الدرس في أعمال أهل الجنة - حسن التعامل مع الوالدين 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد الخطيب على أهمية طاعة الوالدين وحسن التعامل معهما، مشيرًا إلى أن الله جعل حقهما بعد حقه. يُدلل على ذلك بالأحاديث النبوية التي تُظهر عظيم منزلتهما.
ينبغي التعامل مع الوالدين بالإحسان والاحترام، وخفض الجناح لهما وتقديم الرعاية والطعام لهما، مع تجنب إهانتها أو تحميل ذلك للآخرين.
يوصي الخطيب ببر الوالدين وخصوصا الأم، ويحذر من عقوقهما، مستشهدا بالأحاديث النبوية التي تؤكد على أهمية طاعة الوالدين وبرهما.
يختم الخطيب حديثه بالتأكيد على أهمية التعامل الحسن مع الناس لما في ذلك من أبواب لفتح الجنة، ويطلب من الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله عما تطرقنا إليه في درس أمس، ما يتعلق بأن من أعظم أعمال أهل الجنة ما يكون من حسن التعامل، فإذا كان حسن تعاملك مع الحيوان سبب من أسباب دخول الجنان، فما ظنك يا عبد الله بحسن تعاملك مع أهل الإسلام؟ فلا شك ولا ريب أن ذلك يوصلك إلى أعلى مقامات الجنان. وقد أشرنا إلى هذه المسألة في درس أمس، ونحن في هذا الباب، إخواني في الله، سنشير إشارة إلى أهم الطوائف من خلق الله الذين يحتاجون منك إلى حسن التعامل. وإلا فإن حسن التعامل ينبغي أن يكون لجميع المسلمين والمسلمات، كل من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، ينبغي أن تعامله بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. إلى أننا سنشير في هذه المقامات إلى أهم الطوائف من الناس الذي ينبغي، عبد الله، أن تحرص كل الحرص على بذل ما تستطيع من بذله من حسن عشرتك ومن حسن تعاملك معهم. وعرأسي هذا الهرم الذي سأذكره ما يكون من حسن التعامل مع الوالدين. فلا شك ولا ريب أن للوالدين من المنزلة العظيمة والمرتبة العالية، لا يكاد يخفى على أحد من أهل الإسلام. بل يكفيك إشارة ودلالة على هذا المقام أن الله سبحانه وتعالى جعل حقهما بعد حقه، فقال ربنا جل في علاه: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾. وقال سبحانه: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾. فتجد أن الله جل وعلا يجعل حق الوالدين بعد حقه سبحانه، إشارة ودلالة إلى عظيم منزلتهما وإلى رفعة قدرهما. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن مقام الوالدين من أدى حقهما فإنه يدخل الجنة، وليس أي جنة، بل يدخل من أفضل من أفضل أبواب الجنان. ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما جاء من حديث أبي الدرداء، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «الوالد أوسط أبواب الجنة»، الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فاحفظ على هذا الباب أو ضيع. فقوله عليه الصلاة والسلام «أوسط» قال العلماء: الوسط هنا بمعنى الخيار، بمعنى الأحسن، بمعنى الأفضل، أي أن أفضل أبواب الجنان جعلها ربنا جل وعلا في حق من اعتنى بالوالدين. فقوله «الوالد» اسم جنس بمعنى الوالدين، أي أن من اعتنى بوالديه فالله جل وعلا يدخله من أفضل وأوسع وأحسن أبواب الجنة. فهذا يدلك يا عبد الله على عظيم هذا المقام، وهذا الذي نريده من ذكر هذه المسألة، من أن حسن التعامل مع الوالدين يدخلك يا عبد الله إلى أوسع أبواب الجنان، وذلك يكون بطاعتهما وحسن عشرتهما والسعي إلى مرضاتهما والابتعاد عن كل ما ينكد عليهما. قد أشاء ربنا سبحانه وتعالى إلى التعامل الذي ينبغي أن يكون مع الوالدين، فقال سبحانه: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾. لا تقل لهما أف وهي أحقر كلمة قد ينطق بها الإنسان، ومن هنا لا يجوز بحال يا عبد الله أنك ترفع صوتك فقط، رفع الصوت عليهما قلة أدب، فما ظنك إذا كان الخطاب معهما يجتمل على سب أو شتم أو احتقار أو لعن، كما فعله أهل العقوق، فإن هذا من أعظم الذنوب والمعاصي، وهي سبب يا عبد الله إلى أنك تدخل في سخط الله. وقص عن بعض السلف أنه قال: «بكاء الوالدين من العقوق»، بكاء الوالدين من العقوق. ولهذا يا عبد الله حاول أنك تعتني بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، تعتني أن تجعلها للوالديك، لا تجعلها للأصحاب والزمالاء والأصدقاء. كما فعل كثير من الناس، إن خرج إلى شلته وإلى أصحابه وجماعته، لربما انبسط انبسط لهم في الكلام وفي الأقوال وفي الأفعال، يضحك، لكن إذا دخل عند والديه فلا تجد منه شيئا، ولا تسمع منه أثرا، لا ترى منه ضحك ولا تجد منه مؤانسة. يا عبد الله، إن كان من رحمة في قلبك قلبك، اجعلها لوالديك، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة. قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: «ما في الأدب المفرد في صحيح الأدب المفرد أنه قال لأحد الناس: قال أتفرق أي تهرب أتفرق من النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قال الرجل: إي والله، أي دلني دلني على ما يبعدني عن النار ويدخلني الجنة؟ قال: إي والله، قال: أحي والداك؟ قال: عندي أمي، فقال ابن عمر: والله والله لئن ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة». هذا من حسن العشرة مع الوالدين، عبد الله، لين الكلام إذا أردت أن تتكلم مع والديك، اجعل هذا الكلام محفوف بالاحترام والإجلال والإعظام، ليس فيه استطالة عليهم، مستغلا ضعفهما أو كبر سنهما، لا تستغل هذا الضعف فتستعلي عليهم بالمقال، تأدب، تليين لها الكلام وتطعم الطعام لوالديك. أطعمهم يا عبد الله، أطعمهم الطعام، لا تجعلهم في حاجة إلى أن يسألون الناس أو يتكففوا غيرهم من خلق الله، وأنت قد أغناك الله من فضله. للأسف، للأسف، ومن المؤسف أن تجد أن الناس من الأبناء والبنات والأولاد بشكل عام، من ربما الكل يدفع بأمه وأبيه إلى أخيه الآخر. عندك الوالدين عندك، أنت، أنت، عندك، سبحان الله، تددافعانه من؟ تددافعانه باب من أبواب الجنة؟ الكل يرمي به للآخر، خذوا، يخل عندك، يخل عندك، فتقوم المشاكل الأسرية من أجل والدين، يا عبد الله، فيما يتحمل إطعامهما، وما عسى أن يأكلان اللقمة والكزمة كما يقال، وأصبح الحساب والعقاب، هذا والله من كفر النعمة. تذكر يا عبد الله كيف كان حالك وأنت في المهد، وكيف كان ربما يصبرك على الجوع والضمأ في سبيل أن تأكل وتشرب أنت، فها أنت الآن بعدما كبرت وشبت وأصبحت رجلا، تبخل عليهم يا عبد الله بإطعام الطعام. وأسفا في مثل هذه الأزمان أن نسمع من هذه الشكاوى من بعض الآباء والأمهات ما يجدونه من قسوة الأبناء في التعامل أو في الكلام أو في حسن العشرة، فاحذر يا عبد الله إن أردت الجنة، فاحرص على أبويك، لن يدوما ما معك في فترة وجيزة، وسيذهبان ويرحلان، حينها لا ينفع الندم، ولن ينفع البكاء على عتباتهما وعلى ضريحهما، وأنت قد فرطت وقد حباك الله بهما أو بأحدهما. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من أدرك أبويه كلاهما أو أحدهما فدخل النار أبعده الله»، يعني هذه فرصة، يعني توفق بأن الله جل وعلا ينعم عليك بأبوين أو بأحدهما، ثم بعد ذلك تفرط فيهما بحيث أنك تكون من أهل النار، إشارة إلى أنك لم تستغل وجودهما هذا ما حقه. قال عنه نبينا «أبعده الله»، هذا بعيد، هذا بغيض. وإن مما يذكر في هذا الباب أحب أن أشير إليك ذلك، وأنا في مضمار التعامل مع الوالدين، لابد أن الاحترام يكتنفهما، الوالد والوالدة، الأم والأب، الوالد والوالدة. لكن احرص العناية بالأم، بالأم، لأن الأم عندها من الضعف في خلقتها وعندها من الضعف في القيام بشأن غيرها، ما لربما أودى ذلك إلى الترفع والتقليل في حقها. ولهذا تلاحظ أن أحيانا تأتي الأحاديث بذكر الأم فقط، كما جاء في صحيح مسلم عندما قال الرجل: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحبة؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك». وجاء في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات»، الشاهد: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات»، هل معنى هذا أن عقوق الآباء جائز؟ لا، الكل محرم، الكل محرم، لكن لماذا أشارت الأحاديث إلى تحريم عقوق الأمهات؟ ذكر العلماء كالنووي وغيره: لأن الأم لها ضعف، فربما كان العقوق فيها أكثر من الأب. وهذا الواضح، تجد أحيانا في البيوت تجد أن الأولاد من أبناء وبنات يكنون للأب الاحترام والإجلال، وذلك لهيبة لقوته وقوة شكيمته وحسن تربية وصرامته، لو ربما احتاج الأب إلى الضرب فيضرب، ولهذا يكون الأبناء على خط مستقيم كما يقال، لك إذا صرف الأب وجاءت الأم، حينها تأتي مظاهر العقوق، استخفافا بحقها وأيضا استغلالا لضعفها. لا يا عبد الله، انتبه، لا تجعل هذا الباب وهما، تجده من ضعف أمك سبيلا في عقوقها، فإن الإثم كذلك عظيم. وبالمقابل، عنايتك بأمك يا عبد الله باب عظيم من أبواب الجنة. جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء من حديث معاوية بن الحكم السلمي أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أريد الجهاد في سبيل الله، قال عليه الصلاة والسلام: «أحية أمك؟ أحية أمك؟» قال الرجل: نعم يا رسول الله، قال نبينا: «إلزمها فإن الجنة تحت رجليها»، إلزمها فإن الجنة تحت رجليها، يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله. فلا تستهين يا عبد الله بحق الأم، فإن حقها عظيم، كما أنك تعتني باحترام والدك وأبيك، كن على عناية عظيمة باحترام أمك، إلزمها فإن الجنة تحت قدميها. فهذا إخواني في الله ما أذكره في هذا المقام من حسن التعامل، وأنه مما ينبغي أن نحسن في التعامل معهم هم من كان من آبائنا وأمهاتنا. وسيئة إن شاء الله في حلقات قادمة ما يتعلق بطوائف من الناس كذلك ينبغي أن نعتني بالحرص في تعاملنا معهم، لأنهم باب من أبواب الجنة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.