الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح الشيخ الإسلام رحمه الله الآية الكريمة مبينا أن مشابهة الأمم السابقة في أفعالهم و أقوالهم تعني العقوبة المماثلة، وأن طاعة الله ورسوله تنافي مشابهة أهل الفساد والكفر.
يشرح المقطع أسلوب خطاب الالتفات في القرآن الكريم، وهو الانتقال بين ضمائر الخطاب المختلفة، ويبين فوائد هذا الأسلوب وتطبيقاته في الآيات القرآنية.
يتناول المقطع تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بحبط أعمال المستمتعين بخلاق الكفار، حيث يوضح أن الضمير في ﴿أولئك حبطت أعمالهم﴾ عائد إلى المستمتعين من الأمة.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن لبس الحرير، وأخبر أن من يلبسه ليس له نصيب في الآخرة، وهذا يدل على تحريم لبس الحرير للرجال.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على رسول الله، آله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكر الشيخ الإسلام المترجم رحمه الله كلام العلماء في تفسير الآية الكريمة ﴿كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا﴾، وذكر كلام العلماء في ذلك. وخلاصة ما ذكره أن الشيخ الإسلام أراد أن يبين أن قول الله عز وجل ﴿كالذين من قبلكم﴾ أي أنهم سلكوا أو سلكتم نفس طريقهم، واستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، وخضتم كالذي خاضوا، أي تكلمتم فيما لا يعنيكم وتكلمتم فيما لا علم لكم به، فعلتم مثل ما فعلوا، فلهذا صارت عقوبتكم مثل ما عاقب الله عز وجل أولئك. قال رحمه الله: «هذه المشابهة في هؤلاء بإزاء ما وصف الله به المؤمنين، نبي إزاء كما قلنا مقابل من قوله جل وعلا ﴿يطيعون الله ورسوله﴾، فإن طاعة الله ورسوله تنافي مشابهة الذين من قبل، أي من أهل الفساد وأهل الكفر والعناد، بل أهل الإيمان يسلمون لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم». قال سبحانه: ﴿كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم﴾، أي ليسوا عن فقر يفعلون ذلك، بل عندهم أموال وعندهم قوة وأولادا، ﴿فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا﴾. فالخطاب في قوله ﴿كانوا أشد منكم قوة﴾ وقوله ﴿فاستمتعتم﴾ إن كان للمنافقين، كان من باب خطاب التلوين والالتفات. والمراد بخطاب الالتفات هو الانتقال من المغيب إلى الحضور أو من الحضور إلى المغيب أو من التكلم إلى المخاطبة. وهذا الأسلوب له فوائد عظيمة، وتجده في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: وهذا انتقال من المغيب إلى الحضور كما في قوله ﴿الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد﴾، إنا كان في وصف الله عز وجل ويخبرهم الله عز وجل بصفاته العظيمة وبأسماءه، ثم جعل الخطاب لهم فقال ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. قال: ثم حصل الانتقال من الخطاب إلى المغيب في قوله ﴿أولئك حبطت أعمالهم﴾، إنا هذا في الغيبة والآية أكثرها في الحضور، لم يقل لهم «أنتم حبطت أعمالكم» وإنما قال ﴿أولئك حبطت أعمالهم﴾. وكذلك قوله: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرينا بهم بريح طيبة وفرحوا بها﴾، إنا جاءتهم ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان، هنا قال ﴿حتى إذا كنتم في الفلك﴾ وجرينا بهم بريح طيبة، فجعله للغائب وجرينا بهم على ضمير الغائب. قال: وقوله جل وعلا ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون﴾، إنا كره إليكم ثم قال ﴿أولئك﴾، فهذا انتقال من حضور إلى غيبة. قال: فإن الضمير في قول ﴿أولئك حبطت أعمالهم﴾ الأظهر أنه عائد إلى المستمتعين الخائضين من هذه الأمة، معنى هذا قول ﴿أولئك حبطت أعمالهم﴾ ليس المقصود الذين خاضوا من قبلكم وإنما المقصود أنتم الذين اتبعتموهم وقلتموهم. قال: وما قوله ﴿فاستمتعوا بخلاقهم﴾، ففي تفسير عبد الرزاق عن معمر عن الحسن في قوله ﴿فاستمتعوا بخلاقهم﴾ قال: «بدينهم». ورواية معمر عن الحسن فيها كلام، لكن الظاهر أن المراد بالخلاق هو النصيب. قال: وقال أهل اللغة: «الخلاق هو النصيب والحظ»، كأنه ما خلق للإنسان، أي ما قدر له. كما يقال: «القسم لما قسم له»، و«النصيب لما نصب له»، أي أثبت له. فقوله جل وعلا ﴿فاستمتعوا بخلاقهم﴾ أي بما أعطاهم الله عز وجل من الأموال ومن الدنيا وغيره. وهذا قول ابن عباس: «بنصيبهم من الآخرة في الدنيا»، معناه أن المراد أن أهل الكفر والفساد يستمتعون بما عندهم من النعم التي هي أصلا من أمور الآخرة، يستمتعون بها في الدنيا. قال: ومنه قوله تعالى ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ أي من نصيب. وبقول النبي صلى الله عليه وسلم «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة»، هذا جاء في البخاري ومسلم، لما لبس شيئا من الحرير ثم أخرجه منه بشدة، فقال له: «يا رسول الله، لا تلبس»، قال: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة»، أي من لا نصيب له في الآخرة. والله تعالى أعلم.