الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الاختلاف في الشرع ينقسم إلى نوعين رئيسيين: اختلاف تنوع واختلاف تضاد، ويمكن أن يُقسم إلى ثلاثة أقسام حسب بعض العلماء. اختلاف التنوع يعتبر جائزًا حيث يكون كل قول أو فعل مختلف فيه صحيحًا ومشروعًا.
الاختلاف في العبادات مثل الصلاة والتشهدات والتكبيرات يعتبر اختلاف تنوع في كثير من الأحيان، ولا ينبغي أن يؤدي إلى الإنكار على الآخرين أو التعصب لأحد الآراء على حساب الآخر.
الاختلاف في القراءات والآراء الفقهية له أسباب متعددة، ويمكن أن يكون بسبب اختلاف المسميات أو المعاني. يجب أن يكون الاختلاف مبنيًا على أسس شرعية وعدم التعصب لأحد الآراء.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أصل الخلاف هو الجهل والظلم. وأصل كل شر، ثم ذكر رحمه الله أنواع الاختلاف، قال: اختلاف أما أنواعه فهو في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد. وبعضهم يقسمه إلى ثلاث أقسام: اختلاف تنوع، واختلاف أفهام، واختلاف تضاد، وكل سواء. لأن الذين يقولون إنه نوعان يقولون: اختلاف التضاد على نوعين: اختلاف سائق، واختلاف غير سائق. فالاختلاف السائق هو اختلاف الأفهام الذي سماه من قسمه ثلاثًا اختلاف الأفهام. وبعضهم أيضًا يدخل اختلاف الأفهام بعضه في التنوع وبعضه في التضاد، فليس هناك خلاف كما يقول المعنوي، كما يقول المعنوي: إنما الخلاف لفظي. والذي جرى عليه أكثر العلماء أنهم يقسمون الخلاف أو الاختلاف إلى نوعين: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد. قالوا: اختلاف التنوع على وجوه، إن هذا الاختلاف أيضًا له وجوه، منها ما يكون كل واحد من القولين أو الفعليين حقًا مشروعًا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، حتى زجرهم عن الاختلاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: «كلاكما محسن». وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري كما تقدم. وأيضًا في هذا الحديث يمكن أن يقال: إن في مثل هذا الاختلاف يكون كل من المختلفين مصيبًا، أو كلهم مصيبين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلاكما محسن». فهذا الاختلاف الذي قال فيه: إن كل واحد من المختلفين مصيب. وأما الاختلاف الذي يكون فيه نوع من الأفهام، وفيه أيضًا دليل معتبر، ودليل غير معتبر، فهذا لا يكون المصيب واحدًا أو كل المجتهدين مصيبين، بل مصيب واحد. وأما هذا الاختلاف التنوع فهو كل مصيب. قالوا: مثل واختلاف الأنواع في صفة الأذان، أن هذا يؤذن بالتثنية، وهذا يؤذن بالترجيع ترجيع سنة، فكلاهما صحيح. والإقامة أنا بالإفراد والتثنية، ثبت الإقامة بالتثنية في صحيح مسلم، هذه تبين محذورة، فمن أقام مفردًا فهو اتبع السنة، ومن أقام بالتثنية أيضًا اتبع السنة، وهو قول مالك، أي التثنية. وتجد العلماء يختارون أيهما أفضل فقط، أما من ناحية الجواز فكلاهما جائز، وكله سنة، والأفضل العمل بجميعها. قالوا: الاستفتاح عن دعاء الاستفتاح أيضًا جاء فيه عدة أدعية قرابة السبعة، كما ذكرها الشيخ الألباني في صفة الصلاة. والتشهدات أيضًا تشهدات قرابة السبعة تشهد، وأصحها تشهد الذي جاء في حديث أبي هريرة، كذلك جاء أيضًا من حديث ابن عباس في البخاري، وأيضًا تشهد عمر، تشهد بموسى، وغيرها مما جاءت، وعن عائشة رضي الله عنها أيضًا، هذه التشهدات تشهدات كلها ثابتة. قالوا: صلاة الخوف وأيضًا صلاة للنبي عليه الصلاة والسلام جاءت بأنواع، وأفضلها وأفضل التشهدات أقصد تشهد بن مسعود، أفضل التشهدات هو التشهد عبد الله بن مسعود في الصحيحين. قالوا: من ناحية الصحة، وإلا الأفضل كلها، وإلا العمل عليها كلها التي ثبتت عن نبي عليه الصلاة والسلام، كذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضلوا حديث كعب بن عجرة. قالوا: صلاة الخوف، تكبيرات العيد، صلاة الخوف أيضًا صح فيها ستة أوجه كما قال الإمام أحمد، تكبيرات العيد تكبيرات العيد لم يأت في السنة الاختلاف في العدد، وإنما جاء أنها لم يثبت النبي عليه الصلاة والسلام شيء في هذه التكبيرات، وتكبيرات العيد إنما الاختلاف فيه عند الفقهاء، وليس في الأحاديث، ليس هي مثل التشهدات أو صلاة الخوف أو صلاة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: تكبيرات الجنازة أيضًا تكبيرات الجنازة جاء في السنة الاختلاف، وأفضلها الأربع، بل أصحها الأربع والخمس، وأما الست والسبع والتسع، فالأحاديث التي فيها مختلف فيها، بل أكثرها العلماء على ضعفها. قال: إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، وإن كان قد يقال: إن بعض أنواعه أفضل. ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإفرادها ونحو ذلك، أن بعضهم ينكر إذا مثلًا أقام الإنسان بالتثنية أو بالشفع، أنا قال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وثنى في جميع وشفع في جميع الإقامة، فبعض الناس ينكر هذا، وكأنه جاء ببدعة، وهو سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثبت ذلك في صحيح مسلم. فقال شيخ الإسلام: إن هذا من الاختلاف المذموم، الاختلاف أو الإنكار في اختلاف التنوع، الإنكار في اختلاف التنوع، قالوا: هذا عين المحرم. ومن لم يبلغ هذا المبلغ، فتجد كثيرًا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر، يلتزم مثلًا طريقة معينة حتى يصير كأن هذه الطريقة وحدها هي السنة، مثلًا الإقامة على الإفراد وعلى المفردة، فتجد بعضهم يقيم مفردًا وكأنها وحدها هي السنة، وغيرها ليس بسنة، فيحسب أن من جاء بغيرها أنه ابتدع، كذلك التشهد يلتزم طريقة معينة، وكذلك غيرها من هذه أيضًا القراءات، القراءات التي جاءت عن الصحابة رضي الله عنهم عن النبي عليه الصلاة والسلام، لا يجوز فيها الإنكار. فمن اعتاد مثلًا اعتاد طريقة معينة أو قراءة معينة أقصد، فلا يجوز له الإنكار على غيره، لا يجوز له الإنكار على غيره، ولو قرأ مثلًا في قراءة بعض الصحابة، لأن بعض العلماء الآن ينكر مثلًا بعض القراءات لأجل الاختلاف، مثلًا قراءة عبد الله بن مسعود، هناك قراءات تختلف عن القراءة التي في المصحف، وهذا لا يدل على أنه لا يجوز القراءة بها، وإنما فعل ذلك عثمان رضي الله عنه لعله أن ينهي الاختلاف بين السلف بين الصحابة، لكن ما دام أن المصحف موجود والاختلاف بين الناس، فلا بأس بالقراءة بقراءة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمثلًا لو قرأ إنسان في سورة الليل: ﴿إِذَا يَغْشَى﴾ ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ على قراءة عبد الله بن مسعود، فهذا ما في شيء، لأن هذه قراءة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد كان بعض الصحابة يقرأ بها، كقراءة أبي الدرداء عندما كان في الشام، ولما أنكروا عليه هذه القراءة سأل بعض أصحاب عبد الله بن مسعود لما جاء إلى الشام، فقال: ماذا كان يقرأ عندكم عبد الله بن مسعود؟ قالوا: يقرأ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. فمثل هذا الاختلاف ليس فيه شيء، ولا يجوز الإنكار فيه، إلا إذا كان فيه فساد أو إفساد في شيء. وأما ما دام أن الحق معروف أو الشيء الذي يختلف فيه معروف، ولا يكون فيه شيء من الاختلاف المحرم، فهذا لا بأس أن يؤتى مثل هذه الأشياء. قال: ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإفرادها ونحو ذلك، وهذا عين المحرم. ومن لم يبلغ هذا المبلغ، فتجد كثيرًا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر أو النهي عنه، ما دخل به فيما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا خطأ. قالوا: منه ما يكون كل من القولين هو في معنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، أيضًا يقول: إن من اختلاف التنوع هذا النوع أن يكون كل أو كل القولين هو في معنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، كما يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود وصيغ الأدلة والتعبير عن المسميات، مثلًا مثل تسميات التسميات الفقهية من الناس، مثلًا من يسمي بعض المعاملات هذا من الشركات، ومنهم من يسميه من الإجارة، وكل المسألتين من الأمر الجائز، مثلًا فهذا اختلاف المسميات فقط، اختلاف المسمى، والأصل هو المعنى. كما ذكر شيخ الإسلام في غير موضع أن الأصل في ألفاظ الحدود وصيغ الأدلة، وأيضًا كذلك المسائل الأصل فيها المعاني، وأما الألفاظ فقد تختلف من شخص إلى آخر. قال: وصيغ الأدلة أنا ما يستدل به من الأدلة بالأمر أو بالندب أو كذلك بالنهي أو الكراهة. قال: ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى. معنى الآن يريد أن يبين أن سبب اختلاف الناس هو من هذين الأمرين: الجهل أو الظلم. قالوا: منهما يكون المعنيان مختلفين، لكن لا يتنافيان، فهذا قول صحيح، وهذا قول صحيح، وإن لم يكن معنى حد ما هو معنى الآخر، وهذا كثير في المنازعات جدًا، وهذا مثل ما يذكر في فهم الأدلة. قالوا: منهما يكون طريقتان مشروعتان، ورجل أو قوم قد سلكوا هذه الطريق، وآخرون قد سلكوا الأخرى، وكلاهما حسن في الدين. وهناك أمثلة في هذه الأنواع إن شاء الله تعالى نذكرها في درس لاحق، فنكتفي بهذا، الله تعالى علم.