الدرس في كتاب النكاح 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
العيوب التي تبيح فسخ النكاح تشمل الجنون والجذام والعنة والرتق، والعلماء اتفقوا واختلفوا في بعض الحالات مع مراعاة إمكانية العلاج. هذه العيوب تؤثر على الحياة الزوجية وتمنع من الوطء.
إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين، فإن نكاحهما يبقى صحيحا إذا كان موافقا للشرع، وينفسخ إذا كان مخالفا للشرع. ينفسخ النكاح بعد انتهاء العدة، وعدة الفسخ حيضة واحدة.
إذا أسلم أحد الزوجين وكان الآخر كافراً، فإن النكاح يُفسخ وتجب العدة. هناك خلاف بين العلماء حول ما إذا كان النكاح يعود إذا أسلم الرجل قبل انقضاء العدة.
رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته لأبي العاص ثابت في الصحيح، لكن مسألة وجود مهر أو عدمه لم يثبت فيها شيء. هذا يدل على أن بعض التفاصيل لم يتم توثيقها بشكل قاطع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال الإمام الشوكان رحمه الله تعالى: ويجوز فسخ النكاح بالعيب، ويقر من أنكحة الكفار إذا أسلموا ما يوافق الشرع. قال: يجوز فسخ النكاح بالعيب، العيب على قسمين: منه ما يرد به النكاح ويفسخ، ومنه ما لا يرد به النكاح. واتفقوا على عيوب يرد بها النكاح، واتفقوا على عيوب لا يرد بها النكاح. فمن العيوب التي اتفقوا على أنها يرد بها النكاح عند الرجل مثلا، والمرأة معنى بعضها عند الرجل، وبعضها عند المرأة، خاصة بالرجل، وبعضها خاصة بالمرأة، وبعضها بينهما. فمما يكون خاصة بالرجل أن يكون الرجل مجبوبا أو مقطوع الذكر، فهذا عيب يرد به. وأيضا بعضهم أو الجمهور يذكرون العنة. يذكرون أيضا من العيوب العنة، والعنة المراد بها عدم انتصاب ذكر الرجل. فإذا كان كذلك فهذا يسمونها العنة، وأكثر العلماء على أنها عيب يفسخ به النكاح. ومنهم من يقول أنها تنتظر؛ لأن هذا العنة قد تذهب بالعلاج. ولهذا قالوا في هذا العيب لا بأس أن المرأة تتأخر في الفسخ، أنها تعطيه فترة من الزمن لعله يعالج، يذهب هذا عنه. وأما العيوب التي تكون في المرأة، فغالبها العيوب التي تمنع من الوطء، أنها تمنع الرجل من وطء المرأة. فكأن تكون المرأة رتقاء، والرتقاء التي يكون معناها في رحمها لحمة تمنع من الجماع، أو قرناء، والقرناء هي التي لا يكون فيها عظم يجمع، يمنع من الجماع. فكل عيب يمنع من الوطء فيعتبر عيب يفسخ به النكاح. وذكر بعضهم أيضا القروح السيالة، أن بعض النساء يكون عندها قروح سيالة، ينزف منها دم، وكذا. ولكن مثل هذه الأشياء تعالج، فما كان يعالج فالأفضل الصبر. وذكروا أيضا عيوب أخرى، أكثرها قد لا تمنع من الوطء، لكن هناك عيوب مشتركة مثل الجنون، الجنون عيب مشترك بين الرجل والمرأة. إذا تزوج الرجل مثلا وجد امرأته عندها جنون، هنا له أن يفسخ العقد. كذلك المرأة إذا تزوجت رجلا فوجدت عنده أنه مجنون، ليس أحمق، قد يكون عنده مثلا تخلف، هذا شيء آخر، لكن إذا كان عنده جنون، يذهب عنه عقله، فهذا عيب يرد به النكاح. كذلك أيضا ذكروا بعض الأمراض التي قد لا تعايش، كالجذام، أن الجذام مرض قد لا يستطيع الإنسان أن يعيش مع الآخر، إلا إذا كانت المرأة قد تزوجت ثم جاء هذا المرض لزوجها أو جاء إليها. لكن أن يكون هذا المرض فيه، فغالبا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». فالمجذوم غالبا لا يعيش. فلهذا ذكروا من هذه الأمراض التي تكون خطيرة ولا يستطيع الإنسان أن يعيش مع الآخر، فهنا يعتبر من العيوب. مثلا لو أن رجلا تزوج امرأة فاكتشفت المرأة أن فيه مرض السرطان، مرض خطير، فهل لها أن ترده؟ إذا كان له علاج ممكن أنها تصبر، وإذا لم يكن هناك علاج لهذا المرض، فهذا ممكن أنها ترد به النكاح. وأما العيوب الأخرى التي مثلا مثل الحمق في الرجل أو في المرأة، مثل أن يكون مثلا أعمى أحدهما في الرجل أو المرأة. الرجل تزوج امرأة فوجدها عمياء، هل هذا يفسخ به النكاح؟ لا، ما يفسخ. صحيح أنه لا يفسخ. أو وجدها خرساء لا تتكلم، أو صماء لا تسمع، فأكثر العلماء على أن هذه العيوب لا يرد بها النكاح. قالوا: يقر من نكاح الكفار إذا أسلموا ما يوافق الشرع. هذا الكلام لم يوافق عليه المؤلف، بل جمهور العلماء على خلاف هذا. هنا استدل بحديث ضحاك بن خليفة قال: أسلمت عندي امرأتان أختان، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما. وهذا الحديث فيه ضعف. وأيضا أسلم غيلان الثقفي، وكان له عشر نسوة في الجاهلية، فأسلم معه، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا. هذا الحديث صحيح. هنا الآن يقصد الإمام الشوكاني: ما يوافق الشرع، إذا كان مخالفا للشرع في زواجه، وإلا أنكحت الكفار تقر. فإذا أسلم أقر نكاحه، لا يقال مثلا للرجل: كيف تزوجت هذه المرأة؟ هذا إذا كان زواج، أما إذا كان صديقة كما يفعلون في الغرب، فهذا لا بد أن يتركها ويعقد عليها إذا أراد أن تكون له زوجة. وأما إذا أسلم معا وهي زوجته، فلا يسأل عن كيف تزوجها، كيف كان النكاح؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم أسلم كثير من الناس ولم يسألهم، ولم يسألهم عن أنكحتهم. فلهذا قال العلماء: إنه يقر من أنكحة الكفار إلا ما خالف الشرع. ما كان مخالفا للشرع في الظاهر، مثلا إنسان معه متزوج بامرأة أبيه، فإذا أسلم وعنده امرأة أبيه، فإنه لا بد أن يتركها. تزوج الرجل عنده أختان، أو امرأة وعمتها، أو امرأة وخالتها، فلابد أن يترك أحدهما. كذلك تزوج عنده أكثر من أربع، فلابد أن يختار أربعا منهم. وهكذا، فإذا كان مخالفا للشرع نكاحه فيرد ما كان مخالفا للشرع. وأما أصل النكاح فإنه يقر. إذا أسلم أحدهما، جاء في حديث ابن عباس: «كان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تتحيض وتطهر». فإذا طهرت حل لها النكاح، وإن جاء زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. الآن هذا الحديث في البخاري، وهذا يدل على أن المرأة أو الرجل إذا أسلم أحدهما، أسلم أحد الزوجين، انفسخ النكاح، لكن متى ينفسخ؟ ينفسخ إذا انتهت العدة، والعدة كم؟ عدة الفسخ حيضة واحدة. معنى إذا حاضت وطهرت انفسخ العقد. أن إذا جاء وهي لم تحض بعد، مثلا أسلمت وهي طاهر، فأسلم وهي لم تحض بعد، فهنا تلحق به، معنى يكون ترجع إليه. وأما إذا أسلم بعد انتهاء عدتها وحاضت، فهنا لا يملكها بعد ذلك. إن شاءت رجعت إليه ويتزوجها بعقد جديد ومهر جديد، وإن شاءت لم تتزوجه. قال: ومن أسلم ويجوز فسخ النكاح بالعيب، ويقر من أنكحة الكفار إذا أسلم ما يوافق الشرع. وإذا أسلم أحد الزوجين فسخ النكاح، وتجب العدة، ويكون فسخ النكاح بعد العدة. فإن أسلم ولم تتزوج المرأة، كان على نكاحهما الأول. وهذه المسألة حصل خلاف فيها، فمن العلماء من قال: إنه ما على نكاحهما الأول. واستدل بأن النبي عليه الصلاة والسلام أرجع زينب ابنته لأبي العاص، أرجع ابنته زينب لأبي العاص ابن الربيع، وهو زوجها، ولم يسلم إلا بعد فترة، يقال أنها بعد ست سنوات، ويقال أقل. فلما أسلم أرجعها النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجها. فاستدل بهذا كثير من العلماء، وهو قول الشافعي وغيره، على أنه يجوز أن يرجع أو أن تجلس المرأة وتصبر لزوجها. وذهب بعض العلماء إلى أن عقد نكاحه ينفسخ، وإذا انفسخ فليس له أن ترجع إليه. واستدل بقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. لما نزلت هذه الآية، طلق جماعة من الصحابة نساءهم، كان عمر له امرأة كافرة فطلقها، وفلان طلقها. لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وأيضا أباح لهم أن يتزوجوا النساء المهاجرات، فلهذا دلت هذه الآيات على أنه ينفسخ، إذا انفسخ النكاح فلا تعد زوجته. فإن أرادت أن ترجع إليه بعد أن يأتي فالظاهر أنه بعقد جديد ومهر جديد، لماذا؟ لأن العقد أصلا انفسخ، ولا تعد زوجته. ولو كانت في عقده لما أباح شرع أن تتزوج. فلهذا فالأحوط في المسألة أنه يعقد عليها إذا اختارت، معنى إذا أرادت أن ترجع إليه يعقد عليها. قال رحمه الله: فإن أسلم ولم تتزوج المرأة، كان على نكاحهما الأول، ولو طالت المدة إذا اختار ذلك. وهذا كما قلنا استدلال بقصة أبي العاص. وإن كان أيضا في حديث أنه رد ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول بعد سنتين، ولم يحدث شيء، هذا اللفظ. وفي لفظ: لم يحدث نكاح، وهذا اللفظ كما قلنا غير صحيح، سنده ضعيف، فيه داود بن حسين، وهو ضعيف. وداود بن حسين روايته عن عكرمة منكرة، ولهذا لم يثبت هذا الحديث. وجاء العكس، أخرج الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد. وأيضا هذا الحديث لا يثبت، حجاج بن أرطاة ضعيف ومدلس. فلهذا لم يثبت في المسألة شيء. أما رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته لأبي العاص، هذه ثابتة في الصحيح، لكن هل بمهر أو ليس بمهر، هذا لم يثبت فيه شيء.