الدرس في التعليق على كتاب العلم 36، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشدد ابن العثيمين على وجوب اقتناء طالب العلم للكتب الأمهات التي ألفها السلف لاختصارها ورصانتها وغناها بالعلم النافع. وينبه إلى أن الاكتفاء بكتب المتأخرين الطويلة والسطحية يُضعف البناء العلمي.
يؤكد المقطع على حرص طالب العلم على قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لغزارة علمهما وتحقيقاتهما. ويبين أن ابن القيم هذب علم شيخه وسهله مع بقائه مجتهداً مستقلاً لا يقلده تقليداً أعمى.
يتناول المقطع خلاف العلماء حول وجوب الفسخ من الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي، حيث ذهب ابن عباس وابن القيم إلى الوجوب بينما خصه ابن تيمية بالصحابة. ويبرز استقلال ابن القيم وابن عثيمين في ترجيح ما يرونه صواباً دون تقليد لأشياخهم.
يذكر المقطع أن الشيخ ابن عثيمين يميل إلى ترجيح آراء شيخ الإسلام ابن تيمية عند استعصاء المسائل، معتبراً اختياراته موفقة ومسددّة وموافقة للكتاب والسنة. ويظهر ذلك اتباعه لمنهج الاستدلال لا التقليد الأعمى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم"، وفي سياق كلامه على كتب طالب العلم: كما تقدم أن الكتب لطالب العلم لا بد منها، فهي وسيلته إلى التحصيل. قال رحمه الله تعالى: "الأمر الرابع: الحرص على الكتب المهمة". وهذا من توفيق الله عز وجل لطالب العلم أن يوفق لشراء الكتب المهمة التي لا غنى لطالب العلم، بل وللعالم منها، لا بد له منها. قال: "يجب على طالب العلم أن يحرص على الكتب الأمهات الأصول دون المؤلفات حديثًا". وهذا تنبيه منه مهم، فإن كثيرًا من طلاب العلم يغتر ببعض المؤلفين المعاصرين، فتجد مكتبته مليئة بكتب المعاصرين وخالية من كتب المتقدمين، وهذا خطأ، وكذلك عدم توفيق في شراء الكتب. قال: "لأن بعض المؤلفين حديثًا ليس عنده العلم الراسخ، ولهذا إذا قرأت ما كتبوا تجد أنه سطحي، يعني علم خفيف، علم يعني قليل، وأكثر ما في هذه الورقات كلام يمكن يلخص في كلمات يسيرة". قال: "قد ينقل الشيء بلفظه، وقد يحرفه إلى عبارة طويلة لكنها غثاء، فتجده ينقل من كتب المتقدمين ولكن ينمق العبارة ويطول العبارة، ويؤدي ذلك إلى طول الكتاب". قال: "فعليك بالأمهات، كتب السلف، فإنها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف. فكتب السلف بعيدة عن التكلف، وكذلك كتب السلف مختصرة ومليئة بالعلم والفائدة، بخلاف كتب الخلف فإنها طويلة، ومع طولها قليلة العلم، فعلمها كما ذكر سطحي". قال: "لأن غالب كتب المتأخرين قليلة المعاني كثيرة المباني. ومعنى قليلة المعاني: يعني العلم الذي فيها قليل، مع كثرة مبناها، يعني طول عباراتها وطول صفحات كتبهم، ولكن العلم فيها قليل". قال: "تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخصها بسطر أو سطرين، بسطر أو سطرين. لكن كتب السلف تجدها هيّنة ليّنة سهلة رصينة، لا تجد كلمة واحدة ليس لها معنى". وهذا مثل: مثلا بعض المأكولات تجد بعض المأكولات حجمها كبير لكن نفعها قليل، خالية من الفوائد، وبعض المأكولات حجمها صغير ولكن فائدتها عظيمة وكثيرة. وهكذا كتب السلف والخلف: تجد كتب السلف قليلة مختصرة لكنها كلها علم، معانيها ما من كلمة إلا وتخرج منها علمًا وفائدة، بخلاف كتب الخلف تجدها كبيرة كذات الطعام الكبير الكثير لكن فائدتها قليلة، كما قال: الورقة الكاملة يمكن أن تلخص في سطر أو سطرين، ورقة ربما مكونة من خمسة وعشرين سطرًا، كل هذا الكلام يمكن أن تلخصه في سطر أو سطرين. فلو كان الكتاب مئة صفحة يمكن أن تختصر هذا كله في صفحتين أو ثلاث صفحات. فهذا معنى كلام الشيخ رحمه الله تعالى، وهذا فيه حث على العناية بكتب المتقدمين، وليس معنى هذا أنك تترك كتب المتأخرين مطلقًا، وإنما المراد أن تكثر من كتب المتقدمين وتستفيد من كتب المتأخرين، لكن لا يكون الاهتمام بها أشد من الاهتمام بكتب المتقدمين من السلف رحمهم الله تعالى. قال: "ومن أجل الكتب التي يجب على طالب العلم أن يحرص عليها: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله". وصدّق رحمه الله تعالى، فإن هذين الشيخين لما تقرأ في كتبهما تجد العلم الغزير، وتجد التحقيقات العلمية، وتجد الفائدة المرجوة. شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لو نظرت في دعوته لرأيت أنه ينقل عن هذين الشيخين رحمهما الله تعالى، وهكذا من بعده. فاحرص يا طالب العلم على أن تقتني كتب هذين الشيخين، وأن تقرأ فيهما، وأن تستفيد منهما. قال: "ومن المعلوم أن كتب ابن القيم أسهل وأسلس من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية؛ كانت عباراته قوية لغزارة علمه وتوقد ذهنه، أو وتوقد ذهنه، ولأنه يرد على المبطلين من كلامهم كالمتكلمين، فلربما ارتقى إلى بعض العبارات التي يرددها هؤلاء. وابن القيم كما ذكر: عباراته أسهل وأيسر وأسلس". قال: "وابن القيم رأى بيتًا معمورًا، فكان من التحسين والترتيب. ومعنى رأى بيتًا معمورًا: أي أن شيخ الإسلام شيخه، فهذب علم شيخ الإسلام وسهله ويسره وحسنه ورتبه. فهذا معنى قوله: وابن القيم رأى بيتًا معمورًا فكان من التحسين والترتيب". قال: "ولسنا نريد بذلك أن نقول إن ابن القيم نسخة من ابن تيمية، يعني يقلده في كل شيء ولا يخرج عن علمه أو عن ترجيحاته أو عن أقواله. فليس هذا المراد، وإنما المراد أنه استفاد فائدة عظيمة من شيخه ابن تيمية، وأخذ عنه العلم، ولا يعني هذا أنه متعصب له ومقلد له، فهذا ليس من شيم أتباع الرسل ومن شيم علماء أهل السنة". قال: "بل ابن القيم حر، ومعنى حر: يعني يحقق ويرجح ما يدين الله عز وجل به، وإن خالف شيخه، وإن خالف شيخه. فلا يجمد على أقوال شيخه ولا يقلد شيخه، وسيذكر مثالًا على ذلك". قال: "بل ابن القيم حر، إذا رأى أن شيخه خالف ما يراه صوابًا تكلم، يعني خالف شيخه، وسيضرب مثالًا". قال: "لما رأى أجوب: فسخ الحج إلى العمرة، وأن ابن عباس رضي الله عنهما يرى أنه يجب على من لم يسق الهدي إذا أحرم بحج أو قران أن يفسخه إلى عمرة. وهذه المسألة مشهورة، فإن مناسك الحج ثلاثة: الإفراد والقران والتمتع. فالإفراد: أن يحرم بحج فقط، لبيك اللهم حج، وينتظر ويبقى محرما إلى وقت الحج فيحج مع الناس. وأما القران: كما هو معلوم يحرم بحج وعمرة، ويشترط في هذا سوق الهدي، يسوق الهدي معه، فيأتي بالعمرة فيبقى محرما إلى أن يحج وينحر هديه ثم يحل. وأما التمتع: فهو يحرم بعمرة متمتعا بها إلى الحج، فيأتي بالعمرة ثم يحل ويبقى حلالا إلى أن يأتي وقت الحج فيحرم بالحج ويحج مع الناس. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ساق الهدي ومعه الصحابة، وأحرم قارنا لأنه ساق الهدي، فالصحابة فعلوا مثله، من ساق الهدي. ومن لم يسق الهدي، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر من لم يسق الهدي أن يتمتع، يعني يأتي بالعمرة ثم يحل، أو يحل، نعم ثم يحل، فيبقى حلالا إلى أن يأتي وقت الحج لأنه ما ساق الهدي. فقال عليه الصلاة والسلام: «لو استدبرت من أمري ما استقبلت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»، يعني لأنه ساق الهدي فيوجب عليه أن يبقى محرما إلى أن يأتي وقت الحج. فاختلف أهل العلم: هل من لم يسق الهدي يجب عليه الفسخ كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة بالفسخ، أو أنه لا يجب عليه وإنما من باب الاستحباب؟ اختلف أهل العلم في ذلك. فابن عباس، فابن عباس يرى أنه يجب على من لم يسق الهدي، وإن وإن أحرم قارنا، وإن أحرم قارنا يجب عليه أن يفسخ الحج ويتمتع بالعمرة، ويتمتع بالعمرة. وذهب إلى هذا القول شيخ الإسلام ابن القيم. ولذلك قال: وأن ابن عباس يرى أنه يجب على من لم يسق الهدي إذا أحرم بحج، يعني إذا أحرم مفردا أو قران، أي قارنا، أن يفسخه إلى عمرته، ما يبقى محرمًا، يفسخه إلى عمرته، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»". قال: "وكان شيخ الإسلام يرى أن الوجوب خاص بالصحابة لأن الخطاب لهم، فما يرى وجوب الفسخ شيخ الإسلام رحمه الله، فلم يوافقه ابن القيم رحمه الله على هذا القول. الشاهد أن ابن القيم لا يقلد شيخه، وهكذا ينبغي لطالب العلم الذي وفقه الله عز وجل لطلب العلم ولتعلم العلم وأخذ علوم الآلة أن لا يقلد شيخه أو مدرسه، وإنما ينظر في كلام أهل العلم، ويدين الله عز وجل بما يتبين له، إن كان أهلا لذلك، وإلا فيكفيه الاتباع: أن يتبع من العلماء من يثق بعلمه ودينه، وكذلك من يثق بتقواه، تقواه. فهذا مثال ذكره الشيخ في هذه المسألة ليبين أن شيخ الإسلام ابن القيم لا يقلد شيخه، وإنما يستفيد منه، ويوافقه فيما تبين له أن الصواب فيما ذهب إليه شيخه، ويخالفه فيما سوى ذلك". قال: «وَأَنَا إِلَى قَوْلِهِ أَمْيَلُ مِنِّي إِلَى قَوْلِ شَيْخِنَا»، يعني أن ابن القيم مال إلى قول ابن عباس وترك قول شيخه، لذلك قال: «أَمْيَلُ مِنِّي إِلَى قَوْلِ شَيْخِنَا»، يعني ابن تيمية عليه رحمة الله. قال: "فصرح بمخالفته، فهو رحمه الله مستقل، حر الفكر". وكذلك الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله، من يقول أنه حنبلي وجامد على المذهب الحنبلي فقد كذب، فأنت إذا قرأت في "الشرح الممتع" ترى أن الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله يخالف المذهب فيما يتبين له أن الصواب خلاف المذهب. قال: "لكن لغرور أن يتابع شيخه رحمه الله فيما يراه حقا وصوابا، وهكذا ينبغي لكل طالب علم وفقه الله لطلب العلم". قال: «وَلَا شَكَّ وَلَا شَكَّ أَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ غَالِبَ اخْتِيَارَاتِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَجَدْتَهَا هِيَ الصَّوَابَ»، وهذا أمر يعرفه من تدبر كتبهما، أي أن ابن تيمية عليه رحمة الله كان محققًا، وكان كذلك موفقًا في اختياراته وفي ترجيحاته. ولذلك الشيخ ابن عثيمين كثيرا ما يميل إلى ترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، بل يقول فيما نقل عنه رحمه الله: ابن عثيمين يقول: «إذا استعصت علي مسألة ولم يتبين لي فيها شيء ملت إلى ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، لأن اختياراته اختيارات موفقة مسددة موافقة لأدلة الكتاب والسنة». نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.