الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع اسم الله "الحي" المقترن بـ "القيوم" في ثلاثة مواضع قرآنية، مبينًا أن حياة الله كاملة غير مسبوقة بعدم ولا يلحقها فناء، بخلاف حياة المخلوقين. ويستخلص أن هذا الاسم يقتضي إخلاص العبادة والتوكل والدعاء للحي الذي لا يموت، وينهى عن عبادة من لا حياة له أو حياته ناقصة زائلة.
يشرح المقطع معنى اسم الله "القيوم" بأنه القائم بنفسه الغني عن خلقه والمقيم لهم، ويبين أن اسم "الحي" يجمع الصفات الذاتية بينما "القيوم" يجمع الصفات الفعلية، وأن هذين الاسمين يُعدان من أعظم الأسماء الحسنى ويرجح بعض العلماء أنهما اسم الله الأعظم.
يستعرض المقطع الأحاديث الواردة في تعيين اسم الله الأعظم، كحديث أبي أمامة الذي يشير إلى "الحي القيوم" في ثلاث سور، وحديث أنس الذي تضمن دعاءً بعدة أسماء منها "يا حي يا قيوم"، وحديث بريدة الذي يعده الحافظ ابن حجر والألباني أصح الأسانيد ويحتوي على "الأحد الصمد". وينقل الخلاف بين العلماء في تعيينه هل هو "الحي القيوم" أو لفظ الجلالة "الله" أو مجمل دعاء بريدة، ويرجح عدم الجزم بواحد بعينه.
المسألة محل نزاع بين العلماء، والأقرب أن يكون أفضل الأسماء إما لفظ الجلالة (الله) أو الحي القيوم أو مجمل دعاء بريدة. وينتهي الحديث عند هذا الحد مع الحمد لله.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله بكتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": "الحي القيوم". ويحبذ لو ترقمون هذه الأسماء. قد أخذنا الأول: اسم الله، يعني لفظ الجلالة "الله"، ثم أخذنا "الرب"، ثم "الرحمن"، ثم "الرحيم". صح؟ طيب، يرقمون هذه الأسماء. قال: "الحي القيوم"، وهما اسمان وردا في القرآن مقترنين في ثلاثة مواضع، يعني لم يرد كل اسم بمفرده، وإنما ذكرا مقترنين، وذلك في ثلاثة مواضع من القرآن. قال: أولها في آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، والثاني في أول سورة آل عمران: ﴿الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، والثالث في سورة طه: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾. هذا بالنسبة للقرآن. وكذلك ورد هذان الاسمان في السنة في مواضع كثيرة، منها حديث: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»، ومنها كذلك ما سيأتي معنا إن شاء الله في معنى الاسم الأعظم، وأن من العلماء من قال إن الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هما هذان الاسمان: الحي القيوم. سيأتي معنا ذلك قريبًا. قال: "واسمه تبارك وتعالى الحي فيه إثبات الحياة صفة لله على القاعدة التي تكررت معنا كثيرًا من قواعد الأسماء، أن كل اسم متضمن لصفة، متضمن للصفة التي يدل عليها هذا الاسم. فالحي فيه صفة الحياة لله سبحانه وتعالى". قال: "وهي حياة كاملة ليست كحياة المخلوق، فهي حياة كاملة، ومن كمالها ليست مسبوقة بعدم. كل المخلوقات مسبوقة بعدم، أما صفة الحياة للخالق فهي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال وفناء. فكل المخلوقات في زوال وفناء وموت، كما قال الله عز وجل: ﴿كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. قال: ولا يعتريها نقص وعيب، جل ربنا وتقدس عن ذلك. فحياة الله عز وجل حياة كاملة لا يعتريها نقص ولا عيب بأي وجه من الوجوه. والإيمان بهذا الاسم له آثار ينبغي أن تؤثر على المؤمن، وأن يتذكر هذه الآثار. فمن آثار هذا الاسم "الحي" أن من هذا شأنه هو الذي يستحق أن يعبد، وأن يركع له، وأن يتذلل له، وأن يسجد له، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾. فالذي لا يموت، الذي حياته كاملة، ليست مسبوقة بعدم، ولا يلحقها زوال وفناء، فهو الذي يستحق العبادة. أما الحي الذي يموت، أو الميت الذي هو ليس بحي، أو الجماد الذي ليس به حياة أصلًا، هؤلاء كيف يعبدون من دون الله؟ أين عقول من يعبد الشمس؟ أليست الشمس تكور يوم القيامة؟ أين الذي يعبد الأصنام؟ أليست هي جمادات لا حياة لها؟ أين الذي يعبد القبور والأضرحة؟ أليس هؤلاء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فضلًا أن يملكوا ذلك لغيرهم؟ ولذلك الله عز وجل يقول: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لا يملكون لكم رزقًا﴾، الآية الأخرى: ﴿أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾. هؤلاء أموات، فكيف يعبدون من دون الله؟ إذن من الذي يعبد، ومن الذي يتوكل عليه، ومن الذي يطلب منه، ومن الذي يسجد له، ومن الذي يركع له، ومن الذي يستغاث به؟ الحي الذي لا يموت. ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾. فلا شك أن هؤلاء لو آمنوا بهذا الاسم وما تضمنه، وما ضمنه من صفة، لما عبدوا غير الله، لما عبدوا الجمادات، لما عبدوا الأموات، لما عبدوا الخلق، وإن كانوا أحياء، لأن حياتهم ناقصة، نهايتها إلى الزوال والفناء، فكيف يعبد هؤلاء؟ يقول الله عز وجل: ﴿هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾. هو الحي، هذا الذي يستحق أن يخلص له في الدعاء والعبادة، لأنه الحي الذي لا يموت. فلا شك أن هذا الاسم من آمن به يؤثر فيه، وكذلك يكون أشد قربة وعبادة لله سبحانه وتعالى، لأنه الحي الذي لا يموت. قال: "واسمه القيوم فيه إثبات القيومية صفة له". وما معنى القيوم، وما معنى القيومية؟ قال: "وهي كونه سبحانه قائمًا بنفسه، مقيمًا لخلقه". هذا معنى القيوم: قائمًا بنفسه، فهو غني عن خلقه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. فهو قائم بنفسه، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل مقيما لخلقه. فجميع الخلق في أمس الحاجة إلى ربهم سبحانه وتعالى. ولذلك ذكر العلماء أن اسم القيوم دال على أمرين: الأمر الأول: غنى الرب سبحانه وتعالى، فهو القائم بنفسه الغني عن خلقه، كما سمعت في قوله: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾، وكما جاء في حديث أبي ذر في صحيح مسلم، وفي هذا الحديث يقول الله عز وجل: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني». فالله سبحانه وتعالى لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين، فهو الغني الحميد سبحانه وتعالى. وغناه عن خلقه يقول العلماء إنه غنى ذاتي، لا يحتاج إليهم في شيء، غني عنهم من كل وجه سبحانه وتعالى، فهو غني بذاته عن خلقه سبحانه وتعالى. هذا الأمر الأول الذي يدل عليه اسم القيوم. الأمر الثاني الذي يدل عليه اسم القيوم: كمال قدرته وتدبيره لهذه المخلوقات، فهو قيم على جميع هذه المخلوقات. كم مخلوقات في هذا العالم؟ من البشر، من الجن، من الإنس، من البحار، من السماوات، من الأرض، من جميع الخلق. هذا يدل على كمال قدرته وتدبيره. قال الله عز وجل: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾. أحسنت. فهذا كله يدل على كمال قدرته وتدبيره سبحانه وتعالى. فهذا هو معنى القيوم: القائم بنفسه، المقيم لخلقه سبحانه وتعالى. قال: "وهذان الاسمان: الحي القيوم، هما الجامعان لمعاني الأسماء الحسنى، إذ جميع صفات الباري سبحانه راجعة إلى هذين الاسمين. فالصفات الذاتية كالسمع والبصر واليد والعلم، هذه صفات ذاتية، أي صفات يتصف بها ربنا سبحانه وتعالى في ذاته سبحانه وتعالى، فهذه راجعة إلى اسمه "الحي". فالحي يستلزم هذا الاسم أن يكون سميعًا بصيرًا، وأن يكون له من صفات الذات أكملها وأجلها وأعظمها. فإذا كل الصفات الذاتية يجمعها هذا الاسم: اسم الحي. واضح؟ فهذا معنى قوله: "هما الجامعان لمعاني الأسماء الحسنى". فالحي يجمع الصفات الذاتية، والقيوم يجمع الصفات الفعلية. لذلك قال: "وصفات الله الفعلية" - قال: "وصفات الله الفعلية كالخلق والرزق والإنعام والإحياء والإماتة ونحوها راجعة إلى اسمه القيوم". فالقائم بنفسه، المقيم لخلقه، هو الذي خلقهم، أي الخلق، ورزقهم، وأنعم عليهم، وأحياهم، وأماتهم، وغير ذلك من الصفات الفعلية يدل عليها اسم القيوم. فإذن الصفات الذاتية والصفات الفعلية راجعة إلى هذين الاسمين: الحي القيوم. ولذلك كان هذا الاسم - أو كان هذان الاسمان - من أعظم أسماء الله الحسنى. ولذلك قال هنا المؤلف: "ولذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنهما اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى". وهذه مسألة تنازع فيها العلماء، مسألة تحديد اسم الله الأعظم، ما هو اسم الله الأعظم؟ هذه مسألة بحثها العلماء. ومن أولئك الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، كما في كتابه "فتح الباري"، ذكر أقوال العلماء في تعيين اسم الله الأعظم، وذكر عدة أقوال بلغت إلى أربعة عشر قولًا. بلغت إلى أربعة عشر قولًا، لكن بعضها موصوف عليه دليل، وبعضها دلالته ضعيفة. وحاصل ما ورد من أحاديث في تعيين اسم الله الأعظم: ثلاثة أحاديث، بعضها صحيح صريح، وبعضها صحيح لكنه غير صريح في التعيين. فمما ورد من أحاديث في تعيين اسم الله الأعظم: حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، وطه». هذا الحديث رواه النسائي، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فيريد بهذا: الحي القيوم. ولذلك ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن اسم الله الأعظم هو الحي القيوم، لهذا الحديث. ورد حديث آخر من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا، ورجل يصلي. النبي صلى الله عليه وسلم جالس، ورجل قائم يصلي، وكان هذا الرجل يدعو، فيقول في دعائه: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم». فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى». والحديث رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وصححه الألباني، وصححه ابن داود. ولكن هذا الحديث ليس صريحًا في أن اسم الله الأعظم "يا حي يا قيوم" فقط، لأن هذا الحديث جاء فيه عدة أسماء، منها: "لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم". فبعض أهل العلم جعل هذا الدعاء جميعًا هو اسم الله الأعظم، ومنهم من قال: يدل عليه الحديث الذي قبله. ورد حديث آخر عن بريدة رضي الله عنه، بريدة بن الحصيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد». فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: «لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب». وهذا الحديث رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، وصححه الألباني. قال الحافظ بن حجر: وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد. هذا حديث أصح ما ورد في هذا الباب. ومثل ذلك قال كذلك العلامة الألباني. والشيخ الألباني رحمه الله يقول: إن اسم الله الأعظم هو مجمل هذا الحديث، أو هذا الدعاء، مجمل هذا الدعاء: «الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد»، لأنه قال: أصح سند، وأصح حديث ورد في هذا الباب. ومنهم من قال: اسم الله "الحي القيوم" بالحديث المتقدم. ومنهم من قال: بل الاسم الأعظم هو لفظ الجلالة "الله". وكل الأحاديث التي وردت فيها هذا الاسم، فمثلًا الحديث الأول: حديث أبي أمامة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: في البقرة»، ويريد ماذا؟ ﴿الله لا إله إلا هو﴾، ورد فيه لفظ الجلالة. وهكذا في سورة آل عمران: ﴿الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، ورد فيه لفظ الجلالة. وهكذا في سورة طه: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾، هذا ما فيه لفظ الجلالة. والمهم: حتى بعض العلماء ذكر أن... لكن هذا رده العلماء، أن اسم الله الأعظم مما استأثر به كليلة القدر وغيرها، فلم يذكر على وجه التصريح. ولكن هذا غير صحيح، لأن وردت الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بذكر بعض الأسماء. يمكن أن نقول: لا نجزم بشيء من ذلك، ولكن يكون إما لفظ الجلالة، وإما الحي القيوم، وإما مجمل الدعاء الذي جاء في حديث بريدة بن الحصيب. هذا معنى قول المؤلف هنا: "ولذا ذهب بعض أهل العلم...". إذا المسألة فيها خلاف، لذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنهما اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وممن ذهب إلى هذا من المعاصرين: الشيخ ابن عثيمين، يرى أن اسم الله الأعظم: الحي القيوم. ابن تيمية كذلك يذهب إلى أن الحي القيوم... نعم، يقول الأخ: كذلك ابن تيمية يقول ذلك. فالمهم: المسألة متنازع فيها، والأقرب ما جاء في بعض هذه الأحاديث: إما لفظ الجلالة، وإما الحي القيوم، وإما مجمل دعاء بريدة، والله تعالى أعلم. وبهذا نكتفي، وإلى هنا، والحمد لله يا رب العالمين.