المسائل الفقهية من قول خير البرية 14

المسائل الفقهية من قول خير البرية 14

أحكام زكاة الفطر: المقدار والأولوية وحكم الجنين والمرأة الناشز

فُصِّل في وجوب زكاة الفطر على كل مسلم وتحديد مقدارها بصاع، وأولوية إخراجها عن النفس ثم الوالدين فالأقربين. وبيَّن أن من ولد قبل غروب شمس ليلة العيد تجب عليه، أما الجنين فلا تجب عنه إجماعاً ويستحب إخراجها عنه، وذُكر حكم المرأة الناشز وهل يخرج الزوج عنها.

أحكام النفقة وإخراج زكاة الفطر عن الغير ووقت الوجوب

عُرض خلاف العلماء في وجوب النفقة وزكاة الفطر على المرأة الناشز ورُجِّح عدم الوجوب. وفُصِّل في حكم إخراج الولي عمن ينفق عليه دون إذنه، وحكم إخراج المنفق عليه عن نفسه، ورُجِّح جواز الأخير. وخُتم بوقت الوجوب بغروب شمس ليلة العيد وأن من أسلم بعده لا تجب عليه.

وقت وجوب زكاة الفطر وأحوال المكلف المتعلقة بها

بُيّن أن الوجوب يتعلق بغروب شمس ليلة العيد، فمن تزوج أو ولد له بعد الغروب لا تجب عليه، بخلاف من حدث قبله. وأن الوجوب يتعلق بالذمة لا بالصيام فيلزم المريض والحائض والنفساء. ومن كان معسراً عند الغروب ثم أيسر وجب عليه الإخراج عند الجمهور واختيار شيخ الإسلام.

مؤلف في المسائل الفقهية المستنبطة من السنة النبوية

أُشير إلى عمل فقهي للشيخ أبي همام عبد الله باسعد يجمع المسائل الفقهية المستمدة من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، ويمثل مرجعاً فقهياً يربط الأحكام الشرعية بأدلتها من السنة.

التفريغ النصي الكامل

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم. الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاهم. ما بعد، فهذه أيها الإخوة الكرام، قبل ذلك: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فهذه حلقة من حلقات المسائل الفقهية من قول خير البرية. قد تقدم معنا أن أخذنا بعض المسائل في حديث عبد الله بن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من التمر والشعير على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين. قد أخذنا في آخر هذه المسائل مسألة: من وجبت عليه صدقة الفطر بما زاد من قوته وقوت عياله. فإن كان قد زاد صاعًا فإنه يخرجه عن نفسه، وإن كان مثلاً أقل من صاع فالقول الصحيح أيضاً من قال به العلم: أنه يخرج ما زاد، أنه يخرج ما زاد ولو كان نصف صاع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الزهري عن نبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه قال: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». فدل على أنه ولو كان معه جزء من الصاع فإنه يخرجه. وأيضاً إذا بدأ بنفسه ثم أيضاً عنده زائد على ذلك فإنه يقدم والديه، ويقدم أباه أولاً ثم بعد ذلك يقدم ابنه ثم زوجته. وإن قدم الزوجة قبل الابن فلا بأس، ومن ثم قادمه ثم بعد ذلك الأقرب فالأقرب ممن ينفق عليه من ورثته. وهنا قوله عليه الصلاة والسلام: «والصغير والكبير». الصغير المراد به من ولد قبل غروب شمس ليلة العيد، من ولد قبل غروب شمس ليلة العيد. فإذا أولد مثلاً في آخر يوم من رمضان في عصره فإنه تخرج عنه زكاة الفطر. وأما إن كان غربت الشمس ثم ولدت هذه المرأة بهذا الولد فليس عليه زكاة، إن شاء الله تعالى. وأما الجنين، فقد ذكر الإمام ابن منذر رحمه الله إجماع أهل العلم على أن صدقة الفطر لا تجب عن الجنين، لا تجب عن الجنين، وإنما استحبها بعض أهل العلم كالإمام أحمد رحمه الله، وذكروا أثراً عن عثمان رواه الإمام ابن أبي شيبة، لكن في سنده انقطاع. لكن قد ثبت في مصنف عبد الرزاق بسناد صحيح عن أبي قلابة، وهو من كبار التابعين، فقال رحمه الله: كانت تعجبهم -أي السلف- صدقة الفطر عن الصغير والكبير حتى الحملة في بطن أمه، حتى الحملة في بطن أمه. وأبو قلابة وعبد الله بن زيد الجرمي قد أدركا جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك رضي الله عنه، وكذلك مالك بن الحويرث وجماعة من الصحابة، فيه يحكي عن السلف أنهم كانوا يعجبهم صدقة الفطر عن الصغير والكبير حتى الحملة في بطن أمه، أي حتى الجنين يخرجون عنه. لكن ليس من باب الوجوب، وإنما من باب الأمر المستحب. فإن تصدق عن الجنين فهو حسن من غير إيجاب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرعها عن الصغير والكبير، والجنين لا يصدق، لا يقال أنه صغير، فالصغير هو المولود، وهذا ليس بمولود. لكن إن فعل فأخرجها عن الجنين فهو حسن. وذكر العلماء أيضاً من هذه المسائل: مسألة المرأة الناشز. ومن باب التنبيه: المرأة الناشز هي المرأة التي خرجت عن طاعة زوجها بغير حق شرعي. فهل للزوج أن يخرج عنها؟ فأكثر أهل العلم على أنها لا تجب لها النفقة، إلا الظاهرية يقولون أنها تجب، وقولهم في ذلك قوي. فقال الجمهور: لا تجب لها النفقة، وبالتالي فإنهم يقولون لا تجب صدقة الفطر عنها، كما تقدم في ارتباط النفقة بزكاة الفطر. مع أن صدقة الفطر تبع، كما تقدم أننا قلنا: أن صدقة الفطر تبع للنفقة، فلذلك على الزيادة التي ذكرناها قبل في حديث دار قطني عن «ممن تمونون»، وقلنا أنها لا تصح، لكن جاء عن عبد الله بن عمر بإسناد صحيح. فلذلك المرأة الناشز لا ينفق عليها، فكذلك لا يتصدق عنها على قول جمهور أهل العلم. أيضاً من هذه المسائل: أن من لزمت غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه. أنا قد ذكرنا هذا مثلاً: المرأة التي هي عند زوج، فلو أخرجت عن نفسها بدون إذن زوجها فهل تجزئها؟ فصحيح من قول أهل العلم أنها تجزئها، وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه، لأن الأصل أنها تجب عليها، وإنما زوجها يتحملها. لا خلاف بين أهل العلم في أن من وجبت عليه صدقة الفطر عن غيره فاستأذن الغير ممن تجب عليه النفقة، استأذنه في أن يخرج عن نفسه الصدقة، فلا خلاف في جواز ذلك. فلو أن ولداً ينفق عليه والده فاستأذن والده أن يتصدق عن نفسه، هذا الولد استأذن والده أن يتصدق عن نفسه صدقة الفطر. وكذلك الزوجة إذا قلنا مثلاً بوجوب الصدقة على زوجها كما تقدم، فإذا استأذن الزوجها أن تخرج الصدقة عن نفسها من مالها فإن ذلك يجزئ. وكذلك لا خلاف بين أهل العلم في أنه إذا أخرج عن غيره ممن يجب عليه أن يخرج عن نفسه بغير إذنه فإنه لا يجزئ. فلو أن رجلاً أخرج عن آخر، صديقاً له يعرفه معرفة جيدة ويعرف أنه رجلاً فقيراً مثلاً، فأخرج صدقة الفطر عنه ولم يخبره بذلك، فهنا هذه الصدقة لا تجزئ، لا تجزئ إلا إذا أخرجها بإذنه، إذا أخرجها فاستأذنه أن يخرج عنه زكاة. إنما وإنما الخلاف فيما إذا أخرج عن نفسه صدقة الفطر وهي تجب على غيره بغير إذنه. فمثلا إذا أخرج الولد صدقة الفطر عن نفسه وهي تجب على والده بغير إذن والده، أو أخرجت الزوجة صدقة الفطر عن نفسها وهي واجبة على زوجها كما تقدم على قول الجمهور بغير إذنه، فهل يجزئه ذلك؟ فهنا بعض أهل العلم يقول يجزئه، والصحيح أنه يجزئه، لأن الأصل أن الإنسان يخرج عن نفسه، وإنما هذا الولي يتحمل الصدقة عن غيره، عمن ينفق عليه، ولذا وجبت على من ينفق عليه، وإلا فهي في الأصل واجبة عليه، لكن لعدم قدرته عليها في الغالب وجبت على غيره، فلذلك فهو يتحملها. طيب، فأيضاً من هذه المسائل التي تذكر في هذا الباب والتي تتعلق بذمة المسلم ووجوب، أو متى تجب أن يخرجها المسلم. معنا: متى يكون وجوب إخراج هذه الزكاة؟ فتجب بغروب الشمس ليلة الفطر عند جمهور أهل العلم، وذلك لأن سببها الفطر، والفطر يحصل بغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان، والفطر يحصل بغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان. فهذا الذي عند أكثر أهل العلم: أنه بغروب الشمس يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر، وجبت عليه زكاة الفطر، وذلك لأنها طهرة للصوم كما جاء في حديث ابن عباس كما سيأتي إن شاء الله تعالى معنا، والصوم ينتهي بغروب الشمس، ولأن ليلة العيد ليست من شهر رمضان وهي متعلقة بشهر رمضان، فلذلك تتعلق بهذه المسألة مسائل. فمن أسلم بعد غروب الشمس فلم يدرك شيئاً من النهار، يؤمر بإمساكه، فإنه لا صدقة عليه. أنا أسلم بعد غروب الشمس، فهذا لا صدقة عليه ولا تتعلق ذمته بشيء. أو كذلك تزوج الإنسان، تزوج بعد غروب شمس ليلة العيد، أنا بعد انتهى رمضان وغربت شمس شوال، فإنه أيضاً إذا تزوج، أو العبد، أو ولد له، فإنه لا تجب عليه زكاة فطرة هذه الزوجة، ولا أيضاً هذا الولد الذي ولد له بعد غروب الشمس. فهذا إذا تزوج كما قلنا فإن الصدقة تجب على الزوجة، عن زوجته، الزوج عن زوجته إذا تزوج بعد غروب الشمس فلا يجب عليه عنها، وكذلك إذا أتاه ولد فلا يجب عليه عنه صدقة الفطر، وإنما يدخل في الصدقة على الجنين كما تقدم وهي مستحبة كما تقدم معنا. فهذه المسائل مترتبة على هذه المسألة. وهذه مسألة: وهي مسألة تعلق الذمة بوجوب الفطرة وزكاة الفطر إذا غربت الشمس. وإذا أسلم قبل غروب الشمس، أو اشترى عبداً مثلاً قبل غروب الشمس، أو تزوج قبل غروب الشمس ليلة العيد، أو ولد له قبل غروب الشمس، فإن الصدقة تجب، لأنه قد ملك هذا العبد، وقد ولد له هذا الولد في وقت تعلق وجوب صدقة الفطر في ذمته. ولهذا قال العلماء: أنه من كانت تعلق الوجوب بذمته فهو يجب عليه أن يخرج زكاة فطره، ولو لم يصم، ولو لم يصم. مثلاً لو مرض طوال الشهر فإنه أيضاً عليه زكاة فطر، وتلزمه زكاة فطر. كذلك المرأة النفاس التي ولدت ولم تصم شيئاً من شهر رمضان، فإنها أيضاً كذلك يلزمها صدقة الفطر، لأن الوجوب متعلق بذمتها، فلذلك تجب عليها، أو على من ينفق عنها، تجب عليها زكاة الفطر. وهنا وهنا أيضاً مسألة أخرى وهي تتعلق بهذا، وهي أنه إذا مثلاً: إن كان أسلم قبل غروب الشمس، أو اشترى عبداً، أو كما تقدم. أيضاً هنا مسألة: إن كان معسراً عند غروب الشمس، معسراً عند غروب الشمس، ما عنده شيء من الطعام، غربت الشمس وليس عنده شيء من الطعام الذي يتصدق بها ويخرجه في زكاة الفطر. لكن بعد ذلك، أي مثلاً جاءته، مثلا طعام، وطيب من الطعام من زكاة الفطر، فاجتمع عنده طعاماً كثيراً ويكفيه ويكفي من ينفق عليه، بل يزيد كثيراً منه. فهل هنا يتصدق ويخرج زكاة منه؟ فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه كذلك، مادام أنه أدرك شيئاً من الوقت وقد أغناه الله، وقد كان أيسر بعد عسره، فإنه يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه وعن من تحت نفقته. وهذا هو الصحيح من أقوال العلم الذي اختاره شيخ الإسلام، وهو قول لأحمد رحمه الله: أن الصدقة تجب عليه إذا أيسر بعد ذلك، لأنه قادر على الأداء في الوقت، فكونه عاجزاً في أول الوقت لا ينفي عنه الوجوب ما دام قادراً على أدائها في وقتها. فإذا كان مثلاً بعد المغرب ما كان عنده، ثم تيسر في تلك الليلة طعاماً كثيراً، أو جاءه في يوم العيد طعاماً كثيراً يكفيه لقوته ولقوت يومه وليلته، وكذلك لمن ينفق عليهم، فهذا بعد ذلك يخرج ما كان زائداً. ولهذا تجد أيضاً كثيراً من الناس يسألون: من كان مثلاً جاءه، ما عنده شيء، ما عنده شيء، لكن جاءه من الصدقات، من صدقات الفطر التي توزع، فاجتمع عنده طعاماً كثيراً. فهل يخرج من هذا؟ نعم، نقول: نعم، يخرج من هذا الطعام الذي تحصله، يخرج من هذا الطعام الذي تحصل، أو الذي تحصله من زكاة الفطر، لأنه أصبح في ملكه، فهو يعتبر مثل ماله، وقد جاء في وقت الخروج، فيلزمه أن يخرج، كما قلنا، وهو الصحيح من أقوال أهل العلم. فنكتفي بهذه المسائل إلى درس آخر أو حلقة أخرى، والحمد لله رب العالمين. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم. الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر.