آداب الزينة والتزين 4

آداب الزينة والتزين 4

الدرس في آداب الزينة والتزين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب التزيّن والزينة في الإسلام

يتحدث عن آداب التزيّن والزينة في الإسلام وتناول مسألة العمليات التجميلية. يُصنف العلماء العمليات التجميلية إلى ضرورية ومستحسنة.

ضوابط العمليات التجميلية وحدودها

يُبيّن أن العمليات التجميلية الضرورية جائزة، بينما التحسينية محرمة لتغييرها خلق الله. هناك ضابطان: إزالة العيب والعمليات التحسينية.

تحريم العمليات التجميلية التحسينية وتفصيلها

يُفصّل في تحريم العمليات التجميلية التحسينية لما فيها من تغيير لخلق الله وقد تسبب أضرارًا، مع استثناء إزالة العيب.

أهمية الرجوع إلى أقوال العلماء

يُنصح بالرجوع إلى أقوال العلماء لفهم بعض الأمور وتطبيق القواعد الشرعية بشكل صحيح.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذا الأدب من الآداب الإسلامية التي جاءت بها الشريعة، ألا وهو آداب التزيّن والزينة. وكان حديثنا في دروس سابقة بذكر قواعد على المرء المسلم أن يعتني بها متى ما أراد أن يتزيّن، والزينة مما أحله الله وأباحه، لكن بضوابط وقيود. فذكرنا القواعد إخواني في الله المذكورة في هذا الباب كما سطرها العلماء، وهي معينة جدًا في الإنضباط بهذا الباب، وأن لا تسترسل كما يسترسل فيه الكثير من الناس حتى أوقعهم هذا في الوقوع في المخالفات. ولا شك ولا ريب أن هناك من مظاهر الزينة ما وقع فيه الخلاف بين العلماء، وخاصة أن هذه الأمور هي من الأمور المعاصرة التي ظهرت في هذه الآونة، فأنظار العلماء في بعضها اختلفت آراؤهم، فمنهم من يبيح هذا، ومنهم من يمنعه. لكن في ظل القواعد التي سمعتموها يا عبد الله، بإمكانك أن تعرف ما هو الراجح. وأختم هذا المقام إخواني في الله، وما يتعلق بهذا الأدب بأدب الزينة والتزيّن، ما يتعلق بمسألة كذلك مهمة لأن تتعرّف على الحكم الشرعي، مسألة العمليات التجميلية. العمليات التجميلية فهذه أصبحت مظهر من مظاهر الزينة التي من خلالها يتزيّن الرجل والمرأة. العمليات التجميلية إخواني في الله هي العمليات التي يراد منها أن يظهر الإنسان بمظهر حسن. وقد فشت هذه العمليات في هذه الأزمنة نظرًا للتطوّر العلمي الطبّي، زد على ذلك ما كان من اهتمام الناس لا أقول بصحتهم فحسب، لا بل بمظهرهم ومنظرهم. والحكم إخواني في الله بالاختصار، الحكم على العمليات التجميلية يكون بالنظر إلى هذه العمليات. وقد قسم العلماء العمليات التجميلية أنها على قسمين: القسم الأول العمليات التجميلية الضرورية، وهذه العمليات التجميلية الضرورية هي العمليات التي يراد منها إزالة العيوب. فأحيانًا يبتل الإنسان بعيوب في جسده وفي بدنه، فيحتاج إلى تدخل جراحي لإزالة هذا العيب. فهذا تسمى عمليات تجميلية لكنها ضرورية للحاجة. فهذه العمليات إخواني في الله على القول الصحيح من أقوال العلماء أنها جائزة، لا شيء في ذلك. ومما يدل على صحة هذا القول، أي على جواز العمليات التجميلية الضرورية، ما رواه أبو داود في سننه، وهكذا الترمذي رحمه الله تعالى، من حديث عرفجة ابن أسعد، أنه أصيب يوم كلاب -ويوم كلاب هي عبارة عن حرب وقعت في أيام الجاهلية- فأصيب هذا الرجل وهو عرفجة رضي الله تعالى عنه أصيب في أنفه، حيث قطع أنفه، فاتخذ أنفًا من ورق -والورق بمعنى الفضة- إلا أن هذا الأنف أنتنى، خرج منه نتن، فحينها أرشده نبينا عليه الصلاة والسلام بأن يتخذ أنفًا من ذهب. فالحاصل إخواني في الله، هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر وأمر وأرشد هذا الصحابي إلى أن يضع هذا الأنف الإصطناعي، كما نسميه في هذا المصطلح العصري، أنف إصطناعي. ما الغرض من ذلك؟ الغرض من ذلك إزالة هذا العيب الذي فيه هذا التشوه. وما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود، ما جاء في لعن رسول الله عليه الصلاة والسلام للنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله. قال إمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس به. فإن كانت هذه العمليات التجميلية المراد منها إزالة عيوب، مثاله ما يقع مثلاً في الحوادث، حوادث السير تصادم انقلاب، يتشوه بعض الناس، يتشوه، ينقطع شيء من فمه أو يقع شيء من رأسه أو تفتق عينه، فيحتاج إلى أن يركب شيء مثل عين اصطناعية أو نحو ذلك، هل في هذا شيء؟ لا، هذا ليس فيه شيء. إن كانت زينة وتجميل لكن لإزالة عيب، أو كذلك ما يكون في الحروق، قد يحترق إنسان ويؤدي هذا إلى تلاث جلده، وخاص الذي يقع في الوجه، فهنا هناك ما يسمى بعملية تجميلية بأن يؤتى له بجلد من نفسه من فخذه ونحوه فيجعل فيه، فيتغير، هل هذا فيه شيء؟ لا، هذا ليس فيه شيء لأن هذا عيب محروق ما يستطيع أن يواجه الناس بهذا الوجه الذي هو به. وهكذا ما يكون من التشوهات التي تكون عند الولادة، يأتيك الجنين يخرج من بطن أمه وفيه تشوهات، مثاله الصبع الزائد، صبع زائد يقع هذا، هل يجوز عمل تدخل جراحي لإزالة هذا الصبع؟ الجواب نعم يجوز. وعلى هذا أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء بجواز ذلك. أو العكس أن يأتي الصبي وأصابعه متلاحمة متلاصقة تتحرك كالكف الواحد، هل يدخل التدخل الجراحي يجوز بأن يفك الربط بين الأصابع؟ نعم يجوز لأن هذا عيب. فإذا كان إخواني في الله التدخل الجراحي لإزالة عيب، وما عسى أن يكون ضرر على الإنسان حسا ومعنى، وعلى هذا قس عمليات كثيرة. وبهذا يا عبد الله ينضبط لك الأمر، مثل تعديل الأسنان، كمان عنده تشوهات في أسنانه بحيث يكون ملفت للنظر، أو عنده هالات في وجهه كالهالة، هالات في وجهه بحيث أن الناظر وكيف هذا الوجه؟ سبحان الله، بل حتى أن المرء المصاب بهذه العاهة لا يستطيع أن يواجه الناس بهذه العاهة. الحل أزلها يا عبد الله. قد يقول قائل: أليس هذا في تغيير لخلق الله؟ لا، هذا ليس من التغيير لخلق الله، وذلك كما سمعت من أقوال العلماء. إذن هذا الضابط الأول في العمليات التجميلية إن كانت للضرورة والحاجة، ضابطها إزالة عيب، فلا بأس في ذلك. القسم الثاني هو العمليات التجميلية التحسينية، وهذه ضابطها إخواني في الله، وهي العمليات التي يريد منها المرء الحسن والجمال، ما هناك دافع، ما هناك حاجة لهذه العملية سوى أن يتجمل، مثل أي واحد منا، مثلي ومثلك، بخير بالشكل الذي خلقه الله جل وعلا، ثم يريد أن يجري عملية من باب التغيير، من باب التغيير والتحسين. هذه العمليات ما حكمها؟ حكمها محرمة، لا يجوز تجري عمليات على نفسك لقصد التحسين والتجمل، لا، ما يكون هذا على تغيير خلق الله. ومما يدل على المنع ما جاء في قوله سبحانه وتعالى في بيان عمل الشيطان، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، فهذا من فعل الشيطان أن يوحي للمرء أن يغير من شكله وأن يغير من منظره. ومما يدل على التحريم أيضًا ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام عندما لعن الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله. فذكر نبينا أن علة النهي في حق هؤلاء أنهن طلبن الحسن فقط من باب التجمل، فغيروا في أجسادهن، فهذا لا يجوز. أضف إلى ذلك يا عبد الله مما يدل على تحريم العمليات التجميلية التحسينية أنها قائمة على الغش وعلى التدليس والتزوير، بحيث أن الإنسان يظهر للناس بغير شكله. وكم جر هذا الأمر إخواني في الله من أخطاء فادحة ومن مشكلات. ومن الطريف ما أذكر في هذا المقام قصة ذاك الرجل وهو في بلاد الصين، رجل تاجر، ورجل صاحب منزلة عريقة مرموقة في مجتمعه، تزوج من امرأة جميلة، فزوج من امرأة جميلة. ثم كان من أمرهما أن الأولاد الذين أنجبوهما كانوا على هيئة من القبح، الأول فيه قبح، الثاني فيه قبح، الثالث فيه قبح. من أين هؤلاء؟ ليس في الأب، وليس في الأم، وليس في السلسلة الآباء والأجداد من كان على هذه الصورة. فما الذي وقع عند التتبع؟ التضح أن زوجته كانت قبيحة، ثم أجرت لنفسها عملية تجميل، فتحسنت وتجملت، لكن أين ظهر حقيقتها؟ ظهر في أولادها، ظهر قبحها في أولادها. حينئذ علمت المشاكل التي وقعت بين الأزواج، فهذا غش، تدليس، هذا مما يدلك على المنع. ورابعًا مما يدل على منع العمليات التجميلية التحسينية أنها غالبًا ما تخلو من أضرار، تأتيك أضرار جانبية، لأنه كما قلنا هو عبارة عن تدخل في خلقة الله، وخاصة أن المواد الموجودة في هذه العمليات من المواد المصطنعة، إما هرمونات أو مادة السيليكون. ولهذا بعضهم يتضرر من جراء هذه العمليات. فكانت كلمة العلماء -وهي بل منهم أن يدعى الإجماع في هذه المسألة- على أن العمليات التجميلية إن كانت من باب التحسين فقط، فهذا لا يجوز. مثاله كمن يذهب أو تذهب إلى بعض العيادات فتغير من شكلها، هذا الأنف، أنا أريده أدق، يشد هنا، أو رجل كهل يريد شد الوجه، يشد وجه إلى الخلف، يمط، ثم الزائد تدخل جراحي يقص الجلد الزائد، ثم يلحم بعمليات أو بليزر، ثم يرجع شابًا. هذا كل من التغيير لخلق الله، أو تغيير عضو من أعضاء الجسد في الأعلى أو في الأسفل، كل ذلك بقصد الحسن، فهذه إخواني في الله عمليات لا يجوز الخوض فيها، ما يجوز إلا حالة واحدة، إن كان في المرء عيبًا يضر به حسًا أو معنى، فلك أن تزيله يا عبد الله. وبهذا الأمر إخواني في الله، وبهذه المسألة نكون قد انتهينا من أهم المسائل المتعلقة بالزينة والتزين. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكما ذكر إخواني في الله بعض المسائل وقع فيها خلاف بين المعاصرين، مسألة الكثيرة من مسائل التجمل والتحسن والتحسين، اختلف فيها العلماء: هل هي من التغيير لخلق الله أم ليست لتغيير لخلق الله؟ هل هي من باب التدليس أو ليست من باب التدليس؟ ولهذا منهم من أجاز هذا الباب على مصراعيه، ومنهم من أغلق هذا الباب بكليته، ومنهم من أجاز هذا الباب عند الزوج لا غير، ومنهم من منع في حال الخطوبة. كما قلنا أقوال كثيرة في هذه المسألة. والإنسان يرجع إلى أقوال العلماء، وما سمعتم من القواعد السابقة معينة جدًا في هذا الباب. والله تعالى أعلم.