قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 3

الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطورة إحباط الأعمال بسبب السيئات

يتحدث عن خطورة إحباط الأعمال بسبب السيئات ويؤكد على أهمية كثرة الحسنات. يُشدد على أن الله يقبل الحسنات ويمحو السيئات.

أسباب إحباط الأعمال الصالحة

يشرح كيف يمكن أن يحبط العمل بسبب الكفر أو الردة أو المعاصي مستشهدًا بالقرآن والسنة. يبين أن بعض المعاصي تحبط العمل كله أو بعضه.

ضرورة المحافظة على الأعمال بالإخلاص والتوبة

يُنبه إلى خطورة إحباط الأعمال الصالحة بسبب الذنوب ويشدد على أهمية المحافظة عليها بالإخلاص والمتابعة والتوبة. يُوضح أن الاستمرار في المعاصي أو الرياء يحبط الأعمال.

ختام بالدعاء والشكر لله

يعبر عن طلب التوفيق من الله والشكر له على نعمه ويظهر الرغبة في الحصول على الخير من الله. يُنهي بالتسبيح والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد ذكرنا بالأمس تفسير قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، فذكرنا الفائدة الأولى والثانية، وهو رفع الصوت فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام، وما يؤقت من هذه المسألة، وما يستنبط منها. وكذلك أيضًا تتبعها المسألة الأخرى، وهي قوله جل وعلا: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. ذكرنا كلام العلماء في معنى الآية، ومعنى قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. اليوم، إن شاء الله تعالى، نأخذ ما تبقى من الآية، وهي مسألتان: المسألة الأولى إحباط الأعمال، والمسألة الثانية أنها تحبط بدون أن يشعر الإنسان. وكلاهما تدل المسألة الأولى على خوف المؤمن أن يخاف من هذا الأمر المرعب، أنه تذهب أعماله التي أعملها سنوات. وكذلك أيضًا الأعظم أنها تذهب وهو لا يشعر. فلهذا، عباد الله، معلوم أن الله عز وجل، وهو الكريم سبحانه وتعالى، جعل لنا حسنات تذهب السيئات، تذهب الذنوب. منها ما يذهب بعض الذنوب الصغائر، ومنها ما يذهب حتى بالكبائر، كالتوبة لله عز وجل. يقول ربنا جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، أي أنها ينبغي للمسلم أن متى ما عمل سيئة يعمل حسنة. كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي من حديث معاذ، وجاء من حديث بذر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». وشاهدنا هنا: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». أي إذا فعلت سيئة، افعل حسنة، فإنها تمح هذه السيئة. وهذا من فضل الله عز وجل على الناس. لكن ينبغي أيضًا ألا يغتر المؤمن بهذا، فإن أيضًا السيئات تذهب بالحسنات. فهناك سيئات أيضًا تذهب بالحسنات، وغالبًا هذه السيئات تكون من الكبائر، فتذهب بأعمال العبد، حسناته تذهب بحسنات العبد. وهذا هو الذي في هذه الآية: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. ولهذا خاف السلف أيما خوف من هذا الأمر. وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فهذا الأمر، وهو إحباط الأعمال، لا بد للمؤمن أن يخاف على عمله أن يحبط، لأن هذه الأعمال هي التي تنفعه يوم القيامة بإذن الله. فالمؤمن إن جاء بالحسنات وزادت على سيئاته صار من الفائزين. لكن إن قلت الحسنات، فإنه قد يطرحه الله عز وجل في النار، كما جاء في حديث المفلس. وكذلك إذا تساوت، صار من ذكرهم نبي صلى الله عليه وسلم أنهم بين الجنة والنار. فلهذا المؤمن يحرص على أن يكثر حسناته في هذه الحياة. كثرة حسناته في هذه الحياة ليست كثرة الأعمال، وإنما كثرة الحسنات. قد يكون الإنسان يعمل قليلًا، لكن حسناته كثيرة. عندك الآن الصيام، الصيام يصوم العبد مثلا ولو كان ثلاثة أيام في كل شهر، مع شهر رمضان، أجرها عظيم جدًا، وحسناتها كثيرة. فلهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على كثرة الحسنات حتى تغطي عليه السيئات. ومن فضل الله عز وجل على عباده أنه جعل الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة واحدة. كما جاء في حديث ابن عباس في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا هم العبد بالحسنة...» وجاء في لفظ أنه حديث قدسي: «إذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، لأنه ما عملها. فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف». «وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، لأنه إذا كان هم بسيئة هم بشيء من الشر، لكنه لم يعملها كتبت له حسنة». وإن كان هذا العذر خارجًا عن إرادته، ولو تعطلت بعض الأسباب، فهي تكتب له حسنة. لكن قد يوزر على همه وعزمه للمعصية. فقال الله عز وجل: «ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة». فلهذا قال الإمام النووي رحمه الله بعد هذا الحديث: «انظر إلى فضل الله عز وجل وسعة رحمته لعباده». فلهذا العلماء يقولون: أن من زادت أحاده على عشراته فهو خاسر. يعني أن الأحاد هي السيئات، والعشرات هي الحسنات، لأن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة. فمن زادت أحاده التي هي السيئات على عشراته التي هي الحسنات فهو خاسر لا شك. فالمؤمن يخاف أن يحبط عمله، يخاف أن يحبط عمله. ولهذا باب الإمام البخاري في صحيحه: «باب المؤمن يخاف أن يحبط عمله». وذكر عن السلف أنهم كانوا يخافون على أنفسهم النفاق. وقال الحسن: «ما أمنه إلا مؤمن، وما خافه إلا منافق». وهو يدخل في هذا. فالخوف من النفاق، الخوف من ذهاب الأعمال والحسنات، الخوف كذلك من الردة أن يقع الإنسان في الردة، كل ذلك لا بد أن يخاف منه المؤمن، لأنه يذهب عليه بالحسنات. ربنا سبحانه وتعالى ذكر مثالًا من باب الإيضاح، ومن باب المعنى حتى يتضح الأمر. ذكر مثالًا لهذا الأمر، وهو أن الإنسان يحافظ أو يعمل، يعمل، يعمل، ثم يذهب عليه هذا العمل ولا يستفيد منه. يقول الله عز وجل: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾. كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون. فهذه الآية ضرب ربنا جل وعلا مثلًا لمن تذهب عليه الأعمال وتحبط عليه الأعمال ولا يستفيد منها. ضرب هذا المثال. قال الله عز وجل: «أن يود أحدكم أن تكون له جنة، جنة بستان، أن تكون له جنة من نخيل وعنب، فيها من أشجار النخيل، وفيها من أشجار العنب، وأيضًا عنده من كل الثمرات». هذه الجنة مليئة، وهذا يدل على عمل جبار يعمل به هذا العبد حتى أنه جمع الفواكه والخضروات وكذا في مزرعة واحدة. له فيها من كل الثمرات، لكن أصابه الكبر، كبر سنًا، أصبح سبعين سنة، ثمانين سنة، لم يقدر على العمل بعد ذلك. ما استطاع أن يعمل، لأنه كبر سنًا. ما استطاع أن يعمل في هذه المزرعة الكبيرة، يحتاج لمن يعينه، يحتاج لمن يساعده في هذا العمل. قال الله عز وجل: ﴿فَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾. ما عنده ذرية إلا أولاد صغار، ما يستطيعون أن يعملوا معه، ما يستطيعون أن يعينونه على العمل. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾. قال الله عز وجل: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾. أصاب هذا البستان، هذه الجنة، أصابها إعصار فيه نار فاحترقت، احترقت كلها. يعني من يستطيع أن يعين هذا العبد في إعادتها، وهو أيضًا لم يستعين بأحد حتى يساعده على ذلك. والآن أصبح كبيرًا، وليس له من يعينه. فانظر إلى كيف يكون حاله. هذا المثال ضربه كما جاء في صحيح البخاري حديث عبد الله بن عمر. وكذلك عن أبي بن عمير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان جالسًا مع أصحابه، فقال عمر رضي الله عنه: «هل أحد عنده شيء في قول الله عز وجل: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؟ سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام في تفسير هذه الآية، أو معنى عنده علم بهذه الآية؟». قالوا: «يا أمير المؤمنين، الله أعلم». فقضب، قال: «من كان عنده علم فليتكلم، ومن ليس عنده علم فليسكت». معنى كأنه يقول: سؤال محدد، أنا أسأل عن هذه الآية، في أحد عنده علم بهذه الآية؟ فقال ابن عباس: «عندي منها شيء». قَالَ: «قل، ولا تحتقر نفسك يا ابن أخي». فقال ابن عباس: «هذا مثل ضربه... لماذا؟» قَالَ: «لعمل، لعمل الإنسان». قال: «نعم». «ثم جاءه الشيطان فأفسد عمله». معنى هذا مثل إنسان يربي عمل، يعمل، يعمل، يعمل، ويجتهد، ويستقيم، ثم بعد ذلك ينتكس، ثم بعد ذلك يأتي بعمل يحبط عليه هذا العمل كله. وتجد أن محبطات الأعمال كثيرة، حتى قال بعضهم: «إنها لا تنحصر». ومنها ما يحبط العمل كله، وأيضًا يزيل الإيمان. وهذا هو الكفر والنفاق والردة. ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. ولهذا فأيضًا الله عز وجل يقول: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقال: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكُوا لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُهُمْ﴾. فإحباط الأعمال العام مع الإيمان أن يحبط العمل كله والإيمان معًا، هذا الكفر والردة والنفاق، وكل ما كان مثله. وعما الأعمال أو الكبائر، فهي لا تحبط الإيمان بهذا باتفاق أهل العلم، لا تحبط الإيمان أبدًا. لكن قد تحبط العمل، لكن اختلف العلماء: هل تحبط العمل كله أم لا؟ والصحيح أنها قد تحبط بعض الأعمال، قد تحبط العمل كله. فمثل ما جاء مثلا في إحباط العمل كله ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام مسلم، وجاء أيضًا في السنن بالتفصيل: «أن رجلين كان في بني إسرائيل، كان أحدهما مجتهدًا في العمل، طائعًا لله، وأحدهما مقصرًا، وكان يراه على المعصية، فيقول له: يا فلان، اتق الله، أنت تفعل هذه المعصية، فيقول له: لم جعلك الله رقيبًا عليك؟». «ثم إنه مرة رآه على معصية، فقال: يا فلان، والله لا يغفر الله لك». قال: «والله لا يغفر الله لك». فقال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له، وأحبط عملك». أنت تألَّيت على الله، وجئت بكلام لا دخل لك به. فمعنى ذلك أن الإنسان لا يعلم أن الله عز وجل سيغفر لفلان أو لا يغفر، هذا في علم الله. فتألَّيت على الله، وقلت: «والله لا يغفر الله لك». وإلا فإن إنكارك عليه صحيح، إنكارك عليه قل له: «اتق الله»، لكن تتألى على الله أنه لا يغفر لفلان، أو يحصل رحمة الله عز وجل في إنسان أو في نفسه أو في كذا، ويقول مثلا: «الله ما سيرحم إلا فلان، أما بقية الناس ما سيرحمهم». بالله هذا أيضًا من هذا القبيل، كل هذا تدخل في أمر الله عز وجل. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ فَقَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ﴾. وكذلك أيضًا ما جاء في صلاة العصر، ما جاء في الصحيحين في حديث ابن عمر، وجاء كذلك من حديث أبي هريرة، وجاء في مسلم من حديث بريدة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ترك صلاة العصر متعمدًا حتى خرج وقتها، فقد حبط عمله». فبعض العلماء يقول: «فقد حبط عمله»، أي في ذلك اليوم. وبعضهم يقول: «له عام»، حبط عمله كله الذي تقدم. كيف يرجعون إذا تاب؟ إذا تاب يرجع هذا العمل، يعني يتوب فيرجع الله عز وجل له عمله. وحتى المرتد، حتى المرتد إذا ارتد عن دين الله عز وجل، مثل هؤلاء الذين يسبون الدين ويسبون الرب، هذا كفر وردة، يعني يخرج من الإسلام، ليس هو مسلم. لكن وأيضًا كذلك كل ما عمله فقد بطل، كل الأعمال: الصلاة والصيام وغيرها تبطل كلها. وكذلك أيضًا الميراث لا يرث منه أولاده، ولا يرث من أبيه. كذلك زوجته تكون حرام عليه، هذا الذي يسب الدين يكون زوجته حرام عليه، لا يجوز له أن يأتيها. والواجب على المرأة أن تخرج من بيته. فمثل هذا المرتد إذا تاب إلى الله ورجع وشهد أن لا إله إلا الله، فإن ما كان قد عمله قبل يرجع. وهذا لقول الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فيرجع الله عز وجل له الحسنات. ولهذا سئل بعض العلماء، الشيخ العثيمين رحمه الله: «أن رجلًا كانت له أعمال، ومنها الحج، حج بيت الله عز وجل، ومعلوم أن الحج الواجب هو مرة في العمر». «ثم حصل له ردة، استهزأ بالدين أو سب دين الله أو غير ذلك من هذه الأشياء التي يرتد بها العبد عن الإسلام». فمثل هذا قال الشيخ رحمه الله: «إن تاب رجع حجه، يكون حجه مثل ما فعل». معنى حجة الإسلام مكتوبة عليه. لكن إن مات وهو على ذلك، فهو يعتبر كافرًا، والعياذ بالله. فلهذا فإحباط الأعمال ليس بالهين. إحباط هذه الأعمال: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. هنا أيضًا كذلك أمر آخر، وهو أن بعض الأعمال لا تحبط، لا تحبط العمل بذاتها، لكن بالتمادي فيها والاستمرار فيها. ولهذا بعض العلماء قال في هذه الآية: «أن رفع الصوت على صوت النبي عليه الصلاة والسلام ليس هو من أصل يحبط الأعمال، لكن الاستمرار به». لأنه قد يكون فيه أشياء مثل: قلة الأدب مع رسول الله، الاستهانة برسول الله صلى الله عليه وسلم، في كثرة مثل هذه الأمور. ولكن الظاهر الذي ذكره أكثر المفسرين: «أن هذا قد يحبط العمل، قد يحبط العمل». وأيضًا هذا يدل على أنه ليس لذاته، وإنما لأجل الأمور قد تكتنفه، قد تكتنف هذا العمل. إذا اكتنفته أمور، مثلا الاستهانة، ردة، فقد تحبط العمل. فلهذا أيضًا كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فهذا رفع الصوت فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر مخبطًا للعمل». فكيف بمن رد سنته، وأعرض عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، عن هديه؟ هذا من باب أولى أن يحبط عمله. فإحباط الأعمال، عباد الله، ينبغي للمسلم أن يخاف منه، ويحافظ على عمله. ليس كما قال الإمام ابن القيم: «ليس العبرة في كثرة العمل، وإنما العبرة بالمحافظة على العمل». يعمل ويحافظ على عمله، لا يذهب هذا العمل هباء منثورًا. يأتي يصلي ويصوم، ثم يذهب على الكبائر التي قد تذهب عليه هذه الحسنات. يصلي صلوات وينام عن صلاة العصر، وغيرها. ومن ذلك الرياء الذي يحصل من الإنسان. بل حتى بعضهم ذكر: «ذنوب الخلوات». ذنوب الخلوات إذا كان مثلا عنده سريرة خبيثة، إذا خلا أو غاب الرقيب، كما يقولون، فعل ولا يخشى الله عز وجل بعد ذلك، وظلم، وأيضًا دخل في الشهوات. فتجد أنه إذا لم يكن عليه رقيب، فتجد أنه لا يراقب الله، وهذا غالب أمره. فعنده دسيسة خبيثة. فيظلم الناس، يأخذ أموالهم، ويغش، ويغش، وكذلك يسرق. كذلك أيضًا لا يؤتمن، إذا أمنه الناس لا لا لا لا يؤتمن على أمانة الناس. وكذلك أيضًا إذا خلا أيضًا ينتهك حرمات الله جل وعلا. وهذا ما جاء في حديث ثوبان الذي أخرجه الإمام ابن ماجه، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله عليه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله عز وجل هباء منثورًا». أن هذه الأعمال الكثيرة يأتي بها هذا العبد، وثم يجعلها الله عز وجل هباء منثورًا. فقال ثوبان: «يا رسول الله، صفهم لنا، ألا نكون منهم؟» فقال: «هم قوم من جلدتكم، أو قال: من جلدتنا، يصلون كما تصلون، ويصومون كما تصومون، ويأخذون من الليل كما تأخذون». «ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». لكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، إذا خلى بنفسه، ليس عنده شيء حرام، يرى كل شيء، حتى يرى الزنا الصراح، يرى أيضًا الكبائر العظيمة. وأيضًا كذلك إذا كان عنده ناس يعرفهم من أهل الصلاح وكذا، يأتي بالكلام الطيب. وإذا كان مع الفسقة يجاملهم في السب، يجاملهم في السب واللعب، لأنه لا يراقب أحد هناك، كأنه لا يعبد غير الله. فمثل هذه الأشياء قد تضر اللسان وتذهب عمله. فلهذا، عباد الله، فالخوف على ذهاب العمل أعظم من العمل نفسه. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. فجاء في الترمذي في حديث عائشة أنها قالت: «يا رسول الله، هل أولئك الذين يشربون الخمر، الذين يزنون، الذين يسرقون؟» كيف يؤتون ما آتوا من الأعمال الصالحة، وهم يخافون على أنفسهم أيضًا؟ كيف هذا؟ هل هؤلاء الذين يشربون الخمر؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، وإنما هم الذين يصومون ويصلون، وعندهم أعمال، لكن يخافون أن لا تتقبل منهم، يخافون أن لا يقبل الله عز وجل عملهم». فلهذا فالمحافظة على العمل، وأيضًا كيف يحافظ الشخص على العمل؟ أولًا يحافظ على العمل نفسه، العمل نفسه يحافظ عليه، بعنا بتقوى الله، بالإخلاص، بالمتابعة، لأن العمل إذا كان ليس فيه هذه الشروط يكون مردودًا. من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. فلهذا البدع مردودة. وأيضًا كذلك يحافظ عليه بالاستغفار، بالتوبة، وأيضًا الدعاء. كل هذا يعتبر من الأمور التي يستعين بها، يستعين بالصلاة، والصبر على الطاعة، وكذلك أيضًا الدعاء. وأيضًا عدم الانخراط فيما يذهب عليه هذا العمل من الكبائر وغيرها. فكل ذلك من المحافظة على العمل. فلهذا ينبغي للمسلم والمؤمن أن يحافظ على عمله، يحافظ على عمله الذي يعمله من الطاعات، حتى لا تذهب عليه: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. فهذا شيء مما يذكر، إن شاء الله، في إحباط الأعمال. ولم نذكر تعدادًا للأعمال المحبطة، وإلا كما قلنا كثيرًا، كما قال ابن القيم. لكن أردنا أن نأخذ هذا الأمر المهم، وهو الخوف من إحباط الأعمال، والمحافظة على العمل. فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقنا لكل خير. والحمد لله رب العالمين.