الدرس في أعمال أهل الجنة - حسن التعامل مع الأرحام 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبين الدرس أهمية صلة الأرحام في الإسلام وأثرها في دخول الجنة، مستشهدًا بحديث أبي أيوب الأنصاري. يُعد هذا الفعل من العبادات العظيمة والقربات الجليلة.
صلة الرحم توسع الرزق وتزيد في العمر وتعمر الديار، كما أنها من الأمور التي تصل بها الجنة، بينما قطعها يحرم منها. يُشدد على أهمية هذا العمل في الدنيا والآخرة.
يُحَذّر من قطيعة الرحم ويبين العقوبات التي قد يتعرض لها القاطع، مشيرًا إلى أن صلة الرحم تشمل الزيارة والتفقّد والاتصال، ويبدأ بالأقرب فالأقرب مع حسن التعامل والأخلاق.
يُنبه إلى أهمية العناية بالأرحام من الإناث وتجنب ظلمهن، ويشير إلى حديث نبوي يبين فضل الإحسان إليهن، حيث يضمن لصاحبه دخول الجنة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في الدرس الأخير، إخواني في الله، كان الوقوف على عمل من الأعمال التي بها نصل إلى الجنان، ألا وهو ما يكون من حسن التعامل، وكان البدء بحسن التعامل مع الوالدين، فإن من تأدب مع والديه وأحسن العشرة والصحبة معهم، فإن الله جل وعلا يدخله الجنة. كذلك مما يدخل في حسن التعامل الذي به يا عبد الله تصل إلى الجنة ما يكون من حسن تعاملك مع رحمك، بما يكون من صلة الأرحام، فإن صلة الأرحام من العبادات العظيمة، هي من القربات الجليلة التي أوصى بها شرعنا، بل هي وصيته عليه الصلاة والسلام، كما جاء من حديث أنس، من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: «أرحامكم، أرحامكم»، أي صلوا أرحامكم، هذه وصيته لأمته بأنهم يصلوا الأرحام. وقد بلغ من عظم مقام صلة الأرحام أنه سبب من أعظم أسباب دخول الجنة، فقد جاء من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، قال: إن رجلًا قال: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الله به الجنة ويباعدني به عن النار، قال عليه الصلاة والسلام: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم». فأخبر عليه الصلاة والسلام أن من الأمور التي تصل بها يا عبد الله الجنة أن تكون واصلًا لرحمك، فمن أحب إخواني في الله أن يدخل الجنة فعليه بصلة الرحم، ومن أراد أن يحرم من الجنة فليقطع رحمه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة قاطع»، لا يدخل الجنة قاطع، الجنة إنما هي مفتوحة لكل من وصل رحمه، وأما من قطع الأرحام فأبواب الجنة موصدة مغلقة مقفلة أمامه. وللأسف يا عبد الله لو تأملت في أحوال الناس لذهلت من حالات القطيعة التي دبت بين الأرحام، ما كان بين الأقارب من أعمام وأخوال وأجداد وإلى آخره، سواء كان في حق الرجال أو حق النساء، هذه من الآثام العظيمة. واعلم يا عبد الله أن صلة الرحم ليست فضلها وأجرها ينحصر في الآخرة بدخول الجنة، بل إن الله سبحانه وتعالى أعطى للواصل لرحمه من الأجور ما تكون له قرة عين في هذه الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه»، من سره إذا أردت يا عبد الله هذا أن يكون من أمرك ومن شأنك أن يبسط لك في رزقك، تكون واسع الأرزاق تدر عليك الخيرات، يحببك الله جل وعلا بالبركات. وجاء كذلك في مسند الإمام أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار»، يعمرن الديار أي العمارة بالأموال والخيرات والبركات، ويزدن في الأعمار، يزيد في الأعمار حسن الخلق، حسن الجوار، وصلة الأرحام. وهكذا إذا كانت منافع الدنيا تأتي لواصل الرحم، فكذلك ما يكون من نقمته تكمن في قطيعة لرحمك، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له من عقوبة الآخرة من قطيعة الرحم والبغي»، فالباغي وهو المعتدي على حقوق الناس، والقاطع لرحمه ذنبه يكون العقوبة عليه في الدنيا مع ما يكون من عقوبة الآخرة. فقاطع الرحم يا عبد الله يبتليه الله جل وعلا بعقوبات كثيرة، وقد رأينا هذا، ولعل بعضكم يعلم بهذا، أن من جاهر بعداوته لقرابته وأرحامه، وخاصة من كان عاقًا لوالديه وبارزًا أرحامه بالعداوة والسب والشتم واللعن والقطيعة، تجد أن الله يبتليه بالفقر والمرض والضنك. إلا أن يتجاوز الله عنه، فاحذر يا عبد الله من قطيعة الرحم، فإن أردت بابًا من أبواب الجنة فالله الله في صلة الأرحام، بزيارتهم، بتفقدهم، ولو حتى بالاتصال عليهم، ولتكن يا عبد الله مبارزًا بالقطيعة، مبارزًا بالعداوة. وإن الأرحام إخواني في الله هو كل من يمت لك برحم، واحذر يا عبد الله وكن حريصًا على صلة الأرحام، وهم من كان من أقرب الناس إليك، قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك، خلال أرحامك، ابدأ يا عبد الله بالأهم فالمهم. وأنت ترتب هذه السلسلة، حسن التعامل بالأخلاق، بالآداب، بالكلام الطيب، بحسن العشرة، بحسن الصحبة، بمال إن أعطاك الله جاهًا ومالًا، بالاتصال، بالتواصل، بالسؤال عن الأحوال، كل ذلك من صلة الرحم. وإن مما أشير إليك في هذا المقام الحرص على موضوع الإناث، من الأرحام، مر معنا في درس أمس عندما تكلم عن حسن التعامل مع الوالدين، أشرنا إلى أمر الوالدة والأم، إذ أن من ضعفها لربما يكون العقوق فيها، وهكذا في باب الأرحام كذلك، أحيانًا تجد أن بعض الناس لا يولي لأرحامه الإناث حقهن. فربما كان ذلك سبيلًا إلى هضمهن، ومن هنا راعى الشرع في ضرورة العناية بأمر الأرحام من الإناث، ربن حبان في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: «من كان له ثلاث أخوات أو ثلاث بنات أو أختان أو بنتان، فأحسن صحبتهم واتق الله فيهن دخل الجنة»، هذه عناية بأمر الإناث. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.