الدرس في التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل أهمية توحيد الألوهية وخطورة صرف العبادة لغير الله، ويبين أن إفراد الله بالعبادة هو الحق. يشمل ذلك الذبح والنذر والدعاء وغيرها من أنواع العبادة.
يفسر هذا الفصل معنى الربوبية والألوهية، ويبين أن صرف العبادة لغير الله ضلال، ويستدل على ذلك من القرآن الكريم. يشدد على أهمية إفراد الله بالعبادة.
يتناول هذا الفصل خطورة دعاء المخلوقين وتسميتهم بألفاظ العبودية، ويبين أنه يعد شركا في الربوبية لأنه يضيف الربوبية لغير الله. يوضح تناقض هذا الفعل مع سورة الفاتحة.
يفسر هذا الفصل معنى "رب العالمين" بإفراد الله بالربوبية وصرف العبادات له وحده، ويحذر من الشرك بالله في العبادة والربوبية. يختتم بالدعاء للتوفيق لطاعة الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المجدد، رحمه الله، محمد بن عبد الوهاب النجدي، في رسالته تفسير سورة الفاتحة: بعد أن ذكر شيئا من معاني قول الله جل وعلا: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وكيف أن أول المصحف ابتدأ بذكر أقسام التوحيد الثلاثة: الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، في سورة الفاتحة، وهكذا آخر المصحف اختتم بذكر هذه الأقسام في سورة الناس، قال: إذا عرفت أن معنى الله هو الإله، وعرفت أن الإله هو المعبود، ثم دعوت الله، أو ذبحت له، أو نذرت له، فقد عرفت أنه الله. يعني: إذا صرفت العبادة لله سبحانه وتعالى، من دعاء أو ذبح أو نذر، أو غير ذلك من أنواع العبادة، إذا صرفت لله جل وعلا، فهنا عرفت أن الله عز وجل هو إلهك، وهو معبودك سبحانه وتعالى. قال: فإن دعوت مخلوقا، طيبا أو خبيثا، طيبا كالملائكة، أو النبيين، أو الصالحين، أو خبيثا كالفسقة، كالفساق، وكذلك أهل الفواحش والمنكرات، قال: أو ذبحت له، أي: ذبحت لهذا المخلوق، تتقرب إليه بذلك، قال: أو نذرت له، يعني: النذور، فقد زعمت أنه هو الله. إذا صرفت العبادة لغير الله، من ذبح أو نذر، أو استغاثة، أو غير ذلك من أنواع العبادة، فإنك بهذا تجعل هذا المخلوق هو الله؛ لأن المعبود هو الذي يستحق أن يعبد، وأن تصرف له العبادة، ولا يستحق غيره أن يعبد. فإذا عبدت غير الله، وتقربت إليه بأنواع العبادة، من ذبح أو نذر، أو استغاثة، أو دعاء، وطلب مدد، أو حصول ولد، أو كشف الكربات، إلى آخر ذلك، فأنت جعلت هذا المخلوق إلها. قال: فمن عرف أنه قد جعل «شمسان» أو «تاجا» برهة من عمره هو الله، و«شمسان» هو محمد بن شمسان، كان في زمن المصنف رحمه الله، وكان أولاده يأمرون الناس، ويندبونهم لينذروا له، ويعتقدوا فيه الولاية والشفاعة. وكذلك أيضا «تاج» كان بعض الناس في تلك الفترة يعتقدون فيه الولاية، ويأتونه لقضاء حاجاتهم، وربما أتاهم من بلدة الخرج إلى الدرعية لاستلام تجمع من النذور، يعني: يجمعون الأموال والطعام نذورا لهذا الطاغية، ثم يأتي فيأخذ ما جمع من هذه النذور. وزعموا أنه كان أعمى، وكان يأتي من غير قائد، إلى آخر ذلك من ذكر هذه الحكايات والاعتقادات التي قل أن يخلو منها زمان. قال: فمن عرف أنه قد جعل «شمسان» أو «تاجا» برهة من عمره هو الله، كيف عله هو الله، بصرف العبادة له، قال: ما عرفت بني إسرائيل لما عبدوا العجل، فلما تبين لهم ارتاعوا، وقالوا: «ما ذكر الله عنهم»، ولما سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا: «لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين». ويريد بهذا أن يبين أن من عبد غير الله جل وعلا، وصرف العبادة لغير الله، فقد ظل عن سواء السبيل، ووقع في الضلال، وهو من الخاسرين إن لم يتب، ويرجع إلى الله جل وعلا، ويقلع عن هذا الذنب العظيم. قال: وأما الرب، فمعناه المالك المتصرف، فالله تعالى مالك كل شيء، وهو المتصرف فيه، وهذا حق، ولكن أقر به عباد الأصنام الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر الله عنهم في القرآن، في غير موضع، كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض إلى قوله فقل أفلا تتقون﴾، أي: في قول الله جل وعلا: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون﴾. هم يعترفون بأن الله عز وجل هو المتفرد جل وعلا بالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والرزق، ثم يصرفون العبادة لغير الله، وهذا تناقض. قال: فمن دعا الله في تفريج كربته، وقضاء حاجته، ثم دعا مخلوقا في ذلك، يعني: في قضاء الحاجات، ودفع الكربات، قال: خصوصا إن اقترن بدعائه للمخلوق نسبة نفسه إلى عبوديته، مثل قوله في دعائه: «فلان عبدك»، يعني: يقول هذا الداعي لهذا المخلوق، ويضيف إليه لفظ العبودية، فيقول: «فلان عبدك»، «فلان عبدك»، ونحو ذلك من مثل هذا التعبيد، قال: أو قوله: «عبد علي»، أو «عبد النبي»، أو «عبد الزبير»، فقد أقر له بالربوبية. قال: فقد أقر له بالربوبية، وفي دعائه «علي» أو «الزبير» أو غيرهما، يعني: ممن أضيف التعبيد إليهم، بدعائه الله تبارك وتعالى، وإقراره له بالعبودية، ليأتي له بخير، أو ليصرف عنه شرا، مع تسمية نفسه عبدا له، فقد أقر له بالربوبية، ولم يقر لله بأنه رب العالمين. أنت الآن تقرأ في سورة الفاتحة: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وعلمنا أن العالمين كل من سوى الله، كل من سوى الله من إنس وجن، وجماد، وحيوانات، وحشرات، وطيور، إلى آخر ذلك، كل من سوى الله فهو عالم، رب هذا العالم هو الله، هو المتفرد بالربوبية. فإذا طلبت من مخلوق أن يكشف عنك كربة، أو يقضي لك حاجة، وزدت على ذلك أنك وصفته، وأضفت العبودية له: «فلان عبدك»، «فلان كذا»، أنت الآن جعلته بهذا ربا. إذن أنت ما حققت معنى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، ما جعلت الربوبية لله، بل جعلت الربوبية لغير الله، وجعلت هناك من يشارك الله في ربوبيته، وهذا شرك في الربوبية، هو أعظم من شرك الأولين؛ لأن الأولين، كما سمعنا، كانوا يقرون بربوبية الله، الذين عبدوا الأصنام في ذاك الزمن، عبدوا يعني: هبل، واللات، والعزة، ومنات، ما كانوا يعتقدون فيها أنها تخلق، وترزق، وتحيي، وتميت، وإنما كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله، وتشفع لهم عند الله. قال: فرحم الله عبدا نصح نفسه، وتفطن لهذه المهمات، وسأل عن كلام أهل العلم، وهم أهل الصراط المستقيم، هل فسروا السورة بهذا أم لا؟ فبين رحمه الله أن من قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، فليعلم أن قوله: ﴿رب العالمين﴾، يدل ذلك على إفراد الله جل وعلا بالربوبية، وأنه لا يتحقق ذلك إلا بصرف العبد لجميع العبادات والطاعات إلى الله جل وعلا، وأن يعتقد أن الله وحده ربه وإلهه، سبحانه وتعالى، دون من سواه. فمن عبد غير الله، وصرف العبادة لغير الله، واعتقد في غير الله النفع والضر، فقد أشرك في عبادة الله، وفي ربوبية الله جل وعلا، ولم يحقق معنى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يجنبنا جل وعلا أسباب سخطه وعقابه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.