، ويُشدد على أهمية اختيار جاذب الخير لتحقيق الفلاح والنجاة، ويحذر من اتباع جاذب الشر. كما يُوضح أن الإنسان سيُحشر يوم القيامة مع من أحب، لذا عليه اختيار الصحبة الصالحة.

ضرورة التوبة وتصحيح المسار

يُؤكد الدرس على ضرورة انتباه المسلم لغفلته والتوبة إلى الله وتصحيح مساره ما دام حياً، ويجب عليه الرجوع إلى الله جل وعلا وتصحيح الطريق الذي أخطأ فيه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في تعليقه على فصل «بواعث الخلاص من الذنوب» من كتاب «عدة الصابرين» للإمام ابن القيم رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «السابع عشر: أن يعلم بأن فيه جاذبين متضادين، ومحنته بين الجاذبين: جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين، وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين. فكل من قاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهي إلى حيث يليق به من المحل الأعلى، وكل من قاد إلى الجاذب الأسفل نزل درجة حتى ينتهي إلى موضعه من سجين». ومعنى كلامه رحمه الله: أن الإنسان في هذه الدنيا بين جاذبين، أي: أمرين يجذبانه، كل يريد أن يكون معه، وأن يكون صاحبه، وأن يكون من أهله. جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى، أي: إلى المنازل العالية والفوز بجنات النعيم، وهذا هو جاذب الإيمان والهداية والاستقامة والأعمال الصالحة. وجاذب يجذبه إلى الأسفل، يجذبه إلى الأسفل حتى ينزل إلى الدركات السفلى، وينتهي به إلى سجين، وهو موضع كتاب الفجار، كما قال الله جل وعلا: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾. وسجين على وزن «فعيل» بمعنى الضيق المؤلم، فإن كتاب الفجار لفي سجين، أي: لفي سجن وضيق وألم وعقاب. ولهذا عظم الله جل وعلا أمره، فقال: ﴿وما أدراك ما سجين﴾ تعظيم وتفخيم أنه أمر عظيم، وليس بالأمر الهين. هذا هو الجاذب السفلي، وهو جاذب الكفر والفسوق والعصيان، والميل إلى شهوات الدنيا، ومنازعتها، فإنها لا تزال تسقط العبد في دركات المعاصي والذنوب، والبعد عن الفوز بنعيم الله جل وعلا، إلى أن يكون صاحب هذه الدرجة في أسفل سافلين، في النار والجحيم، عياذا بالله. وأما أهل الإيمان والأعمال الصالحة، فهم في الدرجات العالية: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾، في أعلى عليين، أي: في الجنان التي أعدها الله جل وعلا لعباده المؤمنين. ﴿وما أدراك ما عليون﴾، ما أدراك ما شأنهم، وما فضلهم، وما عظيم نعيمهم، وما عظيم ما من الله سبحانه وتعالى به عليهم. قال: «ومتى أراد أن يعلم -أي: العبد- هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل، فلينظر أين روحه في هذا العالم، روحه التي بين جنبيه، والتي في جسده، أين تميل، وأين تحب، وأين تأنس، وأين ترتاح؟ هل تميل إلى أهل الإيمان وأهل الطاعة وأهل الصلاح والاستقامة؟ هل تحب سماع كلام الرحمن سبحانه وتعالى؟ هل تحب الخير ومجالس الذكر والعلم ومجالس أهل الصلاح؟ أم أنها تميل إلى مجالس أهل الفسق والفجور، وسماع الغناء والمزامير، وشرب المسكرات والخمور، وفعل الفواحش والمنكرات؟». فهذه الروح إلى حيث تميل في الدنيا، فهي مع أصحابها في الآخرة. قال: «ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل، فلينظر أين روحه في هذا العالم، فإنها إذا فارقت البدن تكون في الرفيق الذي كانت منجذبة إليه في الدنيا، فهو أولى بها». يعني: إذا كانت في هذه الدنيا جاذبيتها مع أهل الإيمان والصلاح والتقى، فإنها بإذن الله تكون معهم في الآخرة. وأما إن كانت جاذبيتها تميل إلى أهل الفسوق والفجور، فإنها ستكون معهم في الآخرة، عياذا بالله. قال: «فالمرء مع من أحب طبعا وعقلا وجزاء». والإنسان يميل إلى من ترتاح إليه نفسه، وكذلك تتوافق في الصفات والطباع والأخلاق. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». والحديث الصحيح من حديث عائشة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما. «فالأرواح جنود مجندة، جنود وطوائف وفئات، ما تعارف منها ائتلف، ما تعارفت هذه الأرواح فاتفقت في الصفات وتوافقت في الطباع وإن سجمت في الأخلاق، حصل بينها الألفة والمودة والمحبة. وما تناكر منها اختلف، ما حصل من هذه الأرواح التناكر وعدم التوافق والتجانس في الطباع والأخلاق، تحصل الفرقة والبعد والبغض وعدم المحبة». فلهذا تجد المؤمن صاحب الإيمان والطاعة والعمل الصالح، تميل نفسه وترتاح كذلك -يعني: فؤاده وصدره- إذا جلس مع أهل الصلاح والخير، في سماع القرآن وسماع الذكر وسماع العلم. ولو جلس مع أهل الفسوق والفجور وسمع الغناء والمزامير، سرعان ما يجد الضيق، وكذلك النكد والحرج، ولا يتلف معهم، ولا يحب الجلوس مع أمثال هؤلاء. وهكذا العكس، الذي تميل نفسه وروحه إلى سماع الغناء والمزامير والخنا والفجور، فإنه يطمئن إلى من كان مثله، لماذا؟ لأن الأرواح هنا توافقت. لكنه لو جلس مع أهل الخير والصلاح، سرعان ما يجد ضيقا وحرجا، وذلك لما اختلفت هذه الأرواح، حصلت الفرقة في الأبدان. والمرء مع من أحب، فمن أحب أهل الإيمان والصلاح، فهو معهم بإذن الله يوم القيامة. ومن أحب أهل الفجور والفسق، فهو معهم يوم القيامة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «وكل مهتم بشيء فهو منجذب إليه وإلى أهله بالطبع، وكل مرء ينجذب إلى ما يناسبه» -يعني: يميل، وكذلك يرتاح- إلى ما يناسبه من الصفات والأخلاق والطبع. قال: «وقد قال تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا﴾». قال: «فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهممها وأعمالها إلى أعلى النفوس العلوية، أي: نفوس أهل الإيمان والطاعة والصلاح والخير، التي علقت قلوبها بالآخرة، وكذلك في الحرص على نيل ما عند الله جل وعلا من الفوز بنعيم الله جل وعلا، فإنها تجد ميلا عظيما إلى عمل أهل عليين، بلزوم الطاعات واجتناب المعاصي والمحرمات، والاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحات». قال: «والنفوس السافلة إلى أسفل -يعني: تنجذب بذاتها وهممها إلى أعمال السافلين- بالركون إلى الشهوات ومنازعات الدنيا التي تجذب أصحابها إلى الدركات السفلى، عياذا بالله». قال المعلق -فقه الله-: «الأمر السابع عشر من بواعث ترك الذنوب: التيقظ لجاذب الخير والشر، فكل عبد فيه جاذبان متضادان: جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى، وهناك جاذب آخر يجذبه إلى أسفل سافلين، كالنفس الأمارة بالسوء، والشيطان، وقرناء السوء. فهؤلاء من الجواذب التي تجذب الإنسان إلى أسفل سافلين، إذا اتبع نفسه الأمارة بالسوء بما تأمره وبما ترشده، وتابعها، وكذلك فعل ما اشتهته نفسه، وما أمرته به، أودت به في هذه الدركات السافلة. وهكذا الشيطان الذي هو من ألد أعداء الله، وألد أعداء الإنسان، وأقرب الأعداء إليه. والله عز وجل يقول: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾. فمن اتبع الشيطان كان من حزبه، وكان من فئته وطائفته، وأودى به الشيطان إلى المهالك، وكذلك أيضا إلى أن يكون من أهل أسفل سافلين». قال: «وقرناء السوء كذلك، وقرناء السوء كذلك هم ممن يجذبون المرء إلى أسفل سافلين، فإنهم يؤثرون عليه بأخلاقهم وأعمالهم وصفاتهم، فما يدري المرء إلا وهو واحد منهم، على شاكلتهم». قال: «فإذا سار العبد مع جاذب الخير أفلح ونجا». إذا سار العبد مع جاذب الخير، هو لا بد أن يكون بين هذين الجاذبين: إما جاذب الخير، وإما جاذب الشر. فالإنسان ينظر ما الذي تميل إليه نفسه، وما الذي ترتاح إليه كذلك روحه. فإن كان يميل إلى جانب الخير وجانب البر والأعمال الصالحة، فهذا قد وفق إلى خير عظيم، إن هذا الجاذب يجذبه حتى يرفعه إلى أعلى عليين، ويفوز بنعيم الله سبحانه وتعالى، فعليه بلزوم هذا الجاذب وعدم تركه والميل عنه. قال: «وأما إذا تبع جاذب الشر هلك والعياذ بالله». إذا كانت نفسه تميل إلى الفواحش والمنكرات والمعاصي والذنوب، وفعل الشهوات، وركمت ما اشتهت هذه النفس من شهوات الدنيا وملذاتها، فليعلم أنه يسير في جاذب يودي به إلى الهلاك، يودي به إلى الهلاك حتى يكون من أهل النار والجحيم، عياذا بالله. قال: «فإن علم هذا، فالواجب على كل مسلم ناصح لنفسه أن يتيقظ -أي: ينبغي أن تزول عنه الغفلة، ويكون يقظا متفتحا- قال: وينظر في جاذب الخير فيلزمه، وأن ينأى ويربأ بنفسه أن يسلك خلف جاذب الشر والغواية». لأن المرء سيحشر مع من أحب، كما صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه أن أعرابيا قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «المرء يحب القوم لما يلحق بهم -يعني: ما عندهم من الأعمال ما يلحق به هؤلاء القوم الذين يحبهم- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب يوم القيامة». المرء مع من أحب يوم القيامة. فمن أحب أهل الإيمان وأهل الصلاح وأهل العلم وأهل الفضل وأهل التقى، فإنه معهم يوم القيامة. ومن أحب أهل الفسق والفجور والغناء والخنا والخنا، فهو معهم يوم القيامة. فإذا كان الأمر كذلك، فينبغي للمرء أن ينظر في أمره، وينظر في حاله، مع من يحب أن يكون في الآخرة؟ فإن كان يحب أن يكون مع أهل الخير والصلاح وأهل التقى وأهل الجنان، فليكن معهم في الدنيا. وإن كان يحب أن يكون مع أهل النار والعذاب والجحيم والكفر والفسوق، فهو سيكون معهم في الدنيا. فإن كان كذلك، فعليه أن ينتبه، وأن يستيقظ من غفلته، وأن يرجع ويتوب وينيب إلى الله جل وعلا، ويصحح الطريق الذي أخطأ سلوكه، ما دام على ظهر هذه الحياة الدنيا. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.