شرح كتاب الصيام من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 5

شرح كتاب الصيام من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 5

الدرس في شرح كتاب الصيام من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

آداب الصيام وقضاء الواجب عن الميت

يستعرض المقطع آداب الصيام الواجبة كترك قول الزور والعمل به والجهل، مبيناً أن هذه المعاصي تنقص الأجر ولا تبطل الصيام. ثم يوضح حكم قضاء الصيام الواجب عن الميت إذا تمكن من القضاء في حياته وتأخر حتى مات، فيستحب لوليه أن يصوم عنه.

أحكام قضاء الصيام عن الميت وفضل الأيام الفاضلة

يبين المقطع أن من مات وعليه قضاء رمضان لمرض مستمر لا قضاء على أوليائه ولا فدية، بينما يجب عليهم قضاء صيام النذر عنه. كما يذكر فضائل صيام يوم عرفة ويكفر سنتين، ويوم عاشوراء ويكفر سنة، ويستحب صيام يومي الاثنين والخميس.

فضل صيام التطوع: الاثنين والخميس وست شوال والأيام البيض وصيام داود

يستحب صيام يومي الاثنين والخميس لشرفهما بولادة النبي وبعثته ونزول القرآن، وصيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يعدل صيام الدهر بحساب الحسنة بعشر أمثالها. كما يُسن صيام الأيام البيض (13، 14، 15) أو ثلاثة أيام من كل شهر، وأفضل التطوع صيام داود يوماً ويفطر يوماً.

ختام الجلسة وتأجيل الباقي

أعلن المتحدث انتهاء الجلسة الحالية لضيق الوقت، على أن يُكمل ما تبقى من الدرس في لقاء قادم إن شاء الله. مختتماً بقوله: والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». رواه البخاري. يريد المؤلف بذكر هذا الحديث أيضًا ذكر بعض سنن الصيام. فمن سنن الصيام أن يحافظ الصائم على صومه، فيبتعد عن الأقوال والأفعال التي تخدش في الصيام. وقوله: «من لم يدع قول الزور»، فقول الزور هو كل قول باطل، يدخل فيه الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك. «والعمل به» هذا كذلك يشمل ما يكون من أثر هذا الباطل. «والجهل» المراد به كذلك العمل الباطل من السفه أو من الظلم أو نحو ذلك. وكل هذه الأفعال تخدش في الصيام وتنقص أجره. ولذلك اختلف العلماء فيمن يغتاب أو يكذب أو يأتي بتلك الأعمال السيئة في صيامه: هل صيامه صحيح أو ليس بصحيح؟ الصحيح أن صيامه صحيح لكنه ناقص، صيامه ناقص. وذهب ابن حزم إلى بطلان صيامه، لكن هذا غير صحيح؛ فالكذب ونحوه ليس من شروط الصيام، وإنما من مكملاته. فلا شك أن الصائم كلما حافظ على صيامه بالطاعة والذكر والبعد عن المعاصي كان صيامه أتم وأعظم. وأما من خدش صيامه بالغيبة والنميمة والكذب وقول الزور والباطل ونحو ذلك، فلا شك أن هذا صيامه يكون ناقصًا. ويدل على هذا أيضًا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». فهذا الحديث أيضًا فيه النهي عن الرفث وهو الكلام السيئ، وعن الصخب وهو رفع الصوت والجهر به، ونحو ذلك من تلك الأفعال التي تخالف الشرع. وأما قوله: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فالمعنى أن الغاية من الصيام ليس الجوع والعطش. لذلك جاء في الحديث الآخر: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب». بمعنى أنه يصوم، ومع هذا لا يهذبه هذا الصوم، يجعل يوم صومه كيوم فطره، فلا يهذبه هذا الصيام. مع أن الله عز وجل بيّن الحكمة من هذا الصيام بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: هذه هي الحكمة من فرضية الصيام. فمن التقوى ترك قول الزور والعمل به والصخب والجهل ونحو ذلك. فينبغي للصائم أن يحافظ على صيامه بالبعد عن هذه الأعمال. ثم قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». رواه البخاري ومسلم. هذه المسألة يمكن أن نعبر عنها بماذا؟ بالقضاء. من مات وعليه صيام، فمن مات وعليه صيام يقضي عنه أولياؤه، يقضي عنه أولياؤه، سواء كان هذا الصيام صيام رمضان أو صيام نذر. يعني يُراد بالصيام هنا الصيام الواجب، أما الصيام المستحب فلا، لكن مراد به هنا الصيام الواجب. وعلق هنا الشارح بقوله: والمقصود أن من تمكن من القضاء ولم يفعل حتى مات، فإنه يشرع لوليه أن يصوم عنه. والولي هو الوارث. يعني مثلاً: هل كل من مات وعليه صيام صام عنه وليه؟ الجواب: لا، وإنما من أفطر في رمضان لعذر، مثلاً أصيب بمرض حمى، أو كذلك ألم شديد، أو نحو ذلك، فترك الصيام في رمضان ثلاثة أيام، أربع أيام، عشر أيام، ثم انتهى رمضان. انتهى رمضان، وشفي هذا الشخص، فقال: سأصوم إن شاء الله بعد شهر أو بعد شهرين، لأن صيام قضاء رمضان على التراخي ليس على الفورية، لحديث عائشة: «كان يكون علي الصيام من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فقال: سأقضي بعد شهر، شهرين، فمات قبل أن يصل إلى هذا الوقت. فهنا على أوليائه أن يصوموا عنه، لأنه كما ذكر المؤلف: الشارع هنا أنه تمكن من القضاء ولم يفعل. لكن إذا لم يتمكن من القضاء، على سبيل المثال: إنسان مرض في آخر رمضان، في العشر الأواخر مثلاً، وأفطر، ثم جاء العيد ولا يزال المرض مستمرًا به، المرض مستمر، ما شفي. طيب، فبعد أسبوع، بعد عشر أيام، ولا يزال المرض مستمرًا به، مات. فهذا ليس على أوليائه الصيام عنه، لماذا؟ لأنه لم يتمكن من القضاء، لم يتمكن من القضاء. واضح هذا الآن؟ نعم. لكن ذكر بعض أهل العلم أن عليه الإطعام، لأن حكمه حينئذ حكم المريض الذي لا يرجى برؤه، لأنه مات في هذا المرض، مات في هذا المرض. وكثير من أهل العلم يرون أنه لا شيء عليه، لأن هذا المرض لا يدري أهو من المرض الذي لا يرجى برؤه، أو من المرض الذي يرجى برؤه، والغالب أنه من المرض الذي يرجى برؤه، أو برؤه يرجى برؤه بضم الباء. فإذا كان كذلك فلا شيء عليه، لماذا؟ لأنه مات قبل أن يتمكن من القضاء، فلا قضاء على أوليائه، ولا فدية عليهم، ولا فدية عليهم، لأنه مات في مرضه. وهذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم. وكذلك النذر: إنسان نذر مثلاً أن يصوم في هذا الشهر ثلاثة أيام، طيب، فمات ولم يصم، فهنا على أوليائه أن يصوموا عنه هذه الأيام الثلاثة، لأن النذر واجب الوفاء به، واجب الوفاء به. فهذا الحديث عام، مع أن بعض العلماء حمله على النذر، لكن الحديث عام لم يذكر فيه النذر، فهو في النذر وفي غيره كرمضان. وقوله: «هو الولي هو الوارث»، أي الذي يصوم عنه ورثته، ورثته. طيب، لو كان عليه عشرون يومًا، ومعه عشرون وارثًا، هل يكفي أن يصوم كل واحد يوم؟ نعم، يكفي أن يصوم كل واحد يوم، لا يشترط أن يصوم هذه العشرين يومًا واحد من الورثة، لا. ويجوز أن يصوم الواحد أكثر من يوم، المهم أن أولياءه يعتنون بمسألة القضاء، قضاء هذا الصيام عن الميت، قضاء هذا الصيام عن الميت. قال: وسئل عن صوم يوم عرفة، فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية». يمكن أن نعنون لهذا بسنن الصيام. صيام رمضان فريضة، لكن هناك كذلك أوقات يستحب فيها الصيام استحبابًا أكيدًا، ومن ذلك صوم يوم عرفة، اليوم التاسع من ذي الحجة، يوم عرفة، يوم وقوف الحجاج بعرفة. فغير الحاج يستحب له استحبابًا أكيدًا أن يصوم. أما الحاج فالسنة في حقه الإفطار، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان مفطرًا، فأتي له بقدح فيه ماء فشرب منه عليه الصلاة والسلام بعد الزوال، فدل ذلك على أن الحاج لا يصوم. وهذا فيه حكمة، فإن الحاج في ذلك اليوم، يوم عرفة، بحاجة إلى الاجتهاد في الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل والوقوف في عرفة، وهذا يحتاج منه إلى جهد، ويحتاج منه إلى قوة، فإذا كان صائمًا لربما فاته هذا اليوم في الكسل أو النوم، أو كذلك عدم كثرة الدعاء أو نحو ذلك. فشرع لغير الحاج أن يصوم، وأما غير الحاج فيتأكد له صيام هذا اليوم، يوم عرفة، وفيه هذا الفضل العظيم: «يكفر السنة الماضية والباقية». يعني يكفر ذنوب سنتين، صيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين. وسئل عن صيام عاشوراء، فقال: «يكفر السنة الماضية». ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، لأنه يوم نجى الله فيه موسى من عدوه فرعون، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم شكرًا لله عز وجل، وأتى في فضله أنه يكفر السنة الماضية، يعني يكفر ذنوب سنة ماضية، سنة ماضية أي فائتة قد ذهبت هذه السنة. نعم، فهذان اليومان يتأكد صيامهما: يوم عرفة ويوم عاشوراء. هذا في السنة. وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، أو أنزل علي فيه». رواه مسلم. وكذلك صيام يوم الخميس، فذكر عليه الصلاة والسلام أن الأعمال تعرض فيه، تعرض في هذا اليوم، يوم الخميس من الأسبوع، ويحب أن يعرض عمله وهو ماذا؟ وهو صائم، عليه الصلاة والسلام. فإذن يستحب في الأسبوع صيام يوم الاثنين ويوم الخميس، يوم الاثنين ويوم الخميس. يوم الاثنين لأنه يوم ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث فيه، وأنزل عليه فيه القرآن، فكل هذه نعم أنعم الله عز وجل بها على نبيه، فشكر الله عز وجل بأن يقوم بهذه العبادة. والإنسان كلما زاده الله نعمًا، زاد قربًا وعبادة لله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وأنت أيها المؤمن لا شك أن من نعمة الله عز وجل عليك ولادة النبي عليه الصلاة والسلام، لأن بسببه هداك الله إلى هذا الإسلام والدين، وهكذا من نعمة الله عز وجل عليك بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فأنت ممن نهل من هذه البعثة وهداك الله عز وجل، وهكذا أنزل علي فيه، أي القرآن، والقرآن نعمة عظيمة على أهل الإسلام. فلذلك من استطاع أن يصوم هذه الأيام ولا يضعفه الصيام، فيستحب له أن يصوم هذه الأيام. وقال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستة من شوال كان كصيام الدهر». رواه مسلم. بمعنى أن من سنن الصيام أيضًا السنوية صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان. وذكر العلماء من الحكم ذلك كما جاء في الحديث: «كصيام الدهر»، لأن الحسنة بعشر أمثالها. طيب، فرمضان كم؟ رمضان ثلاثون يومًا، لو ضربت الثلاثين في العشرة بكم؟ ثلاثمائة. تمام، ثلاثمائة، وستة أيام إذا ضربت في عشرة كم؟ ستين. والعام ثلاثمائة وستون يومًا، العام ثلاثمائة وستون يومًا، صح؟ فهي كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها. طيب، فهذا فيه فضل عظيم لا يفوته المسلم. ويجوز في صيام هذه الست أن يصومها متتابعة، أو أن يصومها متفرقة، والأفضل أن يصومها أول ما يتيسر له، نعم، أول ما يتيسر له، حتى لا تفوتوا هذه العبادة الجليلة. فإن استطاع أن يصومها بعد العيد مباشرة فعل، وإن كان الأيسر له أن يؤخرها شيئًا فلا بأس، لتكون هذه الأيام يزور أرحامه أو يفسح على نفسه وأولاده، فلا بأس أن يتأخر شيئًا، المهم أنه لا يخرج شوال إلا وقد صام هذه الأيام الست، هذه الأيام الست. وقال أبو ذر: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». رواه النسائي والترمذي، وهو حديث صحيح. وما يسمى بالأيام البيض: الأيام البيض يوم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر. نعم، فهذا أيضًا من السنن المستحبة أن يصوم المسلم في الشهر هذه الأيام. وجاء في صيام ثلاثة أيام من الشهر عدة صور، منها هذه الصورة وهي أفضلها، منها هذه الصورة وهي أفضلها: أن تصوم الأيام البيض من هذا الشهر. نعم. وجاءت كيفية ثانية، وهو أن تصوم في كل عشرة أيام يوم، أن تصوم في كل عشرة أيام يوم من الشهر، مثلاً من واحد إلى عشرة تصوم يوم، تمام، من إحدى عشر إلى عشرين تصوم يوم، من عشرين إلى ثلاثين تصوم يوم، كل عشرة أيام تصوم فيها يوم. هذا أيضًا كيفية. وكيفية أخرى: أن تصوم ثلاثة أيام متفرقة على ما يتيسر لك، سواء كان في أول الشهر تصومها ثلاثة أيام مع بعض، أو تفرقها في العشر الأولى، أو في العشر الأخيرة، أو في العشر الوسط، المهم أنك تصوم في الشهر ثلاثة أيام. وقد جاء أيضًا في الحديث الآخر: «صوم رمضان وصيام ثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر»، يعني غوائل القلب وأمراض القلب من الحقد والغل والحسد ونحو ذلك. هذا أيضًا من فضائل صيام ثلاثة أيام من كل شهر. ومن صام الاثنين والخميس فهو سيصوم ثلاثة أيام من كل شهر وزيادة، وزيادة. ومن صام الاثنين والخميس وتحرى صيام الأيام البيض فهذا أيضًا زيادة فضل وخير. وهكذا أفضل الصيام بالنسبة لصيام التطوع: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا». هذا أفضل الصيام من حيث النسبة لصيام التطوع، أن تصوم يومًا وتفطر يومًا، يومًا. طيب، نكتفي اليوم بهذا لضيق الوقت، ونكمل إن شاء الله ما بقي في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.