الدرس في شرح الأصول الستة 28، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش مسألة الاجتهاد ويرفض فكرة إغلاق بابه، ويبين أهمية استمرار الاجتهاد لمواكبة تجدد المسائل. الاجتهاد يجب أن يكون مفتوحا لمواجهة الوقائع الجديدة.
يشرح أن الاجتهاد ليس مفتوحًا بلا ضوابط، بل يتطلب أهلية وملكات معينة مثل إلمام بأدلة الأحكام واللغة العربية. يوجد أنواع من المجتهدين، بما في ذلك المجتهد المطلق.
يحدد مجالات الاجتهاد في الأمور النوازل والمستجدة التي لا يوجد فيها نصوص واضحة، ويحذر من تطبيقه في الثوابت والأصول الشرعية. بعض الناس يخطئون في فهم نطاق الاجتهاد.
ينبه على أفكار معينة تم التطرق إليها، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يعبر عن علم الله تعالى وإدراكه لكل شيء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ولازلنا أخواني في الله في الأصل السادس، والذي ذكر فيه المؤلف رحمه الله تعالى تلكم الشبهة التي يستدل بها من يستدل في تسويغه لترك القرآن والسنة بحجة أنه ليس من أهل الاجتهاد، وذكرنا ما يتعلق بهذه المسألة، وعرجنا على مسألة طلب العلم والتفقه في القرآن والسنة، وأن هذه من الأمور المتعينة على كل فرد من الأفراد، ووجب على كل فرد أن يتفقه من الكتاب والسنة بما تصح به عبادته. كذلك تكلمنا في هذا الدرس ولم يتعلق بها مضمون هذا الأصل، نبهنا على خطأ الناس أولا في موقفهم من التفقه للقرآن والسنة. قلنا إن منهم من ترك العلم بالكلية، ومنهم من رضي بالتقليد والتبعية، وهذا غلط، وذاك كذلك خطأ. ننتقل كذلك إلى المرتبة الثانية، وهي مرتبة الاجتهاد، وذكرنا أن هذه المرتبة قد دلت الأدلة عليها، وقد سماهم ربنا جل وعلا بأهل الاستنباط، وهم أهل الاستخراج الذين يستخرجون الأحكام من محالها ومن مضانها، وينزلونها على واقع الناس. مسألة الاجتهاد كذلك من المسائل، ومن المقامات، ومن المراتب التي وقع فيها الخطأ. الناس في مسألة الاجتهاد بين طرفين متضادين، بين إفراط وتفريط، بين غلو وإسراف. فمن الناس من يرى أن باب الاجتهاد قد أغلق، فلا شيء يسمى عندهم باجتهاد، ليس هناك شيء اسمه اجتهاد، أو فلان يجتهد، هذا ليس عندهم. بل يرون أن الاجتهاد كان موجودا لفترة زمنية معينة، ثم أغلق هذا الباب. فيرون أن كل من أفتى بعد انغلاق هذا الباب أن قوله مردود، لا يكترث به ولا يبالى به. هذا الذي قال هذه المقالة وهي قد انتشرت، قيل في آخر فترة العباسية، وقيل في القرن السادس، لها مدة ظهرت مثل هذه المسألة، وهذه المقالة حتى طار بها الناس. فأصبح الواحد إذا كان ينتسب وينسب إلى العلم وإلى أهله، فإنه عليه أن يكتفي بالذي في مذهبه، يكتفي بالذي في مذهبه، لا يبتكر قويا من الأقوال، ولا يجوز عنها، ولا يخرج عنها، إنما يكتفي بما في مذهبه. وكانوا يرون أن علماء وفقهاء تلك الأزمان على أن من سولت له نفسه أن يتحرر ويجتهد ويأتي بمسألة من نفسه، أن هذا قد خالف الإجماع، وأن هذا أتى بأمر كبير وإفكا من القول. ويكفي أن تشعر أو أن تتمعن عظم البلية التي وقع فيها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مثلا، حينما كان من المفتين وكان من المتحررين. رحمه الله تعالى ورحمة واسعة، هو أهل لذلك، أهل الاجتهاد، فكان يفتي في كثير من المسائل التي تعترض له، فكانت هذه الفتاوى تأخذ نطاقا واسعا، فيتلقفها الناس فيعملوا بها. فإذا بفقهاء تلكم الأزمان وتلكم البلدان يستشيطون غضبا ويغضبون أيما غضب إذا سمعوا مثل هذه الفتاوى. كيف لشيخ الإسلام ابن تيمية أن يخرج عن قول المذهب، وأن يفتي بكذا وكذا، بأقوال لم يسبق إليها؟ فكانوا يرون أن الخروج والاجتهاد في تلكم الأزمان أن هذا لا يجوز، بل كان يتعرض، بل وقد أقيمت محاكمات لشيخ الإسلام ومن كان من أمثاله رحمه الله تعالى. هذا الذي يقول بانسداد باب الاجتهاد إما قد قال ذلك من باب التعصب والغلو في أتباعه وفي مدرسته ومذهبه، فلا يرى لأحد أن يخرج عنهم تعظيما لهم. وإما أن قائل هذه العبارة بأن الاجتهاد قد أغلق لعله مسوق لشرع، وهذا قد يوجد. فإن بعض الفقهاء ممن صرح بإغلاق باب الاجتهاد إنما ذلك أراد حماية للدين، وخاصة أن في تلك الأزمان قد قل فيها النشاط العلمي، وكثر الجهل، وظهر من ينتسب إلى العلم كذبا وادعاء وزورا. فخشي العلماء في تلك الفترة أن لو فتح باب الاجتهاد أنه سيدخل من أمثال هؤلاء من الجهلاء ومن المدسوسين على دين الله، ومن لا عنده دراية. وكذلك وجدوا أن السلطة الدينية ما عندها قدرة على ضبط الفتاوى، وأصبح ينفتح باب الفتاوى من غير انضباط. فظهر في تلك الفترة من كان يصرح بإغلاق باب الاجتهاد. لا نريد أن نقول إن الاجتهاد يكفي ما عندنا، يكفي ويغني الأمة. فكانت هذه بوادر حسنة اضطروا لهذه العبارة لما رأوا من فتح باب الشر على الأمة، لا ينغلق. لكن مع هذه النوايا الحسنة يقال: نعم، إنما كان ذلك لفترة معينة، في تلك الأزمان. أما يجعل هذا حكما عاما، حكما عاما بكل الأزمان ولكل الأجيال، فهذا لا يمكن، بل إن هذا لا يصح. فإن كان قائل هذا العبارة أراد هذه المعاني، فهذا مصوغ له، لكن يكون حكمه لذاك الزمن ولتلك الفترة وما شابهها. أما يطلق الحكم ويجعله ساري المفعول إلى مرور الأزمان والتقادم العهد، فهذا لا يجوز، بل إن هذا أمر مخالف للشرع، أي إغلاق باب الاجتهاد، وهكذا مخالف لدين الله جل وعلا. فإن المسائل والوقائع التي تعترض الأمة تتجدد فترة بعد فترة، وزمنا بعد زمن، ويحتاج الناس إلى من يفتي لهم في مثل هذه المسائل. فالاجتهاد واصل، والاجتهاد مفتوح، متواصل، ولا أحد يمكن أن يدعي إغلاقه. وقريبا من هذه المرتبة، ومن هذا الخطأ، أن من الناس من يقول: باب الاجتهاد مفتوح، لكنه بالفم، لكن في الواقع ليس مفتوحا. كيف ذاك؟ أنهم يجعلون شروطا تعجيزية للمجتهد، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة بقوله: قال والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافا، لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر. يعني بعض من باب التيئيس، وأن يبعد الناس عن هذا الباب. فإذا ما استطاعوا أن يصرحوا بأن باب الاجتهاد مغلق، فيقولون: باب الاجتهاد مفتوح، لكن بشروط الاجتهاد. فيرون مثلا أن من شروط المجتهد الذي ينتصب للفتوى والاجتهاد أن يكون حافظا لكذا وكذا من المتون، من عشرات المتون، أن يعرف الأصول والفروع، أن يكون ملم بالدين كله، بعلوم الدين من أوله إلى آخره، لا يترك شاذة ولا فاذة إلا قد مر بها وعرف ما فيها، وعرف خفاياها. فهذا لو ذهب عمره كله ما يمكن لأحد أن يستوعب هذه العلوم كما قال الزهري رحمه الله تعالى: العلم إن أعطيته كله لم يعطك إلا بعضه. هذا إذا أنت أعطيت العلم كل ما في عمرك ودهرك ما تنال من العلم إلا اليسير. فكيف مثل هذه العلوم ما يمكن لأحد أن يستحوذ عليها أبدا؟ فيضيقون، وضيقوا حتى جعلوا أن مرتبة الاجتهاد هذه المرتبة ما تكاد تعطى لأحد. كما قال المؤلف هنا: قال حتى ما هي مؤهلة في حق أبي بكر ولا في حق عمر، من كثرة التشديد والتقعيد لهذه الأوصاف. لذا الصحيح: هذا خطأ. بل القوم من يقول بأن باب الاجتهاد أغلق، وقريبا منه من يقول بأن باب الاجتهاد له أوصاف ضيقة، فهذا لم يصب القول. هذه منزلة الخطأ الثاني، وهم موازية للخطأ الأول. هؤلاء ضيقوا وألغوا باب الاجتهاد. القول الثاني: وهو المنفتح الذي فتح باب الاجتهاد على مصراعيه. ولا أقول فتحوا باب الاجتهاد، بل أقول كسروا باب الاجتهاد، كسروا باب الاجتهاد ودخلوا بكل عشوائية، بما تحمل هذه الكلمة من معنى عشوائية. فأخذ الواحد منهم الاجتهاد مفتوح، فتجد الأحداث وتجد الغلمان وتجد. وتجد من لم يتمرس بالعلم الشرعي، بل بعضهم ما عنده أهلية لأن يمسك إمامة مسجد، أو كذلك حلقة من حلقات الصغار. فإذا به يتأهل للأمور العظام في أمور الفتوى والنوازل والاجتهاد. هذا لا يمكن، هذا فوضى علمية. وهذا الذي ابتلينا به في هذا الأزمان. ابتلينا به في هذا الأزمان. إن كان أصحاب القول الأول قد ضيقوا باب الاجتهاد، أما هؤلاء القول الثاني قد ضيعوا الاجتهاد. فتجد وها نحن نرى في هذا الأزمان المسائل النوازل العظيمة تعرض على أناس قد شابت لحاهم في الإسلام، وقد رسخت أقدامهم في العلم، ومع ذلك يهابون أن يتكلموا في بعض المسائل التي تتعلق بالدماء، تتعلق بالأعراض. ومع هذه الخوف من أمثال هؤلاء الجبال الكبار، إلا أن بالمقابل تجد أناسا من الأحداث الصغار، من يتفز الفتوى، يفتي في الأعراض، ويفتي في الدماء، ويفتي في النوازل، ويفتي في النوازل الكبار التي بفتواها الضالة المضلة، والتي ما هي منضبطة مستنبطة من الأدلة الشرعية. فإن نرى بجرائرها، ونرى من آثارها، وثمارياتها، ما نرى في أرض الواقع من عموم البلاء، وعموم الفساد بين الأفراد والمجتمعات. فهذا القول الثاني، قول من يقول إن الاجتهاد مفتوح، ولا يحجر على أحد، هذا غلط، لا. فالقول الصحيح هو القول الوسط في هذا الباب. نقول: إن باب الاجتهاد ليس مغلقا، بل هو مفتوح، لكن بضوابط، لكن بضوابط. بهذا تكون مسألة الاجتهاد تسير على مسارها الصحيح. ما هي الضوابط؟ أهل العلم ذكروا أن لابد للمجتهد الذي ينبري للمسائل العظام والمسائل الكبار، لابد أن تكون عنده أهلية للحكم على هذه المسألة. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فهذا يدلك على أن أصحاب الاجتهاد لهم وصف أدق، ولهم وصف خاص. فهم يوجدون في المجتمعات في كل زمان ومكان. واختلفت أنظار العلماء في تحديد الأوصاف التي ينبغي أن تتوفر في المجتهد. لكن هذا يرجع إلى مباحث أصول الفقه، فقد ذكروا هذا الباب، وفصلوا الشروط التي ينبغي أن يتقيد بها كل مفت. فمن ذلكم أن المجتهد لابد أن يكون عنده إلمام بأدلة الأحكام، عنده إلمام بالأدلة الشرعية، عنده شيء من كتاب الله، حافظ لكتاب الله، عنده إلمام بأدلة السنة، حتى يستدل بها في فتواه، في اجتهاده. كذلكم يقولون: إن المجتهد لابد عنده ملكة في اللغة العربية، يعرف اللغة، يعرف معاني الكلمات، يعرف إعرابا. من شروط المجتهد عنده كذلك ملكة في أصول الفقه، ويتبرع في هذا الباب، وخاصة ما يتعلق بدلالات الأحكام، يعرف المطلق من المقيد، العام من الخاص. هذا لابد منه. كذلك من الأمور التي تلازم المجتهد في فتواه: أن تكون عنده معرفة بالناسخ والمنسوخ، وهذا لابد منه، حتى لا يفتي بأدلة ليست على محلها، يعرف الناسخ، يعرف المنسوخ، يعرف مواقع الاختلاف، تعرف هذه مسألة التي فيها اختلاف، حتى لا يدعي الإجماع، وفيها خلاف مسبق. وكذلك أن يتعرف على مواقع الإجماع، يعرف أن هذه مسألة قد أجمع عليها، وعنده إلمام كامل، أو عام، أو غالب حول المسألة التي أجمع عليها العلماء، وهي محدودة، مقصورة، مدونة في كتب الفقهاء، تلم بمثل هذه الأحكام. يقول: عنده كذلك شيء من علم الحديث، يعرف صحة الأحاديث من ضعفها، لا يكون إذا يأتيه حديث مشهور في الأسواق، ثم يجعله دليلا من أدلة شرعية، بحجة أن هذا الحديث قد انتشر بين العامة. لا. ما يتأتى له المشهد عنده أهلية للنظر، أن يعرف أن هذا الحديث الصحيح فيحكم به، فيعمل به، وأن هذا ضعيف معلل، فلا يستدل به. وهكذا أخواني في الله، مسائل تحتاج إلى جد والاجتهاد، وإلى نبوغ فيها. إذا من بلغها، هذا حين قد بلغ إلى مرتبة الاجتهاد. وهي كما يقال: هذه الأمور ليست بالمحالة، بل هي موجودة، ومؤهلة لمن جد، ولمن ثابر، ونشط، وسارع خطى في طلب العلم. فإن الله جل وعلا يوصله إلى مثل هذه المنازل العالية، منازل الاجتهاد. وهي كما ترون غير محصورة لأحد، بل هي مشاعة لكل من طلب العلم، وصدق الله جل وعلا في طلب العلم، فيصل إلى مثل هذه العلوم. وهنا نحن نرى من علمائنا من المجتهدين في هذه الأزمان، ممن قد أحاط بمثل هذه العلوم الإحاطة التي تخوله أن يكون مجتهدا، وأن يكون كذلك مفتيا. هذه أخوانا في الله خلاصة المسألة في باب الاجتهاد. إذن فالاجتهاد هو بين إفراط وتفريط. لا نقول إن باب الاجتهاد أغلق، ولا نقول إن باب الاجتهاد فتح على مصراعيه. بل هو ليس مغلقا، بل هو مفتوح، لكن بضوابطه الشرعية. كذلك تأتي مسائل متعلقة بالاجتهاد. نقول: علماء أن الاجتهاد قد يتجزأ، الاجتهاد قد يتجزأ. يمكن لشخص معين أن يكون مجتهدا، لكن في فن من الفنون. فالعلماء في هذا الباب يقسمون أهل الاجتهاد إلى أقسام: إلى مجتهد مطلق. المجتهد المطلق: هو المجتهد الذي عنده الإلمام بفنون الشريعة، وبعلوم الشريعة، في التفسير له باع، في القراءات له باع، في باب الحديث والمصطلح، في باب التاريخ والسير، في باب اللغة وعلومها، في باب أصول فقه، وقس على ذلك في أبواب الدين والفقه والتشريع. هذه الأبواب قد ألم بها، وأحكمها، وأتقنها. هذا يسمى مجتهد مطلق. وهذا الذي ذكر عنه السيوطي رحمه الله تعالى: أن هذا كاد أن يفقد هذا الوصف، بهذه الصورة، عالم بهذا الإلمام. قال: هذا يكاد أن يفقد، قد يئس منه. معنى كلامنا: قد يئسنا من وجود هذا الصنف من علماء المجتهدين الذين بلغوا إلى هذه الرتبة، وأن أمثالهم انقرضوا منذ عهد قديم، كما قال رحمه الله تعالى. لكن يقول العلماء: لحسن أنه حكر فضل الله الواسع، فقد يأتي من الناس من أهل العناية من يكون عنده نبوغ في مثل هذه الأمور، وعنده إلمام في مثل هذه الفنون. فهذا يسمى مجتهد مطلق. وهناك دونه، وهو المجتهد يكون في باب من أبواب الدين. وهذا نرى في أصحاب الاختصاص، ربما رجل يكون له باع في أصول الفقه، ويتمرس في هذا الباب، وعنده دراية وحنكة وإلمام لهذا الباب، فيكون مجتهدا فيه. وهكذا قس في باب الحديث، وفي باب المصطلح، كما رأينا من رجالات في هذا الباب، ممن شابت لحيته على كتب الرجال، وعلى كتب العلل، وعلى كتب الحديث، فأتقنها وحفظها، وعلم ما يتعلق بعللها الظاهرة والخفية، والحكم على الرجال، وما عرف مواطن العلل، ونحو ذلك. فمثل هؤلاء قد نبغوا فيه، فإنه يفتي، يصدر به الحال، أو ربما يحكم على أحد من الحديث: أنه معلل، أو أنه ضعيف، وإن لم يسبق إليه، لقوة علمه، ولا أحد يزاحمه في هذا الباب. فهذا اجتهاد قد يصله إليه بعض الناس. وهكذا قس في إسار الأمور. كذلك من المسائل المتعلقة بالاجتهاد: مع القول بأن الاجتهاد قد فتح، لكن بضوابطه الشرعية، ينبغي أن نعلم ما هي مجالات الاجتهاد أصلا؟ ما هي مجالات الاجتهاد؟ مثاله: لو وجدنا رجلا بلغ من العلم ما بلغ، عنده إلمام في اللغة، وفي الأصول، واللغة العربية، وعنده إحكام وإتقان للأدلة الشرعية، عنده أهلية الاجتهاد. بقي السؤال: في ماذا سيجتهد؟ في ماذا سيجتهد؟ يقول علماء: هذا الاجتهاد محله في الأمور النوازل، في الأمور الكبار، في الأمور التي تستجد على الأمة، مسائل كثيرة ابتلينا بها في هذا الأزمان. ونحن في عصر السرعة والتقدم والتطور، داخل أشياء شائكة على الناس، قد لا يعرفونها، مسائل متعلقة في الجراحة، مسائل متعلقة في الصناعة، مسائل كثيرة متعلقة بالبيوع، بالأرصدة، بالبورصة، أشياء ما كانت تعرف في عرفها. فهذه المسائل قد نزلت على الناس، يحتاجون من يتجشم العناء في الحكم عليها، هذه المسائل النازلة، هذا محل اجتهاد فيها، مسائل استجدت على الناس. فبهذا المعنى نعلم خطأ الذي وقع فيه بعض من يدعي الاجتهاد، أو يسوق الاجتهاد في أبواب ما يسوغ فيه الاجتهاد. مثاله: كمن يريد أن الاجتهاد يكون من مجالاته: أنه يكون فيه الاجتهاد في أصل التشريع، في أصل التشريع. يعني التشريع واضح، الملة والأمة ترجع إلى الكتاب والسنة. فتنبهر وتتعجب أن بعض الناس، خاصة في هذا الزمن المعاصر، العقلانيين يرون أن من مجالات التجديد: أنه لا بأس للمجتهد أنه يجتهد في التشريع، في أصول التشريع. وهذا ما يسمونه في بعض عناوينهم: ماذا؟ الفكر التجديدي، أو التجديد في الإسلام. فهذه الدعوة بعضهم -أقول بعض وليس الكل- بعضهم يريد مثل هذه العناوين: أنه يعيد ويبدأ في أصول التشريع، في الكتاب والسنة، وأنه يسطر قواعد جديدة، قواعد جديدة في استحداث أمور ما كان السلف يعرفها في أصول دين الله عز وجل. حتى سمعنا أن بعض هؤلاء العقلانيين المعاصرين كان يقول: قاعدة قاعدة تبنى عليها السلف والخلف، ولا غبار عليها: بأن الصحابة كلهم عدول. فيقول بعض هؤلاء النوابغ الحمقى: يقول: ما هذه القاعدة؟ لابد نقول بالتجديد، ولابد أن مثل هذه القواعد تحتاج إلى إعادة نظر، إلى إعادة نظر. يريدون أن يرجعوا إلى الأصول والثوابت التي قامت عليها الأمة بالأدلة الشرعية، والإجماع الذي لم يخالف فيه أحد. يريدون أن تبقى هذه الثوابت هي من المتغيرات، يمكن أن نعيد النظر فيها، أن نجدد فيها، أن نغيرها، أن نبدلها، بحجة الاجتهاد. لا. هذا ما كان، ليس له اجتهاد. الاجتهاد في الثوابت، الاجتهاد في الأصول، الاجتهاد في أمور الشريعة، هذه ليس محل اجتهاد. كذلك من الأخطاء التي يقع فيها الاجتهاد: أنهم يجتهدون كما يقول العلماء: باجتهاد يقابل النص. كيف يكون الاجتهاد مع مقابلة النص؟ إنما فتح باب الاجتهاد في الأمور التي تنازع الناس فيها، وما عندهم من يفتيهم، وما عندهم أدلة شرعية تعينهم على الحكم فيها، فهي مسألة مستجدة جديدة، إذا ما عندهم نصوص واضحة. فكيف بعد هذا يأتي بعض الناس ويرى أنهم يجوزون الاجتهاد في مسائل قد حكم فيها الشرع أصلا؟ وهذه كذلك دعوة قد استبيحت في هذه الأزمان المتأخرة، وخاصة مع انفتاح الناس على بلاد الغرب، وانتشار الفكر العقلاني. تجد بعض الناس يريد أن يغير في كثير من الأحكام الشرعية. مثاله: مسألة الطلاق، مسألة الطلاق، مسألة التي قد جاء بها النص في القرآن، وجاء بها النص في السنة النبوية الصحيحة، وجرى عليه عمل السلف قديما وحديثا، بإجماع، ومحل قد تم فيه قطع الكلام فيه. فيأتي بعض الناس ويرى: لماذا نجعل عصمة الطلاق بيد الرجل؟ لماذا لا تكون في يد المرأة؟ لماذا المرأة تكون مظلومة، تكون مبتلى، كم يقال: أحرف ينطق بها الرجل: أنت طالق، ذهبت حياتها وضاعت وتشتت؟ لماذا هذا ما ينبغي؟ بل نعيد، نجعل هل يمكن أن نجعل عصمة الطلاق بيد المرأة؟ وهذا موجود. موضوع الميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين، يقول بعضهم: هذا نعم، هذا في القرآن والسنة، لكن لو وضعت تغيرت الآن، وضعت تغيرت الآن. أصبحت المرأة مثل رجل، تعاني في أراضي التمدن وأراضي التقدم، أصبحت المرأة مثل رجل، عليها تبعات، عليها ديون في المحلات، عليها تبعات عند الشركات، عليها ضرائب تدفعها في بعض الدول. إذن هي مثل الرجل، لماذا نجعلها من نصف ميراث الرجل، وهي سواء بسواء؟ فأصبحوا يعيدون النظر في مثل هذه المسائل التي قد دل الشرح حكم الشرع عليها أصلا. فهل يقول قائل بعد هذا: إن مثل هذه المسائل هي محل اجتهاد؟ لا. هذه ليست محل اجتهاد. فلا اجتهاد في مقابلة النص، كما يقول العلماء. فهذه أخواني في الله مسائل سريعة نبهنا عليها، وخاصة أن هذا المجال مجال الكلام على مسألة الاجتهاد، وهي مسائل مهمة وخطيرة، وخاصة قد ابتلينا بها في هذا الأزمان، ولدى كثير ممن يدعي العلم، هم ليسوا من أهل العلم، وإنما هم أفكار عقلانية مختلطة ببعض المذاهب اللادينية. فانبرت مثل هذه الأفكار، فأحببنا أن ننبه عليها. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.