شرح الأصول الستة 17

شرح الأصول الستة 17

الدرس في شرح الأصول الستة 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في بيان العلم والعلماء

يناقش المؤلف مفهوم العلم والعلماء والفقه والفقهاء، ويوضح أن العلم المقصود هو العلم الشرعي. العلم الشرعي هو الذي يتعلق بالكتاب والسنة.

التمييز بين العلم الشرعي والعلم الدنيوي

يشرح الفرق بين العلم الشرعي والعلم الدنيوي من حيث التعريف والإطلاق والغاية والحكم. العلم الشرعي غاية في ذاته بينما العلم الدنيوي وسيلة.

التشبه بالعلماء وأنواعه وأحكامه

ينقسم التشبه بالعلماء إلى قسمين: محمود ومذموم. التشبه المذموم يؤدي إلى الفتن والضلالات بسبب افتاء غير المتخصصين.

ختام الدرس والتأكيد على العلم الإلهي

يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويؤكد على أن الله تعالى هو الأعلم. الختام يعبر عن الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، نطب مواصل إخواني في الله مع رسالة المؤلف رحمه الله تعالى في الأصول الستة، وهذا أوان الشروع في الأصل الرابع. فقال رحمه الله تعالى: الأصل الرابع بيان العلم والعلماء والفقه والفقهاء، وبيان من تشبه بهم وليس منهم. وقد بيّن الله تعالى هذا الأصل في أول سورة البقرة، من قوله: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ إلى قوله قبل ذكر إبراهيم عليه السلام: ﴿يا بني إسرائيل﴾، ويزيده وضوحًا ما صرحت به السنة في هذا الكلام الكثير البيّن الواضح للعام والخاص. ثم صار هذا أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه والبدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل، وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم. في هذا الأصل، إخواني في الله، تنبيه على أصل عظيم، وهو الكلام حول مبحث العلم والعلماء وما يتعلق به من مسائل، ولفت إلى حال الناس إذا ضل هذا الأصل العظيم. فقال رحمه الله تعالى: بيان العلم والعلماء والفقه والفقهاء. العلم، أخواني في الله، عرفه العلماء بعدة تعريفات، ومن هذه التعريفات المشهورة ما ذكره الجرجاني رحمه الله تعالى في كتابه التعريفات، حيث عرف العلماء بأنه الاعتقاد الجازم المطابق للواقع. فكون أن يكون التطابق بين الاعتقاد وبين ما هو حاصل وواقع، فهذا هو العلم. وتعريف آخر وهو كذلك مشهور عند أهل أصول، بقولهم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. فكونك يا عبد الله تتصور الأمر على كنهه وتدرك الأمر على حقيقته، فهذا هو العلم. وهم أرادوا بهذا إخراج باقي التصورات مثل الوهم ومثل الظن وغيرها من التصورات التي لا توافق الحقيقة مئة في المئة. وأما الفقه فهو كذلك بمعنى الفهم، واحل العقدة من لساني يفقه قولي، فالفقه هو الفهم. ومقصود المؤلفون رحمه الله تعالى بقوله بيان العلم، العلم هنا المؤلف رحمه الله تعالى ما قيد وما شرح وما ذكر أمرًا آخر فيه بيان إلى ما هي العلم الذي نحن بصدده. فما هو العلم الذي يعنيه المؤلف رحمه الله تعالى الذي ينبغي أن نقبل عليه وهو الذي ضلت فيه أمم من الناس؟ أخواني في الله، العلم الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بل وهو العلم الذي أمر به ربنا جل وعلا هو العلم المتعلق بالشريعة، وهو العلم المتعلق بالكتاب والسنة. هذا هو العلم الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وهكذا الفقه هو الفقه في دين الله جل وعلا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خير يفقهه في الدين». فإذا كان علمك وإذا كان فقهك في دين الله وفي الشريعة الربانية، فهذا هو العلم المحمود وهذا هو الفقه المطلوب. وعلى هذا الحال، إذا علمنا حقيقة العلم، إذا علمنا من هم العلماء، العلماء هم الذين ينشغلون بعلم الشريعة. وهنا لفتة نبه عليها العلماء، وهذا واضحة من سياق المؤلف رحمه الله تعالى بقوله بيان العلم، قال علماء أن كلمة علم إذا أطلقت إذا أطلقت فإنها تذهب مباشرة إلى العلم الشرعي. فقول المؤلف بيان العلم فلا يتأتى عند أحد من الناس يستشكل ما الذي أراد المؤلف بالعلم؟ هل هو علم الدنيا؟ فهل علوم كثيرة هناك علم الصناعة، علوم الحرف، علوم الصناعات، علم الهندسة، علم الطب، علوم كثيرة جدًا في دنيا الناس. فلا أحد يأتي بعد هذا ويستشكل في سياق المؤلف يقول أن المؤلف رحمه الله تعالى ما وضح ولا بيّن ولا قيّد ما هو العلم المقصود. فقال باب بيان العلم ما العلم؟ لا يقول علماء في هذه المسألة أن كلمة العلم إذا أطلقت فإنها لا تذهب إلا إلى العلم الشرعي، هذه قاعدة هذا الأصل. وهذا الذي عليه كلام العلماء، ومن هنا نعلم الخطأ الذي دبَّ عند كثير من المثقفين ومن المفكرين وحتى عند عامة الناس أنهم إذا أطلقوا العلم فأرادوا به العلم الدنيوي، وهذا خطأ. تجد مثال قريب تجد بعض هؤلاء إذا مسك آية أراد أن يفسرها وهذه الآية وافقت أو تطابقت ما عليه الناس أو ما عليه التجارب العلمية ويقول وهذه الآية يشهد لها العلم. يقول ما الذي تعنيه بالعلم؟ يقول أعنيه بالعلم الحديث لا ما يقال العلم هكذا لا تطلق لا تطلق إطلاق هذه الكلمة بمعناها أن هذه الآية يشهد لها العلم أي يشهد لها العلم الشرعي هذا المقصود بآية يشهد لها العلم الشرعي. لكن إطلاقات الناس في هذه المسألة ما يريدون هذا يريدون بالعلم إذا أطلق هنا أنه العلم الحديث أو إذا ذهب ابنه يدرس في مدارس الدنيوية التطبيقية التجريبية العلمية يقول له أين ابنه يدرس العلم؟ فتذهب للأذهان أنه العلم الشرعي. يقول له في الهندسة أو في الطب أو في الكيمياء أو في الطب ونحو ذلك، فلا العلم إخوان في الله إذا أطلق فلا يورد به إلا العلم الشرعي. وقد نبّه العلماء رحمه الله تعالى على هذه المسألة، وهنا ترى المؤلف رحمه الله تعالى جارى مجرى العلماء فقال بيان العلم والعلماء فأطلق العلم فهذا يحمل على أنه العلم الشرعي. وبدخولنا إخوان في الله في هذه المسألة وهنا ناسب أن نذكر الفرق بين العلم الشرعي وبين العلم الدنيوي. العلم الشرعي علوم كثيرة، علم التفسير، علم الحديث، علم الأصول، علم العقيدة، علم التوحيد، علم الفقه، هذه علوم التربية والسلوك، علم الأخلاق، هذه علوم شرعية. وعندنا بالمقابل هناك علوم دنيوية كعلم الطب، علم الكيمياء، علم الحرفة، علم الصناعة، علم الهندسة، علم الفلك، هذه علوم لكن هذه تحت ماذا؟ تحت مسمى العلوم الشرعية وهذه تحت مسمى العلوم التجريبية أو العلوم الدنيوية. فما الفرق بينهما؟ ذكر العلماء من المعاصرين الفروق بين هذا العلم وبين ذاك العلم. فمن تلك الفروق الإطلاقات كما قلنا أن العلم الشرعي إذا أطلق لك أن تطلقه من غير تقييد تقول العلم، أما تلك العلوم إذا أردتها فلابد أنك تقييدها لابد أنك تقييدها تقول علم الفلك، علم الهندسة، علم الطب. فهذا من باب النطق والإطلاق فهذا تحتاج إلى تقييد أي علوم الدنيوية، وأما ذاك فلا يحتاج إلى تقييد. وكذلك ما يتعلق من الفروق أن العلوم الشرعية هي غاية في ذاتها، هي غاية في نفسها، بخلاف العلوم الدنيوية فإنما هي وسيلة. فمن أراد أن يطلب العلم الشرعي فإنه يؤجر يؤجر مباشرة على علمه، يؤجر على العلم درس في حلقة درس في مقام درس في بيته درس في مسجده درس في أي مكان وقع، علم الشرعي فهذا غاية غاية متى ما وصلت إلى هذه الحلقات فاعلم أنك وصلت الذي أراده الله جل وعلا. تتعبد الله جل وعلا بهذه الأمر لأنه غاية أمر الله جل وعلا بها، بخلاف العلم الدنيوي فهو ليس غاية وإنما هو وسيلة. فإن كان ذهابك إلى هذه العلوم وأردت بذلك التقرب إلى الله جل وعلا بأنك تجلب على الناس ما فيه منفعتهم في دنياهم فإنك تؤجر. أردت من ذلك أنك تنهض بالأمة بإتيان بهذه العلوم الدنيوية بحيث تعلم أبناء المسلمين فإنك تؤجر، فهي وسيلة تحتاج منك إلى نية تحتاج منك إلى قصد حتى تجعل هذه الأعمال ماذا تكون مرضية عند الله جل وعلا، بخلاف العلوم الشرعية فهي في ذاتها أمر مرضي عند ربنا جل وعلا بالفقه والتعلم في دينه سبحانه وتعالى. فإذا من الفروق أن العلوم الشرعية هي غاية بينما علوم الدنيوية هي وسيلة من الوسائل. كذلكم الفروق وهي فروق كثيرة يذكرها العلماء بين هذا وذاك، منها الحكم يقول العلماء أن العلوم الشرعية أن حكمها يدور إما أنها فرض كفاية أو فرض عين. العلوم الشرعية إما أنها فرض كفاية أو أنها فرض عين كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة»، كما يصحح جماعة من أهل العلم، فهو فريضة إما فرض كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقي أو أنه فرض عين ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتعلموا هذه المسائل للعلوم الشرعية. بينما علوم الدنيا أعني فإنها تتراوح وتتفاوت قد تكون فرض كفائي قد تصل وقد تصل وتبقى إلى حده وهي الإباحة أنها إباحة لا يؤجر عليها العبد ولا شيء، بخلاف العلوم الشرعية فإنها تصل إلى هذا الحال. وكذلك من الفروق أن العلوم الشرعية ليست قابلة للخطأ، ليست قابلة للخطأ بخلاف العلوم الدنيوية فإنها قابلة للخطأ وإلى التجربة. فهذه إخواني فروق سريعة متعلقة بهذا الباب. فقول المؤلف رحمه الله تعالى بيان العلم والعلماء والفقه والفقهاء، إذن أراد المؤلف رحمه الله تعالى بالعلم هنا هو العلم الشرعي، أراد أن يوضح مسائل المتعلقة بالعلم الشرعي ومن هم العلماء؟ هما هم العلماء الذين ينشغلون بالعلم الشرعي. ثم قال رحمه الله تعالى: وبيان من تشبه بهم وليس منهم. التشبه بالعلماء يقول العلماء أنه ينقسم إلى قسمين، التشبه بالعلماء ينقسم إلى قسمين، إما أنه التشبه وهذا التشبه المراد منه التأسي، المراد منه التأسي تتشبه بالعلماء بأخلاقهم بطاعاتهم بعباداتهم بجدهم واجتهادهم، وهذا أمر محمود. وهذا أمر محمود تتأسى بهم، تنظر إلى هدي العلماء إلى السمت، ولا زال العلماء سلفًا عن خلف كل يأخذ من سمت الآخر من هديه. ولهذا جاءت المؤلفات في ذكر تراجم العلماء ولنما عرفت كيف كانت أحوالهم وكيف بلغوا إلى ما بلغوه من الرتب العليا في هذه الدنيا، فنتأسى بأخلاقهم وأعمالهم ونحتذي بهم. وكما قال القائل: «إن التشبه بالكرام فلاح»، تتشبه من أمثال هؤلاء الرجال بمثل هؤلاء الكرام فإن هذا من التشبه المحمود. وهناك تشبه آخر وهو التشبه المقصود به المحاكاة، أي أنك تحاكي أحوالهم كأنك هم، فتتكلم على ألسنتهم كأنك عالم رباني. تتشبه بهم بحيث تدعي للناس أنك وإياهم سواء، تحاكيهم في منزلتهم تحاكيهم في رتبتهم، فتسأل عن أي مسألة فتفت فيها تفت بها. والمأساة كما قال مؤلف رحمه الله تعالى: وليس منهم، ما عندك أهلية أهلية لأن تحاكي منزلة العلماء لأنك لست منهم أصلا. وهذه من أعظم الأضرار التي ابتليت بها الأمة هذا النوع نوع التشبه. كما قال مؤلف رحمه الله تعالى: وبيان من تشبه بهم وليس منهم، فالمؤلف رحمه الله تعالى أراد أن ينبه على القسم الثاني. إذن علمنا أن التشبه على قسمين، إما تشبه بالعلماء وهو التشبه المحمود، وهذا الذي يراد منه الاقتداء والاتساء. تتشبه بأخلاقهم بأعمالهم بطاعاتهم بتهجدهم بتحصيلهم من العلم، فهذا مما يحمد عليه صاحبه. وإما أن يكون التشبه على صورة المحاكاة، تتشبه بهم على أنك مثلهم تحاكيهم في أعمالهم وتحاكيهم في فتاويهم. فإذا سوء تنظر إلى ذاك الشيخ الذي قد جاء هنا قبل فترة كيف أجاب على بعض المسألة تقول: وما لله أفتي مثل ما أفتى، فتحاكيه تجاريه، فتأتيك الفتاة والمسألة تتكلم بها تخوض بها وأنت ما عندك أهلية لهذا الباب. وهذا أخوان البلاء العميم الذي دبّع الأمة من هذه المسألة. أن كثير من الناس هم أشبه عوام وأنصاف علماء ليس بعلماء، لكن جاءتهم فترة زمنية أو في بقعة مكانية استطاعوا أن يتسلطوا على أهلها وعلى أهل الزمن على أهل ذاك المكان، فنصبوا أنفسهم علماء وأنهم أهل الفتوى وأهل الفقه. فأخذوا يفتون بالمسائل العظام كمسائل الدماء والقتل والقتال بغير علم. وقد أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام بعظم هذه البلية كما جاء في الصحيح: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم أو حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسًا جهالا رؤوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». فسئلوا فأفتوا، هذه مشابهة شبهوا أنفسهم ونزلوا أنفسهم منزلة العلماء فأخذوا يفتون لكن بغير علم. ومن جراء هذا العمل الجلل ما الذي وقع؟ وقعت الضلالات ووقعت الجهالات، فتم الهلاك على المفتي وتم الهلاك كذلك على المستفتي. وما نراه في هذه الأزمان من الفتن العميمة والعريضة الذي وقعت في أمة محمد عليه الصلاة والسلام، ما نرى ذلك إلا من أعظم ما دفع الفتن إلى الوقوع مثل هذه المسألة. أن كثير من تعرض للمسألة النوازل ومسألة الدماء هم ليسوا بعلماء وليسوا من أهل الفتوى، وإنما هم أنصاف علماء. أنصاف علماء وأهل الفكر وثقافة ما تشربوا العلم الشرعي التشرب حيث ترسخ أقدامهم في العلم، فإذا بهم يتعجلون الفتوى فضلوا عن سواء السبيل وهلكوا وأهلكوا كذلك أناس كثر على بابهم وعلى تحت أقدامهم. وقد حقيقة التحذيرات العظيمة من هذه المسألة من ذلك ما قاله ابن حزم رحمه الله تعالى حيث قال: «لا آفة على العلوم أي آفة مضرة لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها». هذا أضر وأضر آفة أن ماذا؟ أن يدخل في العلم من ليس منه. قال رحمه الله تعالى: «ولا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون». فهو الأدخلاء الذين دخلوا على هذا الباب على باب العلم وهم ليسوا منه، فحاكوا كلام العلم وشبهوا وتشبهوا بهم في فتاويهم. لكن كان ذلك من أوسع أبواب الباطل. وسنأتي بإذن الله مسائل كثيرة نبين عليها المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر الصفات الذي به تعرف من هم علماء السوء من ماذا؟ من علماء الحق الذين أمر ربنا جل وعلا بالرجوع إليهم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.