آداب الزينة والتزين 3

آداب الزينة والتزين 3

الدرس في آداب الزينة والتزين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في ضوابط التزين الشرعية

يتحدث عن القواعد العامة للتزين في الإسلام المستمدة من القرآن والسنة، مثل عدم التزين بما هو محرم وعدم التشبه بالكفار. يُشدد على أهمية الالتزام بهذه الضوابط.

تحذير من تغيير خلق الله في التزين

يناقش ضوابط التزين الشرعية ويحذر من تغيير خلق الله أو استخدام الزينة لغرض الغش والتدليس، ويوضح الفرق بين التزين المباح والمحرم.

تفصيل ضوابط تغيير خلق الله في الزينة

يشرح ضابطين لتغيير خلق الله في الزينة، الأول أن تكون الزينة باقية في الجسد والثاني أن تكون لتحسين المظهر، ويستشهد بأحاديث وتفسير الإمام القرطبي.

تطبيق ضوابط الزينة وتغيير خلق الله

يُوضح أن الزينة التي تتضمن تغييرًا لخلق الله بشكل دائم لا تجوز، بينما إزالة العيوب جائز، ويعد بأن يُوضح هذه القواعد بمزيد من الأمثلة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذا الباب من باب الآداب، حول ما يتعلق بآداب الزينة. وكان اهتمامنا أولاً في ذكر القواعد العامة، وهي مأخوذة من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بفهم العلماء في ضبط هذا الباب، وذلك بذكر المحاذير، وأن ما عداها وما سواها فهو مما أباحه الله وأحله الله. ومر معنا من هذه القواعد، وهي من الأمور التي لا ينبغي أن يكون فيها التزيُّن، أولاً أن لا تكون مما حرمه الله. وذكرنا أن التحريم في هذا الباب يكون على وجهين، وذلك بأن لا تتزيّن بزينة هي محرمة فعلاً، أو أنك لا تتخذ طريقة هي محرمة فعلاً، الطريقة والوسيلة، كما ذكرنا من كشف العورات أو من الاختلاط. الأمر الثاني أن لا يكون في ذلك تشبه بالكفار، والثالث أن لا يكون فيه تشبه بالحيوانات، الرابع أن لا يكون فيه تشبه بالجنس الآخر، فالرجل لا يتشبه بزينة النساء، ولأن النساء يتشبهن بزينة الرجال. كذلك أن لا يكون ذلك على حساب إضاعة الحقوق، وذكرنا من ذلكم إضاعة حق الرب عز وجل، إما بفعل محرم أو ترك واجب، أو بإضاعة حقوق الخلق، كإضاعة حق الزوج مثلاً، أو حق الأولاد، أو حق الوالدين، أو حق البيت ويتعلق بشؤونه، فلا يكون التزين على حساب هذه الحقوق. كذلك من الشروط ومن القواعد أن لا يكون هذا التزين فيه كلفة أو قل فيه إسراف وتبذير، فإن هذا منهي عنه، كما قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾، مع أن الله أمر بأخذ الزينة، لكن قيدت هذه الزينة بعدم الإسراف. ومضى معنى أن الإسراف قد يكون ببذل المال الكثير، أو يكون ببذل الأوقات الوفيرة، فلا يجوز هذا ولا ذاك، والإنسان يحاسب على ماله كما أنه يحاسب على وقته. كذلك مما ذكرنا من القواعد، وهذا من باب التذكير والاستطراد وربط الأمور ببعضها، أن لا يكون التزين فيه مضرة. وقد أشرنا في مسألة الأخيرة عن صور من هذه النماذج، أن التزين إن كان يؤدي إلى مضرة في جسد متزين، فلا يجوز أن يتزين بهذا، وأن أقل أحواله يكون بين التحريم وبين الكراهة. كذلك مما يضاف إخواني في الله من المسائل، أن لا يكون هذا التزين لغرض التدليس والغش. التزين إخواني في الله من اسمه، إنما وضع وأحل وأبيح للناس من باب أن يتزين وأن يتجمل وأن يتحسن في شكله وفي هندامه وفي مظهره، هذا هو الغرض من الزينة أن يتزين. فإن كانت الزينة إخواني في الله مسلكة من مسالك الغش والتدليس والتزوير والاحتيال، فهذا لا يجوز. ويدل على ذلك ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «من غشنا فليس منا». وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام، كما ثبت في الصحيحين: «المتشبع بما لم يعطى كلابس الثوبين، زور». المتشبع بما لم يعطى يدعي شيئًا هو له وليس مالكه. وهكذا من ذلكم الزينة، ولهذا العلماء رحمهم الله تعالى في باب الزين والتزين، جنحوا إلى منع التزين إن كان من باب التدليس والغش. وهذا له صور، وأكثر ما يذكره العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب، مثلاً في باب الخطوبة والزواج، تجد رجل كهل كبير في السن قد بلغ من السن عتية، وأراد أن يقبل على الزواج، وهو يدري ويعلم أن بهذه الصورة التي هو عليها الآن الكثير من النساء ترفض الارتباط به. فما الذي يلجأ؟ يلجأ إلى الغش والتدليس، فيذهب إلى هذه المحلات التي يكون فيها شد الوجه، وهذا معروف عن طريق بعض الحقن السيليكون، أو عن طريق عمليات، فيعمل أعمالاً في وجهه يرجع شابًا، ليس ابن الثمانين بل ابن العشرين، فيدخل الذي لا يعرف أمره، لو ربما يغتر بمظهره، يقول: ما شاء الله على هذا المظهر الحسن، فتقبل المرأة وتقبل به، لكن سرعان ما يظهر ما يظهر حقيقة هذا الرجل بعد زمن، فتنصد بالمرأة، وهنا تأتي المشاكل العظيمة في الحياة الزوجية. هذا غش، تدليس، ما يجوز هذا، اتخذ زينة إخواني في الله من أي باب لغرض التدليس والغش. لو أن المرأة علمت أن هذا هو الشكل الحقيقي للرجل ما قابلك به، أو العكس، يكون هذا في حق المرأة، أنها فيها من العيوب والتي لو علم بهذه العيوب أصلاً، لو علم بهذه العيوب ما أتى لها وما قبل بها، فماذا تفعل؟ فتأتي وتدلس، فتتزين بزينة تمحي هذه العيوب، كأن لم يكن بها عيب. فلما يراها الخاطب يعجب بها، فيقبل بها ويعقد عليها، فإذا دخل بها ينبهر، لغم بهار، إعجاب وإنما انبهار إزعاج، ينزعج لهذا المظهر التي هي على حقيقتها. ولهذا إخواني في الله، فالزينة إن كانت لقصد التزين، مثل مرأة الزوج، يعرف زوجته يعرف من هي، فإذا تجملت وتزينت، يعلم ما هي حقيقتها، وأن هذا من باب زيادة الحسن، ما فيه تدليس أصلا، ما هناك غش. أما الإشكال في الذي لا يعرف حقيقتك أصلا، فيرى أن هذا الوجه الحسن هو وجهك الحقيقي، فهو ليس كذلك. فقال العلماء، وهذا قيد يذكره العلماء في باب التزين، أن لا يكون لغرض الغش والتدليس والتزوير. ثامنًا، وهذا مما أقف عنده من المحاذير والقواعد التي لا ينبغي أن يقدم المرء المسلم على التزين فيها، أن يكون هذا التزين لغرض تغيير خلق الله. الله جل في علاه خلق الإنسان في أحسن هيئة، وعلى أحسن الوجوه، تبارك الله أحسن الخالقين، كما قال تعالى: ﴿والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾. أوجد الله جل وعلا هذا البشر على هذه الخلقة، وعلى هذا الإتقان، إلا أن الشيطان لم يرضى هذا، ولهذا دأب الشيطان في أن يغرر الإنسان في أن يغير خلق الله، كما قال تعالى: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾، فالشيطان يوحي للخلق بأن يغيروا من خلق الله. فالشاهد إخواني في الله، أن من القواعد العامة أن الزينة إذا اتخذت زينة، أن لا تكن على حساب تغيير خلق الله جل وعلا. ويؤيد هذا المعنى، لما جاء في حديث اللعن، لعن النبي عليه الصلاة والسلام «الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات»، قال: «والمغيرات لخلق الله». فلما ذكر نبينا هذه الأشياء المذكورة من النهي عن النمص، والنهي عن التفليج، أي بين الأسنان، والنهي عن الوشم، بيّن نبينا ما هي العلة في هذا النهي، قال: «المغيرات لخلق الله»، إذ أن في ذلك تغيير لخلق الله. فدل ذلك على أن ما من شيء فيه تغيير لخلق الله، فهذا منهي عنه. هنا مسألة إخواني في الله، وهي مسألة مهمة جدًا، ما هو الضابط في مسألة تغيير خلق الله؟ هذا الضابط مما يشكل لهذا بعض الناس، قد يقول: طيب كيف أعرف أن هذا ليس تغييرًا، أن هذا تغيير؟ أنا مثلاً سأجعل الحناء على رأسي أو على لحيتي، أليس هذا تغيير لخلق الله؟ المرأة إذا جعلت حناء في يديها أو تزينت بما مر معنا من الزينة، أليس هذا تغيير لخلق الله؟ ولهذا إخواني في الله، تجد أن بعضًا من الناس لو ربما منع باب الزينة كلما أراد أن يقدم على شيء، قال: هذا تغيير لخلق الله، كلما جئ له بزينة، قال: هذا تغيير لخلق الله، فامتنع. ليس هذا عند العامة، بل من نظر إلى هذا الباب وما كتبه جماعة من العلماء، يجد أيضًا أن جماعة من العلماء منعوا بعضًا من الزينة تحت هذا العذر، أن هذه الزينة من التغيير لخلق الله. إذن ما هو الضابط؟ إخواني في الله، كيف تميز أن هذه الزينة تغيير لخلق الله فتمتنع عنها، أو أنها ليست من التغيير لخلق الله فلك أن تترخص بها؟ أذكر إخواني في الله هنا بعض الضوابط، وهي مما جاء من كلام العلماء، وهو مأخوذ من أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. الضابط الأول: التبديل لخلق الله، إخواني في الله، هو أن يكون في الزينة التي تبقى دائمًا، تبقى دائمًا مطبوعة في الجسد، موجودة في الجسم، ما تنفك عنه، تبقى فيه. فإذا كانت الزينة بهذا الاعتبار، وسيئة، الضابط الثاني، هذا الضابط الأول، إذا كانت الزينة بهذا الاعتبار أنها تبقى في الجسم مرسومة مطبوعة فيه، ما تنفك عنه، فهذه هي الزينة المحرمة، وهي من التبديل لخلق الله، ومن التغيير لخلقة الله سبحانه وتعالى. وقد أشار الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذا الضابط، فلما ذكر المنهيات الذي جاء في حديث ابن مسعود أن النبي نهى عن النامصات، ونهى عن المتفلجات، ونهى عن الواشمات، قال الإمام القرطبي رحمه الله: «هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيًا، لأنه من تغيير خلق الله، فأما لا يكون باقيًا كالكحل والتزين به، فقد أجازه العلماء». هذا ضابط معين، معين في فهم ما الذي يكون من تغيير خلق الله. إذن الزينة الباقية، الزينة الباقية، ولهذا لو تمعنت في المذكورات في الحديث بمسعود، أن النبي نهى عن النامصات، النمص وهو إخراج شعر الحاجب، فهذا بالكاد يعود، بالكاد يرجع. وكذلك الوشم، من خاض في باب الوشم يعلم أن الوشم ما يزول بسهولة، بل يبقى سنوات عديدة، بل ربما يموت الإنسان والوشم يبقى فيه، ما ينفك عنه. وهكذا الوشر وهو التفليج، إبعاد الأسنان بعضها عن بعض، الإبعاد هذا يكون بالتبريد، بأن تبرد المرأة أسنانها، وهذا لا يعود السن إلى طبيعته بعد ذلك، تجد أن هذه الأشياء نوع من أنواع الزينة، إن فعلها صاحبها في جسده، فإنها تبقى معه لا تذهب عنه. ولهذا كما قال القرطبي، قال: «فهذا الذي يبقى معه يكون من تغيير خلق الله، أما الذي يزول فهذا ما فيه شيء». ومن هنا إخواني، فيه مثاله، لو أردت أن تفرق بين الوشم وبين المكياج، وقد مر معنا قول علماء في جواز وإباحة المكياج، الوشم هو تحسين الجسد على قول صاحبه، والمكياج فيه تحسين وجه صاحبه. فما الفرق بينهما؟ لماذا الوشم حرم والمكياج أبيح كما أباح العلماء؟ لهذا الفارق أن الوشم يبقى، وأما المكياج فإنك تزيله متى ما شئت، وترجع إلى خلقتك التي وجدك الله جل وعلا عليها. هذا الضابط الأول، انتبهوا إليه. الضابط الثاني مما يعد من تغيير خلق الله، قال العلماء: هو الذي يفعل فعلاً من أنواع الزينة، ويريد منه زيادة في الحسن، زيادة في الحسن، مع ما مر من الضابط الأول، أن هذا الحسن يبقى معه ويستمر معه. فإذا كان كذلك، هذا من تغيير خلق الله، من تغيير خلق الله، هذا القيد الثاني، أن الإنسان يفعل الزينة المستمرة في بدنه وفي جسمه وفي وجهه استمرارًا باقيًا، وذلك طلبًا للحسن، طلبًا للجمال، طلبًا للكمال، كأنه مرتضى خلقة الله التي أوجده عليها. وهذا إخواني في الله، كذلك مستفاد من أحاديث كثيرة، منها في قوله عليه الصلاة والسلام: «المتفلجات للحسن». أي تفعل هذا التبريد طلبًا للحسن، طلبًا للحسن. فإن كان لغير حسن، وإنما لعلاج، فهذا ليس فيه شيء، ليس فيه شيء. ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام النسائي رحمه الله تعالى في سننه، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، أن الرسول نهى عن النامصة، والواشرة، والواصلة، والواشمة، إلا من داء، إلا من داء. فقال العلماء: فمن فعل في نفسه شيئًا من أنواع الزينة، وهذا الزينة لإخفاء عيب، إخفاء عيب، فهذا لا بأس به. وأما إن فعل شيء في نفسه طلبًا للحسن والكمال والتمام، فهذا لا يجوز، فهذا لا يجوز. وهذا إخواني في الله، المقام سيطول، ولهذا نرجئ الكلام عن مسائل هذا الباب، وهي من المسائل التي لبست على كثير من الناس، فأصبح وهذا خاصة خارج مجتمعاتنا، وقد ظهر في بعض أنحاء بلادنا، من لا يفرق بين مسائل التزيين. فبعضهم يقول: أنا حر في جسمي، فيفعل ما شاء في جسده طلبًا للحسن، من باب الزينة. الجواب: هذا ليس على إطلاقه، إن كانت الزينة فيها تغيير لخلق الله، ضابطه أن تفعل أمرًا مستمرًا فيه طلب للحسن، فهذا لا يجوز. وأما أنك تتزين بنفسك بأن تزيل عيبًا، فهذا يجوز. وسيأتي معنا إن شاء الله في دروس قادمة، ما يتعلق بالأمثلة والنماذج التي توضح هذه القاعدة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.