من أحكام الصيام في شهر شعبان

الخطبة بعنوان من أحكام الصيام في شهر شعبان، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 27 شعبان 1442هـ الموافق 9 أبريل 2021م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فرضية الصيام ومعناه وأهمية النية

الصيام فرض على الأمة الإسلامية وهو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبد لله. النية شرط أساسي لصحة الصيام.

أحكام الصيام وبدايته ونهايته

يجب أن يبدأ الصيام بالنية قبل طلوع الفجر، ومدته من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع الامتناع عن المفطرات خلال هذه الفترة. يبدأ الصيام برؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.

أثر الصيام في تحقيق التقوى وفضله

الصيام يساعد على تحقيق التقوى بتضييق مجاري الشيطان ومراقبة الله والتعاطف مع الفقراء. وهو وسيلة لتحقيق تقوى الله عز وجل كما جاء في القرآن الكريم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، هذه الآية فيها أمر الله عز وجل بهذه الفريضة العظيمة. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت «يا أيها الذين آمنوا» فألق لها سمعك، فإما أمرًا تؤمر به وإما نهيا فلتجتنبه، أو كما قال رضي الله عنه. فلهذا قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾، كتب هنا بمعنى فرض، وتأتي كتب بمعان أخرى، لكن هنا قال العلماء بمعنى فرض عليكم. كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، أي كما كتب عليهم الصيام، أي فرض الصيام، وليس صفته، فإنه يختلف فرضية الصيام من أمة إلى أمة، لأن الله عز وجل قال: ﴿ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾. فلهذا فالصيام فرضه الله عز وجل على هذه الأمة كما فرضه على الأمم السابقة. والصيام عباد الله هي عبادة أمرنا الله عز وجل بها، والمراد بالصيام هو الإمساك، وفي الشرع هو إمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن الطعام والشراب والشهوة والجماع وجميع المفطرات مع النية. هكذا يقول العلماء، أو يقال: التعبد لله عز وجل بالإمساك عن الطعام والشراب وجميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. فقولهم «مع النية» مثل التعبد، أي نية التعبد والإخلاص لله جل وعلا، لأن الإنسان لو صام دون نية فليس هو الصيام الذي أراده الله عز وجل عنا. لو أن إنسانًا صام لأجل العلاج، امتنع عن الطعام وامتنع عن الشراب لأجل علاج يعالج نفسه، فهو لم يصم صيامًا شرعيًا، لابد أن يكون ذلك بنية لله مخلصًا لله جل وعلا. فالنية لابد منها، وتكون النية قبل طلوع الفجر، قبل أن يطلع الفجر، وهذا في الفرض، وأما في النفل فيجوز أن يحدث نية عند جمهور العلماء. ﴿كتب عليكم الصيام﴾، وهذا الصيام بينه الله عز وجل في الآيات الأخرى، فقال: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصومه﴾. فتبين من هذا أن هذا الصيام الذي كتبه الله عز وجل هو صيام شهر رمضان، هذا الذي كتبه الله عز وجل في زمان الصيام، وعلق ذلك الصيام بأسباب، وهي رؤية الهلال. فجاء في الصحيحين عن نبي هريرة وعن عبد الله بن عمر وغيرهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له». وجاء في حديث أبي هريرة: «فاقدروا عدة شعبان ثلاثين يومًا». فمثلا في هذا الشهر سيكون ثلاثين شعبان يوم الاثنين، فمن ليلة الاثنين فإن رؤية الهلال صار أول يوم في رمضان، وإن لم ير الهلال سواء كان لغيم أو لم يطلع الهلال فسيصوم الناس يوم الثلاثاء. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا». وأما الحساب بالتقاويم وغيرها فهي غير شرعية عند أكثر أهل العلم، بل ذكر شيخ الإسلام إجماع العلماء على ذلك إلا من شذ من أهل العلم. فمتى ما رآه أهل الثقة ممن وثق فيهم الأمير وغيره فإنهم يصومون على كلامهم، ولو رأوه بالمكبرات فهي تعتبر رؤية. ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، فلهذا فالصيام واجب على هذه الأمة أن تصوم كما بين الله عز وجل. فقال: ﴿كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، فهذه مدة الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. فإن تبين الفجر إما برؤيته برؤية الفجر على الأفق أو بأذان المؤذن الذي يعلم أنه يؤذن على الوقت، فإذا حصل له هذا اليقين فإنه يمتنع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات. وما كان في فمه فأكثر أهل العلم على أنه يلفظه، وما كان معه من شراب فكذلك أكثر أهل العلم على أنه لا يشربه. فالصائم يمتنع عن هذه الأشياء كلها التي ذكرها الله عز وجل وجاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنها تفطر الصائم. فلهذا فالصائم ينبغي عليه أن يحرص على صومه أن لا يخدشه بشيء، وكما قال أيضًا كثير من السلف: ليس الصوم فقط عن الطعام والشراب، وإنما الصوم كذلك عن المحرمات. كما جاء عن جابر وغيره، ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». أي أن الإنسان ينبغي أن يحافظ على صومه يحافظ على صومه أن يكون مخدوشًا ويكون أيضًا باطلًا بعدم أكل المفطرات أو أخذ المفطرات، ويحافظ على صومه أيضًا بأن لا يذهب أجر ذلك الصوم. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يتعلم هذه الأحكام وكذلك يعمل بها. الله عز وجل يذكر هذه الأحكام ثم يقول الله عز وجل: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته﴾، فالذي يتفقه في دين الله جل وعلا فهو أعظم الخير الذي حصله. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». فنسأل الله عز وجل التوفيق والهداية، ونسأل سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فهذه بعض الأحكام التي أخذناها في الصيام، ومن باب الذكرى فقط، وإلا فأحكام الصيام كثيرة ينبغي المسلم أن يتعلم هذه الأحكام ويدرسها ويتفقه فيها. فلهذا يحرص المسلم على أن يتعلم الصيام ويجلس الحلقات التي يتعلم فيها العبد الصيام وأحكامه. قال الله عز وجل في آخر الآية: ﴿لعلكم تتقون﴾، أي أن هذا الصيام يبلغكم التقوى. وقال العلماء: إن الصيام يبلغ التقوى من عدة أمور، منها أن النبي عليه الصلاة والسلام قد جاء عنه في الصحيحين أنه قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». فإذا صام الإنسان ضيق على الشيطان مجاريه، وهذا يدفعه إلى تقوى الله جل وعلا. ومنها أن الصائم يراقب ربه جل وعلا، فحتى يكون عمله صحيحًا وصيامه صحيحًا، وهذا لله. ولهذا قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «الصيام لي وأنا أجزي به»، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. قال العلماء: قول الله عز وجل «الصيام لي» مع أن العبادات كلها له سبحانه وتعالى، ولهذا جاء أيضًا في لفظ: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي». فالصيام يعلم على مراقبة الله جل وعلا، ولا شك أن من أعظم أمور التقوى هي مراقبة الله. فلهذا فهذا الأمر الثاني الذي يدفع العبد إلى تقوى الله جل وعلا. وأيضًا كذلك من الأمور التي ذكروها أن العبد إذا جاع وعطش تذكر أناس لا يأكلون وأناس لا يجدون ما يسد رمقهم، فيعطف على المسكين واليتيم والفقير، فيعطيهم من الصدقة، فهذا أيضًا يدفع إلى تقوى الله جل وعلا. فالصيام يدفع ويبلغ العبد تقوى الله جل وعلا، ولهذا لما أمر الله عز وجل بالصيام قال: ﴿لعلكم تتقون﴾. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. والحمد لله رب العالمين.