الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 79، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع إسناد حديث عائشة في حادثة الإفك كما رواه الزهري عن عروة مبيناً منهجية الجمع بين الروايات. ثم يستعرض قصة القرعة بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عند الخروج للغزو وأن سهم عائشة خرج في غزوة بني المصطلق.
تخلفت عائشة رضي الله عنها عن الجيش في طريق العودة لقضاء حاجتها والتماس عقدها فانطلق الجيش وهي نائمة. فلحق بها صفوان بن المعطل السلمي فأركبها على راحلته وساق بها حتى أدرك الجيش نازلين في الظهيرة.
يستعرض المقطع رواية عائشة رضي الله عنها لحادثة الإفك موضحاً مرضها وجهلها بالوشاية وتغير معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لها. ثم استئذانها لزيارة والديها للاستيضاح ونصيحة أمها لها بالصبر واحتساب الأجر.
توضح الرواية أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تكن تتوقع أن يُثار عنها مثل هذا الكلام وأن أهل الشر هم من يروجون الإشاعات. ويستشهد الدرس بقوله تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم محذراً من عاقبة نشر الفاحشة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء، فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون». قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن بكير، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، ينسب إلى جده. قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي، إمام أهل مصر، أبو الحارث الفهمي. قال: عن يونس، وهو ابن يزيد الأيلي، مولى بني أمية. قال: عن ابن شهاب، وهو الإمام محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري. ابن شهاب الزهري كان حافظاً كبيراً من حفاظ الإسلام. قال: أخبرني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة رضي الله عنها، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا. فبرأها الله مما قالوا. وكل قال: يقول الزهري: «وكل حدثني طائفة من الحديث، وبعض حديثهم يصدق بعضاً، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض». كأن الحافظ - يعني الزهري - أدخل حديثهم معاً، لكن جعل الأصل حديث عروة، فإن ذكر زيادات من حديث غيره أدخلها فيه. وقبل العلماء حديث الزهري هذا؛ لأنه كان حافظاً، بخلاف غيره، فقد رد العلماء أحاديث كثيرة، أو كثيراً من الرواة، كحماد بن سلمة، والليث بن أبي سليم، وغيره من الرواة الذين يجمعون بين المشايخ ويدخلون حديثاً في هذا، وتجد بينهم اختلافاً كثيراً. لكن هنا الزهري، بما أنه حافظ من حفاظ الإسلام، وأيضاً اعتمد على حديث عروة لأنه أوعى وأشمل، لكن إن كانت زيادة هناك من حديث غيره أدخلها، ولم يشر إليها، يعني ما يقول مثلاً: «هذه الزيادة قالها فلان»، يدخلها في الحديث. ولأن هؤلاء الذين روى عنهم كلهم أئمة ثقات. قال رحمه الله: قال الذي حدثني عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه»، ففعل القرعة، فأية أن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه جواز القرعة في مثل هذه الأشياء، والقرعة لها أحكام ذكرها العلماء في باب الخيارات، كذلك يدخل في بعض البيوع وغيرها من المعاملات. وجاءت أيضاً في بعض مسائل العبادات، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم الناس ما في الأذان، أو ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه»، ثم لم يجدوا إلا أن يجعلون به قرعة. قالت عائشة: «فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدما نزل الحجاب». فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه. فهذه الحادثة حصلت بعدما نزل الحجاب، وهذه الحادثة كانت في غزوة بني المصطلق. بنو المصطلق هم قبيلة، قبيلة جويرية بنت الحارث المصطلقية، زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. وعلى الصحيح أنها كانت في السنة السادسة، ومن أهل العلم من يقول: إنها في السنة الخامسة. قالت: «فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه». الهودج: هذا شيء كان يضعونه على البعير، ويضعون النساء فيه، معناه: يغطي النساء والمرأة، ويسترها حتى لا تتكشف المرأة. قالت: «فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل»، أي رجع، «ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل»، وهم راجعون من ماء المريسيع. من ماء المريسيع: تسمى هذا الماء الذي كان عليه بنو المصطلق، عليه بنو المصطلق هو ماء المريسيع، ولهذا تسمى غزوة بني المصطلق، وتسمى غزوة المريسيع. قالت: «فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذن بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي». أنا ذهبت لتقضي حاجتها رضي الله عنها، وكان النساء يذهبون في الليل حتى لا يراهن أحد. فذهبت، والظاهر كما جاء في رواية أنهم محتملوها وحجتها لأنها كانت خفيفة فلم يحسوا. قالت: «فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، انقطع منها وسقط، فالتمست عقدي، وحبسني ابتغاؤه». أنا ذهبت ورجعت مرة أخرى لكي آتي بهذا العقد. قالت: «فأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت، وهم يحسبون أني فيه». وكان النساء إذا خِفَّنَ لم يُدْرِكْنَ... لم يدخلن اللحم، معنى: لم يدخلن اللحم، أنا كنا قليلي الأكل، لقلة الأكل عندهم، قال: إنما يأكل العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن. قالت: «فبعثوا الجمل وساروا»، أنا لم يروا أن... أو لم يحسوا بثقل، هذا ما استنكروه لأنها كانت خفيفة. قالت: «فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيب، فأممت منزل الذي كنت به». قال: المكان الذي نزلت فيه، معنى: عند شجرة. أو قالت رضي الله عنها: «فأممت»، أي: قصدت منزل الذي كنت به، «وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي». أنا بدل أن أجري خلفهم سأجلس، فإذا فقدوني رجعوا. قالت: «فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيب، فأممت منزل الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت». قالوا: «كان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، من وراء الجيش، وهو الساقة التي تكون وراء الجيش، أن يكونوا وراء الجيش يلتمسون ما ضاع عن الجيش، أو كذلك وهو الأهم: يراقبون الجيش من خلفه حتى لا يأتيه أحد من العدو من خلفه». وهذا المراد من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن كان في الساقة فهو في الساقة»، أن الساقة آخر الجيش. قال: «فأتاني فصرفني»، قال: «فأدلج وأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني». في قال: «فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه». استرجاعه معناه: قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، أقصد: «إنا لله وإنا إليه راجعون». فلما سمعت عائشة رضي الله عنها استرجاعه قامت وغطت وجهها. قالت: «حتى ناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبتها». أنا كانوا يصعدون النساء هكذا، أنا يجعلون تصعد على اليدين. قالت: «فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موقرين في نحر الظهيرة». أنا نزلوا مرة أخرى، أنا كان الجيش غالباً في نظام جيوش النبي عليه الصلاة والسلام وغيرهم أنهم ينزلون مرتين: مرة في الليل لكي يرتاحوا، ومرة في الظهيرة. قالت: «فهلك من هلك»، أنا لما رأوها مع صفوان بن المعطل رضي الله عنه، وكان يسوقها، معنى: هي في الراحلة وهو يمشي بها. قالت: «فانطلق، قال: فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول». أنا هو الذي تولى إذاعته ونشره، نشر هذا الكلام بين الناس، وهو كذاب، لم ير شيئاً، ولم أيضاً يشاهد شيئاً من هذا، ولا أحد شاهد شيئاً، وربنا جل وعلا هو العالم بكل شيء، سبحانه وتعالى برأها جل وعلا، فهي الصديقة بنت الصديق، رضي الله عنها ورضي الله عنه. قالت: «فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب...». قالت: «والناس يفيضون»، أنا من الإفاضة، وهو كثرة الكلام في هذا الأمر، أنا إذا زاد الكلام فيه مثل فاض الماء، أي زاد عن حده. قالت: «والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في... وهو يريبني في وجعي، أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطفة التي كنت أرى منه حين اشتكى، أو حين أشتكي». أنا هذا استغربت منه. قالت: «إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف». فذاك الذي يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت. أن نقهت: معنى من المرض القيام. قالت: «حتى خرجت بعدما نقهت، فخرجت معي أم مصطح قبل المناصع»، أنا لأجل قضاء الحاجة. قالت: «وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن تتخذ الكنف». قبل أن يتخذ الناس الكنف، الكنف جمع كنيف، والكنيف: هو المكان الذي يقضى فيه الحاجة، معنى: الذي تقضى فيه الحاجة. وكان قبل في بداية في الجاهلية، وفي أيضاً صدر الإسلام، ما كانوا يفعلون الكنف، وإنما تخرج المرأة إلى المكان الواسع، ثم اتخذت بعد ذلك الكنف. قالت: «وعمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط». الغائط: هو المكان الواسع والمنخفض. المرأة بالغائط: هو المكان المنخفض الواسع، ومن ثم كما يقول بعضهم: أطلق على البراز. قالت: «فكنا نتعذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، لكنها لعجل أنها سطر للمرأة، سطر للمرأة، بل سطر حتى للرجل، فاتخذت تلك الكنف». قالت: «فانطلقت أنا وأم مصطح، وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق». أنا هي هذه المرأة، أم مصطح، بنت خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وابنها مصطح بن أثاثة. قالت: «فأقبلت أنا وأم مصطح قبل بيتي، وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مصطح في مرطها». المرط: هو ما تلبسه النساء من الكساء، تشتمل به، مثل ما كانت... مثل عباءة وكذا، لكنها الظاهر مفتوحة، فتشتمل بها النساء. قالت: «فقالت: تعس مصطح». فقلت لها: «بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟» قالت: «أيها، أنته، أو لم تسمعي ما قال؟» قالت: «قلت: وما قال؟» فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً على مرضي. فلما رجعت إلى بيتي، ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعني: سلم، ثم قال: «كيف تيكم؟» فقلت: «أتأذن لي أن آتي أبوي؟» قالت: «وأنا حينئذ أريد أن يستيقن الخبر من قبلهما». قالت: «فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أبوي». وانظر إلى شأن النساء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أنا وهي بيتها بيت أبيها قريب من بيت النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها ما تذهب إلا لأجل الحاجة، وكذلك بإذن. قالت: «فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟» قالت: «يا بنية، هوني عليك، فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها». قالت: «فقلت: سبحان الله». أنا رضي الله عنها، ما كان في حسبانها هذا الكلام، ما كانت تفكر أن الناس يتحدثون بهذا، لكن أهل الشر وأهل الفساد ينشرون ويشيعون مثل هذه الأمور بين المسلمين، وكما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. طيب، إن شاء الله لعلا وقت، إن شاء الله نكمل في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.