الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع تفسير آية غض الأصوات عند رسول الله وأهمية امتحان القلوب للتقوى. يبرز أمثلة من الصحابة الذين امتثلوا لأمر الله.
يشرح المقطع فوائد الآية في امتحان القلوب وإصلاحها، ويبين أهمية احترام العلماء واتباع أوامر الله. الابتلاء يمكن أن يرفع درجات العبد المؤمن.
القلب هو محل نظر الله ومحل الامتحان، واستقامته تؤدي إلى استقامة الأعضاء. القلوب تفتح أو تغلق بحسب استجابتها للخير أو الشر.
يختتم الدرس بالدعاء والتوجه إلى الله، ويشكر الحضور على استماعهم. يطلب من الله الصلاة على النبي محمد وآله.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قائد الغر الميامين، عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن أصحاب رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه. أما بعد، فهذا اليوم، إن شاء الله تعالى، نأخذ قول الله جل وعلا، أو تفسير، وما جاء في فوائد قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. هذه الآية يخبر الله بعد ما ذكر تحذيره سبحانه وتعالى من رفع الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجعل ربنا سبحانه وتعالى مثالا للقدوة، وكيف أن هناك من عباد الله عز وجل من يستمع للأمر، وأيضا إذا امتحن فإنه يفوز، وأيضا يصل إلى درجة عظيمة، قد يصل إلى مئة في المئة في امتحانه. فلهذا ربنا جل وعلا جعل مثالا لهذه الأمة قدوتها بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبو بكر وعمر، كما قلنا أن الآية التي قبلها نزلت فيهما، فلهذا امتثل أمر الله جل وعلا، بل بالمبالغة، فكان عمر رضي الله عنه لا يحادث ولا يكلم النبي عليه الصلاة والسلام حتى يستفهمه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يخفض صوته، وكذلك أبو بكر رضي الله عنهما. فلهذا أثنى الله عز وجل عليهما في هذه الآية، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. نهاهم عن ذلك فامتثلوا، بل أنهم امتثلوا امتثالا عظيما، ليس فقط أنهم يغضون أصواتهم، بل يخفضونها خفضا شديدا، وهذا امتثالا لأمر الله عز وجل. وهذا أيضا، كما قلنا، مثالا جعله الله عز وجل للأمة، أنهم كيف إذا جاءهم الأمر، وكيف إذا جاءهم النهي من الله عز وجل. فهذا الرعيل الأول، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكانوا وقافين عند كتاب الله جل وعلا، فلهذا قال الله عز وجل، وهي النتيجة من الامتحان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. فهنا قوله: "يغضون" أي لا يرفعون أصواتهم، ولا يشوشون على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا تكلم. يغضون أصواتهم عند رسول الله، وهذا من فائدة هذه الآية، ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من إجلال لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، حتى أنهم يخفضون أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل بعضهم ما كان حتى يستطيع النظر إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا البطل المغوار، الرجل الشجاع المؤمن، عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم في زمن الحديبية، وفي نفس السنة أمره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة ذات السلاسل. وقيل أنها في السنة السابعة، لكن الظاهر أنها كأكثر أهل السير على أنها في نفس السنة. هذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يثق به، وكذلك أيضا لأنه كان بطلا أمره، وكان في الجيش أبو بكر وعمر. فكان هذا البطل يقول عن نفسه، لما حضره الموت: "لو قيل لي صف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أستطيع أن أصفه، فما كنت أستطيع أن أحد النظر إليه صلوات الله عليه وسلم، هيبة له". أنا ما أستطيع أن ينظر إليه حتى وهو يتكلم، هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وتجد أيضا أمثاله كثير من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب. وإنما ذكرت عمر بن العاص، لأن كثيرا من الشيعة أخزاهم الله، وكذلك من يتلقف كلامهم من الإخواء المسلمين وغيرهم، تجد أنهم يتكلمون في هذا الصحابي الجليل، ويتهمونه بأشياء هو بريء منها، وهو قد شهد له النبي عليه الصلاة والسلام والسلام بالإيمان. فقال صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح مسلم: «عمر وهشام أبناء العاص مؤمنان». أن صرح بإيمانهما صلوات الله وسلامه عليه. وأيضا في هذه الآية من الفوائد العظيمة امتحان القلوب. امتحان القلوب يمتحن الله عز وجل قلوب العباد ليرى منهم الذي يلتزم أمر الله، ومنهم الذي لا يلتزم أمر الله جل وعلا. كما قال الله عز وجل: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. احنا أمر غيبي، والتقوى هذا أمر في القلب. وقال الله عز وجل أيضا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. فلهذا ربنا جل وعلا يمتحن القلوب، ونحن أهل الإسلام دائما يمتحن الله عز وجل قلوبنا في أي لحظة، وفي أي وقت يمتحنك الله عز وجل ويمتحن قلبك. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِيَمْتَحِنَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. فلهذا ربنا جل وعلا يمتحن قلوب عباده، وهذا أيضا من فوائد هذه الآية امتحان القلوب. لكن ربنا جل وعلا هنا قال: "امتحن الله قلوبهم للتقوى"، أي هؤلاء الذين امتحن الله عز وجل قلوبهم خرجوا من هذا الامتحان بامتياز عظيم، وهي نتيجته تقوى الله جل وعلا، فزادت التقوى في قلوبهم، وعظمت التقوى في قلوبهم. وهذا من أعظم الفوز في هذا الامتحان الذي يمتحن الله عز وجل به عباده. بل ربنا جل وعلا ما خلق هذه الحياة إلا ليبلو عباده جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. والابتلاء هو الامتحان. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا�، أَيْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُرِدِ الْعَمَلَ فَقَطْ، بَلْ أَرَادَ إِحْسَانَ الْعَمَلِ. وَهَذَا هُوَ الِابْتِلَاءُ الْعَظِيمُ، وَهَذَا الِامْتِحَانُ الْعَظِيمُ، أَنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْتَحِنُ عَبْدَهُ، لَيْسَ لِأَجْلِ أَنْ يَعْمَلَ فَقَطْ، بَلْ أَنْ يَعْمَلَ وَيُحْسِنَ عَمَلَهُ، يُؤَدِّي هَذَا الْعَمَلَ عَلَى مَا أَرَادَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فلهذا من فوائد هذه الآية، وإن شاء الله تعالى نتكلم على امتحان القلوب، امتحان القلوب لتقوى سبحانه وتعالى، لأن هذه القلوب اللينة، القلوب التي تخشع لله عز وجل، القلوب التي تخاف من الله سبحانه وتعالى، سرعان ما تأتيها التقوى، وأيضا سرعان ما تفوز في هذه الاختبارات والامتحانات. وكما قال العبد الصالح العالم بشر بن الحارث رحمه الله: «قال في أحمد بن حنبل: أن أحمد أدخل الكير فأخرج ذهبا أحمر». والذهب الأحمر ليس فيه شوائب، فإذا أدخلته الكير لم تخرج منه شيء من الشوائب لأنه أصلا صافي. وهكذا أهل الإيمان وأهل التقوى. وهذه الآية أيضا كذلك أدخل فيها أفضل الناس في هذه الأمة بعد نبيها، فخرجوا ذهبا أحمر صافيا ليس فيه شيء من هذه الشوائب، لأن الامتحان تعلوه شوائب كثيرة. مثل ما يدخل الحديد في الكير فيخرج خبثه، لكن هذه وهكذا العبد المؤمن تأتيه الامتحانات، فكأنه يدخل هذا الكير، فلابد عليه إن أراد أن يفوز أن يخرج من هذا الامتحان بدون أن تعلق به شوائب، هذا الفوز العظيم. وهذا الامتحان الذي تعقبه تقوى الله جل وعلا، فإن العمل تتعلق به شوائب كثيرة. ولهذا العبد المؤمن أن يخلصها من هذه الشوائب. أيضا كذلك من فوائد هذه الآية إصلاح القلب. في هذه الآية إشارة إلى إصلاح القلب، وأن المؤمن ينبغي عليه أن يهتم بقلبه ويصلح قلبه. وكما جاء في الصحيحين، في حديث الشعبي عن النعمان بن بشير، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد». فلابد من الاعتناء بالقلب. أيضا كذلك من فوائد هذه الآية مغفرة الله عز وجل لعباده، إنهم امتثلوا أمره واجتنبوا نهيه، فإنه يقابلهم سبحانه وتعالى بمغفرة ذنوبهم، وهو الغاية العظيمة التي يطلبها العبد المؤمن، أن الله عز وجل يتجاوز عن ذنوبه ويغفرها له. فلهذا فربنا جل وعلا يكرم عباده بمغفرته لهم، بل أنه في هذه الآية قال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ليس فقط المغفرة، المغفرة تكون للسيئات وللذنوب، لكن هنا أيضا "وأجر عظيم" أيضا حسنات. ليس فقط أنه يغفر له فقط، بل أيضا يزاد في حسناته، وهذا أمره عظيم جدا. فإن العبد إذا امتثل أمر الله بعد الابتلاء، فإن الله عز وجل يعطيه درجات عظيمة، ويرفع الله عز وجل به درجات. ولهذا وهذا النبي عليه الصلاة والسلام، كما في السنن، بيّن أن من عباد الله من يبتليه الله عز وجل لأجل أن يرفعه. كما جاء في الحديث: «أن العبد له درجة لا يستطيع أن يبلغها بعمله، فيبتليه الله عز وجل فيبلغها بالابتلاء والامتحان». أن له درجة يعطيه الله عز وجل درجة عظيمة، لكن لو كانت بعمله ما استطاع أن يصل إلى هذه الدرجة. فيبتليه الله عز وجل إما بمصيبة، وإما بمرض، وإما أيضا ابتلاء في دينه، وهو أعظم، فيخرج من هذا الابتلاء وقد فاز في هذا الامتحان، فيعطيه الله عز وجل هذه الدرجة العظيمة التي لا يستطيع أن يصل لها بعمله. وهذا يدلك على أهمية هذا الابتلاء والامتحان. فالذي يفوز في هذا الامتحان يرفعه الله عز وجل درجات عظيمة. وهذا المراد من قول الله عز وجل: ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. فلهذا هذه الفوائد العظيمة التي ذكرت في هذه الآية، فأولا غض الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم من أكثر الناس امتثالا لهذا الأمر. وكما قلنا أيضا يستنبط من هذه الآية، كما قال العلماء أيضا، غض الصوت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبعه أيضا بقية المساجد، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إياكم وهيشات الأسواق». وأيضا كذلك يتبعه أيضا غض الصوت عند العلماء، وخفض الصوت عند العلماء، وعدم الجرى عليهم، وعدم الجرى عليهم. وهذا الذي أيضا التزم به السلف رحمهم الله. فابن عباس جلس سنة أراد أن يسأل عمر عن المسألة، أو عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم التي نزلت فيهم أول سورة التحريم، جلس سنة كاملة وهو لم يستطع أن يسأله حتى جاءت الفرصة وسأله. وهذا يدل على إعظامهم للعلماء. وقد جاء عند أحمد والنسائي حديث بموسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم». إكرام ذي الشيبة المسلم، أي الكبير، لابد أن يكرم. من إجلال الله إكرام الذي يكون على السنة، يحب السنة، يحب الصلاة، هذا لابد أن يكرم، وأيضا يحترم. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن من إكرام الله إجلال ذي الشيبة المسلم». هذا إذا كان ليس أبا له، فكيف إذا كان بأبيه؟ فهذا لا شك أنه يكرمه أكثر وأعظم. قال: «إكرام ذي الشيبة المسلم، والحامل، والسلطان المقسط». سلطان العادل. «والحامل للقرآن غير الغالي عنه والجافي فيه». الحامل للقرآن الذي يحمل القرآن ويحفظ القرآن، ومن أعظم هؤلاء هم العلماء، هم العلماء الذين حفظوا القرآن، وكذلك حفظوا معنى العمل به، وبينوا للناس كيف يطبق هذا الكتاب العظيم. فهؤلاء يحترمون. ولهذا كما قلنا كان السلف من أشد الناس احتراما للعلماء، حتى يقول الإمام أبو عبد الرحمن ابن المبارك رحمه الله: «لما جاء إلى مجلس الإمام مالك، قال: يخشى السؤال فلا يراجع، هيبة، والسائلون نواكس الأذقان». انظر إلى هذا الوصف العظيم يصف مجلس مالك. أنه كان الناس لا يستطيعون أن يراجعونه، هيبة له، وأيضا إذا أراد الإنسان أن يسأل ينكس رأسه احتراما لهذا الإمام، احتراما للعلم. ولهذا سليمان بن عبد الملك لما جاء إلى عطاء بن أبي رباح، وعطاء رجل أو عبد أسود، أنا كان عبد لبعض أهل مكة، وكان أيضا أسودا، وأفطس الأنف، وأيضا فيه فقرة زائدة في خلفه. لكن رفعه الله عز وجل بالعلم، كان مفتي أهل مكة، كان ابن عباس وهو شيخ يقول: «كيف تسألوني وفيكم عطاء؟» فكان رفعه الله عز وجل بالعلم. فجاء سليمان بن عبد الملك وهو خليفة المسلمين، جاء إلى عطاء هو وأبناءه، فانتظر، فكان عطاء يصلي، فلم يلتفت إليه حتى أتم صلاته. ثم جلس يكلمه بصوت منخفض، ويكلمه بصوت يجله بهذا، بعنه خليفة المسلمين. ثم قال لأبنائه: «حدا ما خرج من عنده». قال لأبناء: «انظروا أو اذكروا ذلنا لهذا العبد، ما يريد أن يعلمهم أننا ما أذللنا لهذا الرجل إلا لأجل العلم الذي عنده». العلم هو الذي أذلنا له، واجعلنا نحترمه ونقدره. ولولا العلم لما فعلنا ذلك. فلهذا كان الناس يعرفون حقا لعلمائهم. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام عند أحمد والترمذي، في حديث أبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يحترم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». يعرف حق العلماء. فلهذا كما قلنا هذا من فوائد هذه الآية، أو مما يستنبط كما ذكر العلماء من هذه الآية العظيمة. فالصحابة رضي الله عنهم كان عندهم النبي عليه الصلاة والسلام، فبعده ورثته العلماء، فلهذا يحترمون ويجلون. مع أيضا ذكر هذه الآيات العظيمة. ومن أعظم إجلال العلماء أنه يرجع إليهم أيضا في الملمات، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أيضا عباد الله، كما قلنا من الفوائد التي نأخذها من هذه الآية امتحان القلوب، وهذا أمر عظيم جدا. امتحان هذه القلوب التي ينبغي المسلم أن يصلحها. هنا ربنا جل وعلا قال: "امتحن الله قلوبهم للتقوى"، لم يقل أبدانهم، ولم يقل شيئا ما، قال: "قلوبهم"، لأن محل الامتحان هي القلوب، ومحل نظر الله عز وجل في القلوب. ولهذا أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله لا ينظر إلى أشكالكم، ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. فالقلب هو محل نظر الله عز وجل، والقلب إذا استقام استقامت الأعضاء. ولهذا بعض الناس يقول: "العمدة على القلب". صحيح العمدة على القلب، لكن إذا استقام القلب استقامت الأعضاء، وإذا لم تستقم الأعضاء لابد أن القلب لم يستقم. أنا في خراب في القلب. فلهذا فالمركز الرئيسي للأعضاء هو القلب: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد». فلهذا بعض الناس مثلا يقول: "هل أهمي أنني أطلق لحيتي، وأقصر ثوبي، وكذا من هذا؟" هذا أشياء بعضهم يقول: "هذا شكليات". هذا ما ينفع. لا، هذا امتثال أمر الله، وأمر رسوله، ويدل على التقوى التي في قلبك، يدل على أنك رجل من أهل التقوى. لهذا امتثلت أمر الله، أطلقت لحيتك، رفعت توبك من الإسبال، معناه فوق الكعب، وغيرها من هذه الشكليات كما يسمونها. لكنها شكليات أمر الله عز وجل بها، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بها، فأنت تمتثل ليس لأجل أنه شكلي، وإنما لأجل التقوى التي في قلبك هي التي تجعلك تمتثل. ولهذا يقول العلماء: "أن صلاح الظاهر بصلاح الباطن، وصلاح الباطن بصلاح الظاهر يتلازمان". لا يقول للشخص: "أنا نيتي صالحة، أنا قلبي نظيف، أنا قلبي كذا". من الذي زكاه الله عز وجل؟ عليم بذات الصدور هو الذي يزكي عباده سبحانه وتعالى، ويزكي قلوبهم. فلهذا فهذا القلب عباد الله تأتي له أدواء وعلل ذكرها الله عز وجل في القرآن. منها الغفلة، الغشوة، كذلك الإسوداد كما في الحديث، كذلك أيضا الإشمئزاز، تشمئز قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، والإقفال الذي يحصل من بعض القلوب، والغلف، وغيرها مما وصفه الله عز وجل في هذه القلوب. وغالبا نتيجة مثل هذه القلوب التي تغلق قلوبها عن الحق، على ما يستمعون للحق، ولا يستمعون للذكر، يغلقون قلوبهم كما ذكرهم الله عز وجل. أيضا النتيجة، النتيجة كما ذكر الله عز وجل أيضا: "الطبع على قلوبهم، الختم على قلوبهم، الغشاوة على قلوبهم، الران على قلوبهم". فتجد أن قلوبهم تغلق بسبب بسببهم، أنهم لم يفتحوا قلوبهم للخير، لم تفتح قلوبهم للخير، فأغلقت هذه القلوب، وصار عليها الطبع والختم، وعليها الغشاوة والران، وعليها الإسوداد، وغيرها من هذه الأمور التي ذكرها الله عز وجل. بخلاف من كان قلبه لينا، قلبه مستمع للخير، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. أي أولو القلوب العظيمة التي تستمع لذكر الله، تجلس أو تخشع لله، تقطع لله، تذل لله، تنكسر بين يدي الله. فهذه القلوب التي نتيجتها التقوى، نتيجتها الإيمان، نتيجتها أيضا كذلك القلب السليم، القلب السليم. هذه القلوب التي تفتحت لذكر الله عز وجل، فأعطاها الله عز وجل أعظم ما قدمته وسببته. فهذا القلب يحتاج إلى أنه يصلح، لأنه يمتحن. ولا يظن الضان أن الامتحان امتحان الله عز وجل يكون في المعاصي والشهوات فقط، لا، بل أن الامتحان الله عز وجل حتى في العبادات، أنا في الأمور العظيمة، تجد امتحان الله عز وجل وعلا يمتحنك حتى في عبادتك. أنا هل تقوم بها؟ هل تخلص هذه العبادة مما يشوبها من الغياء، ومن السمعة، ومن ما يكون هو أعظم من ذلك من الشرك؟ فلهذا ربنا جل وعلا قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. قال العلماء: "ذكر الله عز وجل شروط العمل". أولا: "يعمل عملا صالحا"، أي متابعا لشرع الله، لأنه لا يقول العمل صالح إلا إذا أمر الله عز وجل به. وأيضا: "ولا يشرك بعبادة ربه أحدا"، لا يدخل معه أحد. فالعبادة يبتلى بها العبد. الله عز وجل يقول: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾. لماذا تستبر؟ لأن ابتلاء وامتحان، يمتحن الله عز وجل قلوب عباده، هل يمتثلون أمره في هذه العبادة أم لا؟ عندنا الآن الصيام، الصيام امتحان. الله عز وجل أمرنا بالصيام، وعطانا في هذا الصيام من الأجور العظيمة، أجور ليس لها حد أبدا. لكن الله عز وجل طلب مننا أننا نصوم في هذا الصيام، نصوم في هذا الصيام. الصيام الله عز وجل تكفل بأجره، ونسبه، وأضافه إلى نفسه الشريفة جل وعلا، قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي». فهذا أيضا من الامتحان، كيف تقدم هذا الصوم، وتعبد الله عز وجل بهذه العبادة؟ أنك تأتي بهذه العبادة عبادة صحيحة إلى ربك جل وعلا. من ذلك أنك لا تجعل هذا الصوم فقط أنك تمتنع عن الطعام والشراب، وتفري في أعراض الناس، وتكذب وتغش، وأيضا تفعل هذه الأفعال، هذا ما ينفع الصوم. هذا أنت الآن فشلت في هذه العبادة، وهذا الامتحان الذي امتحنك الله عز وجل به. فلهذا يتق الله عز وجل العبد، ويقدم ما يستطيع لله عز وجل، يقدم ما استطاع لله سبحانه وتعالى، سواء كان من امتثال أمر، أو اجتناب نهي. حتى يفوز في هذا الامتحان. نحن الآن كم من امتحان قد فشلنا فيه؟ لم تظهر النتيجة، بل قد تظهر النتيجة عكس معناه، رسوب. لهذا نتأمل مثل هذه المواضع العظيمة التي يكون فيها إصلاح القلب. أيضا حتى الدعوة إلى الله، حتى التعليم، العلم، وغيره يحتاج أيضا لأن فيه امتحان عظيم. كم من إنسان تعلم فترة من الزمن، ثم قاده هذا العلم إلى الدنيا، قاده إلى مهالك عظيمة، بسبب أنه فرط في هذه الأمانة العظيمة، ولم يؤدي هذا الامتحان كما أراده الله عز وجل. فلهذا عباد الله ينبغي علينا أن نهتم بهذا الامتحان العظيم، وبهذه القلوب التي تمتحن لله عز وجل. الله عز وجل ما أراد إلا تقوى مننا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. هذا الذي أراده الله عز وجل مننا، أننا نتق الله. فإذا اتقينا أكرمنا الله: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». فلهذا جاء النتيجة بعد ذلك، بعد امتحان القلوب، فصارت هذه الامتحانات للتقوى، قال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. هذه النتيجة العظيمة التي يتلقاها من فاز في هذه الامتحانات العظيمة. هذه بعض الفوائد، أو بعض ما يؤخذ من هذه الفوائد العظيمة في هذه الآية. فإن شاء الله تعالى نكتفي بذلك، وصلى الله على محمد وآل محمد، جزاكم الله خيرا.