الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 58، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع دلالة اسمي الله المقدم والمؤخر الواردين في السنة النبوية، ويبين أنهما من الأسماء المزدوجة المتقابلة التي لا يكمل المعنى إلا باجتماعهما. كما يوضح أن التقديم والتأخير صفات ذاتية وأفعالية تدل على كمال قدرة الله ومشيئته وحكمته في خلقه وأمره مع ذكر أمثلة كونية.
يفصل المقطع بين التقديم والتأخير الكوني كترتيب المخلوقات والأسباب والشرعي كتفضيل الأنبياء والصالحين بالعلم والعمل. ويربط ذلك بأسماء الله المقدم والمؤخر الواردة في دعاء الاستغفار موضحا أن الذنوب تؤخر العبد وتهينه بينما التوبة والمغفرة تقدمانه وترفعانه عند الله.
العزة الحقيقية والرفعة إنما تكون بطاعة الله لا بالمال أو الجاه، فمن آمن باسمي المقدم والمؤخر حرص على تقديم ما قدمه الله في العبادات والمعاملات. كبدء السعي بالصفا وترتيب الوضوء وفق القرآن وتقديم أهل القرآن في الإمامة والدفن واختيار الزوجة ذات الدين ومحبة من أحب الله وبغض من أبغض.
يبيّن المقطع أن من آثار الإيمان بأسماء الله وصفاته بغض من أبغضه الله من أهل الفسق والكفر والمعاصي. ويؤكد أن هذا البغض لله يُعد ثمرة من ثمرات الإيمان بهذين الاسمين مختتما الدرس بالتأكيد على أن الله أعلم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": "أسماء الله المقدم والمؤخر". قال: "وقد ورد هذان الاسمان في بعض الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم"، يعني: دليل هذين الاسمين ورد بالسنة. وكأن المؤلف بعدما انتهى من الأسماء الواردة في الكتاب، أردف بعض الأسماء الواردة في السنة كما سيأتي. قال: "منها أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير» متفق عليه". وجاء أيضاً حديث آخر: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في التشهد: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير». فقوله: «أنت المقدم وأنت المؤخر» فيه إثبات هذين الاسمين لله عز وجل. قال: "وهذا من الأسماء المزدوجة المتقابلة التي لا يطلق واحد منها بمفرده على الله إلا مقروناً بالآخر، فإن الكمال باجتماعهما". يعني: هما اسمان لكن يذكران جميعاً، لا يقال: "المقدم" فقط، أو "المؤخر" فقط؛ لأنها من الأسماء المزدوجة المتقابلة، مثل: الأول والآخر، ومثل: الظاهر والباطن. فإن في اجتماع هذه الأسماء الكمال. لو قلت: "المقدم"، قد يقول قائل: كيف؟ هل الله ليس بمؤخر؟ لو قلت: "الظاهر"، قد يقال: كيف؟ هل الله ليس بالباطن؟ لو قلت: "الأول"، قد يقال: كيف؟ هل الله ليس بالآخر؟ فيجمع بينهما، ولا يذكر كل واحد بمفرده؛ لأن في ذلك شيئاً من النقص. فكمال هذين الاسمين باجتماعهما، فيقال: المقدم والمؤخر. قال: "والتقديم والتأخير وصفان لله عز وجل، دالان على كمال قدرته ونفوذ مشيئته؛ لأنه هو الذي يقدم من يشاء ويؤخر من يشاء، فهذا دليل على كمال قدرته ونفوذ مشيئته. فلو شاء الإنسان تقديم نفسه ولم يرد الله ذلك لم يستطع. صح. لو أراد عبد أن يعز نفسه فإنه لا يستطيع إلا إذا شاء الله. فإثبات هذين الاسمين كما ذكر دالان على كمال قدرته ونفوذ مشيئته، وكمال حكمته؛ فإنه عز وجل يقدم من يشاء ويؤخر من يشاء بحسب ما تقتضيه حكمته. فإذا كان في تقديم من أراد الله تقديمه خيراً، وكذلك حكمة بالغة، فالله عز وجل يقدمه". هذا معنى قوله: "وكمال حكمته". قال: "وهو من الصفات الذاتية لكونهما قائمتين بالله، وهذا هو ضابط الصفات الذاتية التي تكون قائمة بالله، قائمة بالله عز وجل، والله متصف بها سبحانه وتعالى". قال: "ومن صفات الأفعال؛ لأن التقديم والتأخير متعلق بالمخلوقات ذواتها وأفعالها وأوصافها، فهي كذلك من صفات الأفعال؛ لأنه يفعل ما يشاء في خلقه. فالتقديم والتأخير متعلق بالخلق، متعلق بالخلق، سواء كان في ذواتهم أو أفعالهم أو أوصافهم". قال: "وهذا التقديم والتأخير يكون كونيّاً، كتقديم بعض المخلوقات على بعض، وتأخير بعضها على بعض. فالله عز وجل أول ما خلق القلم كما جاء في الحديث، فهذا تقديم الخلق، تقديم هذا المخلوق على غيره. كذلك من البشر: أول ما خلق آدم، خلقه على غيره من البشر. وهكذا ربنا عز وجل خلق الأب قبل الابن، صح، وخلق الابن الكبير قبل الابن الصغير، وهكذا. هذا معنى قوله: وهذا التقديم والتأخير يكون كونيّاً". "والتقديم القدري الذي يتعلق بالخلق، يتعلق بالخلق، كتقديم بعض المخلوقات على بعض، وتأخير بعضها على بعض، وكتقديم الأسباب على مسبباتها، والشروط على مشروطاتها. فمثلا: ما معنى تقديم الأسباب على مسبباتها؟ فمثلا: الأب سبب في وجود الابن، فقدم السبب على المسبب، الأب على الابن، واضح. وهكذا الشروط على مشروطاتها: فمن شروط الإنجاب إنجاب الأولاد: الزواج، صح. الزواج لأن الشرط يتقدم على الفعل. وهكذا، فكل ذلك من التقديم والتأخير الكوني، من التقدير والتأخير الكوني". قال: "إلى غير ذلك من أنواع التقديم والتأخير في الخلق والتقدير. الخلق معروف، التقدير: يعني ما يقدره الله". قال: "ويكون شرعياً، والشرع: هو ما يتعلق بشرعه سبحانه وتعالى ودينه. كما فضل الأنبياء على الخلق، هذا التفضيل شرعي، فالأنبياء من أفضل الخلق، وفضل بعضهم على بعض، فأفضل الأنبياء من هو نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا التقديم في الأفضلية تقديم شرعي، ليس تفضيلاً قدرياً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلق بعد الأنبياء جميعاً، صح، هو آخر الأنبياء والمرسلين بالنسبة للتقدير الكوني، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين بالنسبة للتفضيل الشرعي، بالنسبة للتفضيل الشرعي أو التقديم الشرعي". قال: "وفضل بعض عباده على بعض، وهذا في قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾. فمثلا: أبو بكر أفضل هذه الأمة، صح، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. هذا تفضيل شرعي. وهكذا فيما بعد الصحابة: فضل من فضل بالعلم والإيمان والعمل والاستقامة. ولذلك قال هنا: وفضل بعض عباده على بعض، وقدمهم في العلم والإيمان والعمل والأخلاق وسائر الأوصاف. هذا كله تقديم شرعي، وأخر من أخر منهم بشيء من ذلك، يعني: بضعف علمه وإيمانه وعمله وأخلاقه ونحو ذلك. ففي الشرعي: التقديم والتأخير إنما يكون بالعلم والإيمان والعمل والأخلاق والأوصاف الجميلة". قال: "وكل هذا تابع لحكمته سبحانه، يقدم من يشاء من خلقه إلى رحمته بتوفيقه وفضله، ويؤخر من يشاء عن ذلك بعدله. فالله عز وجل يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء، له في ذلك الحكمة البالغة". قال: "وقد ورد هذان الاسمان في سياق طلب الغفران للذنوب جميعها: المتقدم والمتأخر، والسر والعلانية، والخطأ والعمد، كما في الحديث. وفي هذا: يعني لماذا ورد هذان الاسمان في سياق طلب الغفران؟ ما هو السر في ذلك؟ قال: وفي هذا أن الذنوب توبق العبد وتؤخره. الذنوب توبق العبد، توبقه: يعني تدخله النار، تجعله في مذلة، وتؤخره: يعني تجعله في آخر أهل الخير والصلاح بسبب ذنوبه، بسبب ذنوبه. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾. كيف يهين العبد نفسه؟ وكيف يؤخر العبد نفسه بذنوبه ومعاصيه؟ بذنوبه ومعاصيه هي التي تؤخر العبد، لا تؤخره فحسب في محبة الناس له، بل تؤخره في الفضيلة والخير. فتجد هذا العاصي تثقل عليه الطاعات، لا يستطيع المحافظة على الصلوات، لأن هذه الذنوب قد أثقلته وقد قيدته، ولا يستطيع أن يقرأ القرآن، أو أن يقوم الليل، أو أن يصوم النهار، لأن هذه الذنوب قد أخرته عن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والسنن الراتبة ونحو ذلك. فناسب أن يذكر هذان الاسمان في ذكر الذنوب وغفرانها، فمن أذنب وأسرف على نفسه أخر لذلك". قال: "وفي هذا أن الذنوب توبق العبد وتؤخره، وصفح الله عن عبده وغفرانه له يقدمه ويرفعه. لأن العبد بشر قد يستزله الشيطان فيقع في المعاصي والذنوب، فليس الشأن كل الشأن ألا يعصي الإنسان، وإنما الشأن كل الشأن أنه إذا عصى بادر بالتوبة والاستغفار. فمن أذنب وتاب واستغفر تقدم، ومن أصر على ذنبه واستمر تأخر. فناسب أن يذكر هذان الاسمان في سياق طلب الغفران للذنوب جميعها". قال: "وصفح الله عن عبده وغفرانه له يقدمه ويرفعه. فالذي يشرف العبد ويرفع العبد ويعز العبد هي طاعته واستقامته، والذي يذل العبد ويهين العبد هي معصيته". قال: "والأمر كله لله وبيده، يخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويعطي ويمنع. من كتب الله له عزة ورفعة وتقدماً لم يستطع أحد حرمانه من ذلك، ومن كتب الله له ذلاً وخفضاً وتأخراً لم يستطع أحد عونه للخلاص من ذلك. فلا تظن أن الرفعة والعزة والنصر والتمكين بكثرة مالك، أو بكثرة جنودك، أو بكثرة جاهك وسلطانك. إنما العزة والنصر والتقدم والتمكين بطاعة الله، فهو الذي يقدم من أخذ بأسباب الرفعة، ويؤخر من أخذ بأسباب الذلة. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. هو الذي يعز من يشاء، أي: من عمل بأسباب العزة، ويذل من يشاء، أي: من أخذ بأسباب الذلة. هذا معنى كلامه، حفظه الله. فلا يستطيع أحد أن يرفعك إذا خذلتك معاصيك، وإذا كثرت عليك معاصيك لا يستطيع أحد أن يرفعك، لأن الله هو الذي يرفع ويخفض". قال: "ومن ثمار الإيمان بهذا الاسم: الحرص على تقديم ما قدم الله، وتأخير ما أخر. هذا أيضاً من ثمار الإيمان بهذين الاسمين، أي: الإيمان باسم المقدم والمؤخر، أيضاً أن تقدم ما قدم الله وتؤخر ما أخر الله. ولذلك سيسرد أمثلة: قالوا: أنه صلى الله عليه وسلم كان شديد التحري لتقديم ما قدمه الله، والبداءة بما بدأ الله، أو البداءة بما بدأ به من شعائر. وماذا قدم الله؟ وماذا قدم الله في كتابه؟ الصفا، ماذا قال؟ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. وكان يبدأ بما قدم الله. قال: نبدأ بما بدأ الله. وبدأ بالوجه ثم اليدين ثم الرأس في الوضوء، ولم يخل بذلك مرة واحدة، لأن الآية ذكرت هذا الترتيب. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. فالنبي صلى الله عليه وسلم فعله المستمر أنه يرتب أعضاء الوضوء على ما جاء في القرآن". "وكذلك في معاملة الخلق: يقدم من قدمه الله، ويؤخر من أخره الله. ففي الإمامة: من يقدم في الإمامة؟ من يقدم؟ يقدم صاحب القرآن، هذا الذي قدمه الشرع. بل جاء حديث في قتل أحد: كان النبي عليه الصلاة والسلام، لكثرة القتلى، يجعل الجماعة في القبر الواحد، فكان يقدم في اللحد من كان أكثر أخذاً للقرآن. انظر: صاحب القرآن مقدم على غيره، مقدم على غيره. فلا يقدم في الإمامة من هو فاسق أو فاجر، أو ما عنده شيء في القرآن، أو عنده ضعف في القرآن. وهكذا في طلب العلم: تقدم في الدراسة من هو أهل لأن يقدم، من العلماء إن وجدوا، أو طلاب العلم المتمكنين إن وجدوا. وهكذا في الخطبة: خطبة الزوجة، إذا أردت أن تتزوج فدللت على امرأة ذات مال ولا دين عندها، أو ضعيفة الدين والأخلاق، ودللت على امرأة عندها حسب ونسب لكنها ضعيفة كذلك في الدين، ودللت على امرأة عندها دين، إن كان عندها شيء من النقص في باب المال والحسب، فمن تقدم؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فاظفر بذات الدين». هذا الذي تقدم. وهكذا. فهذا من آثار وثمار الإيمان بهذين الاسمين: المقدم من قدمه الله، والمؤخر من أخره الله". قال: "وهكذا في جميع أمور الدين، والواجب كذلك تقديم من قدمه الله، وتأخير من أخره، ومحبة من أحبه الله، وبغض من أبغض. فإن هذا أوثق عرى الإيمان. فالمؤمن يحب من أحبه الله من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين وأهل العلم والاستقامة، فلا تكون المحبة من أجل المال، أو من أجل الحسب أو النسب. وهكذا في البغض: يبغض من أبغضه الله من أهل الفسق والكفر والفجور والمعاصي والانحراف. وهكذا. فهذا من آثار الإيمان بهذين الاسمين. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم".