الدرس في التعليق على كتاب العلم 20، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد ابن العثيمين أن فهم مراد الله ورسوله هو جوهر العلم، وأن مجرد الحفظ دون فهم لا يكفي. يحذر من الجهل المركب لكونه أخطر من الجهل البسيط، ويضرب المثل بتوما الحكيم الذي قاس صدقة الطعام على صدقة الأبضاع باجتهاد خاطئ.
يضرب الشيخ مثالين لتوضيح أن الفهم هبة من الله لا ترتبط بمرتبة العالم، كفضل سليمان على داود في فهم الحكم. ويذكر قصة رجل فهم حديث إسباغ الوضوء على المكاره فاختار الماء البارد ظنا أنه الأجر، والخطأ في فهمه لا في علمه.
يؤكد المتحدث أن الشريعة جاءت باليسر لا بالعسر، مستدلاً بالآيات والأحاديث، وينتقد الفتاوى المشددة كإلزام الماء البارد للوضوء. ويختم بضرورة رجوع طالب العلم إلى فهم السلف الصالح وأقوال العلماء المعتبرين.
يختم الشيخ فصل آداب طالب العلم مستشهداً بآية تربط بين الصبر واليقين ونيل الإمامة في الدين. ويعلن الانتقال في الدرس القادم إلى فصل الأسباب المعينة على طلب العلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتاب "العلم"، وفي سياق ذكره لآداب طالب العلم: "الأمر الثاني عشر، وهو الأدب الأخير من تلك الآداب التي ذكرها ابن العثيمين عليه رحمة الله". وقال: "الأمر الثاني عشر: الحرص على فهم مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم". قال: "من الأمور المهمة في طلب العلم قضية الفهم، أي فهم مراد الله عز وجل، ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن كثيرًا من الناس أوتوا علمًا ولكن لم يؤتوا فهمًا. لا يكفي أن تحفظ كتاب الله وما تيسر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون فهم، فليس العلم. فلذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». فالفقه علم وزيادة، فالفقه: حفظ مع فهم لذلك المحفوظ". وقال: "لابد أن تفهم عن الله ورسوله ما أراده الله ورسوله. وما أكثر الخلل من قوم استدلوا بالنصوص على غير مراد الله ورسوله، فحصل بذلك الضلال، فاستقلوا بفهمهم ولم يرجعوا إلى فهم العلماء ولا إلى فهم السلف الصالح، فضلوا وخرجوا عن الجادة". قال: "وهنا أنبه على نقطة مهمة، ألا وهي أن الخطأ في الفهم قد يكون أشد خطرًا من الخطأ بالجهل؛ لأن الجاهل الذي يخطئ بجهله يعرف أنه جاهل ويتعلم، لكن الذي فهم خطأ يعتقد في نفسه أنه عالم مصيب، ويعتقد أن هذا هو مراد الله ورسوله. وهذا الأخير ما يسمى بالجهل المركب. فالجهل جهلان: جهل بسيط، وجهل مركب. فالجهل البسيط: أن صاحبه لا يعلم، لا يعلم النص ولا فهمه، لا يعلم النص ولا فهم النص، ما عنده علم أصلًا. فهذا علاجه ماذا؟ أن يعلم. كان يجهل أمر التوحيد فيعلم التوحيد فيفهمه ويتعلمه. كان يجهل بعض المسائل مثلًا في الصلاة، يفهم أو يعلم هذه المسائل فيتعلمها ويفهمها. هذا يسمى جهلًا بسيطًا: لا يعلم لا النص ولا فهم النص من باب أولى. وأما الجهل المركب: فهو يجهل ولا يدري أنه يجهل، وبعبارة أخرى: يعلم علمًا خاطئًا. مثلًا إذا سألته لا يقول لك: «أنا جاهل، الله أعلم»، لا، يجيب لكن إجابة خاطئة. فلو قيل له مثلًا: متى وقعت غزوة بدر؟ قال: في السنة الخامسة من الهجرة. هذا أجاب كأنه عند علم، لكن هذا العلم خطأ؛ لأن غزوة بدر ما وقعت في السنة الخامسة من الهجرة. عرفتم هذا الآن. تسأله سؤالًا يجيب لكن جوابًا خاطئًا. هذا يسمى ماذا؟ جهل مركب. وهذا الذي عناه العلامة ابن العثيمين بقوله: «لأن الجاهل الذي يخطئ بجهله يعرف أنه جاهل ويتعلم»؛ هذا الجهل البسيط. قال: «لكن الذي فهم خطأ يعتقد في نفسه أنه عالم مصيب»، ما في عنده: «الله أعلم، أنا جاهل»، لا، عنده جواب لكن جواب خاطئ، جواب خاطئ". وأهل العلم يذكرون بيتين في قصة توما الحكيم. توما الحكيم هذا يضرب به المثال في الجهل المركب، عنده فهم خاطئ، حتى أنهم ألفوا بيتين فيه: «كلام الحمار حمار هذا الحكيم، حمار توما، فقال هذا الحمار: لو أنصف الدهر كنت أركب، يعني لا أركب أنا، أركب على توما. لماذا؟ قال: لأنني جاهل بسيط، وصاحبي جاهل مركب». يريد توما الحكيم، ويذكر ويذكر من خبر توما الحكيم أنه مرة حث الناس على أن يتصدقوا ببناتهم، يتصدقوا ببناتهم، قال: «ما مثل هذا إلا كمثل إنسان جائع محتاج، نحن نعطيه طعام، وهذا الشاب محتاج لي امرأة، نتصدق بامرأة». فقاس صدقة الطعام بصدقة الأبضاع، وهذا جهل مركب، هذا فتوى، هذا جهل مركب. فلذلك قال الحمار ما قال: «لو أنصف الدهر كنت أركب»، مش توأم الذي يركب عليه، أنا أركب عليه. لماذا؟ لأن الحمار جاهل جهل بسيط، جاهل ما يفتي بشيء خلاف الواقع، وأما توما فهو جاهل جهل مركب، فهو جاهل جهل مركب. قال: "ولنضرب لذلك بعض الأمثلة لتبين لنا أهمية الفهم. فإذن هذه الأمثلة ليس لها علاقة بما ذكر من تقسيم العلم إلى بسيط ومركب، وإنما فقط يبين لك أن الله عز وجل قد يخص بعض عباده بفهم لم يفهمه من هو ربما أعلى منزلة من ذلك الذي قد فهم هذا الفهم الصواب. وكما سئل علي رضي الله تعالى عنه: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: «لم يخصنا بشيء إلا ما في هذه الصحيفة، وفهمًا يؤتيه الله من يشاء من عباده»، وفهمًا يؤتيه الله من يشاء من عباده. فلربما المفضول يفهم في مسألة ما فهمًا لم يفهمها الفاضل، فهو يريد أن يبين أهمية الفهم، وأن هذا الأمر قد يقع". قال: "المثال الأول: قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾. فضل الله عز وجل سليمان على داود في هذه القضية بالفهم، مع أن داود أرفع، فهو الأب، وأما سليمان فهو الابن الوارث، وورث سليمان داودًا، ومع هذا في هذه القضية فضل الله سليمان على داود بأن فهم ما لم يفهمه داود عليهما السلام. فقال: فضل الله عز وجل سليمان على داود في هذه القضية بالفهم: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، ولكن ليس هناك نقص في علم داود: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، وهذا فيه ثناء عليهما جميعًا. قال: "وانظر إلى هذه الآية الكريمة، لما ذكر الله عز وجل ممتاز به سليمان من الفهم، فإنه ذكر أيضًا ميزة داود عليه السلام، فقال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾، فهذا أيضًا مما اختص به داود عليه السلام، وذلك حتى يتعادل كل منهما. فذكر الله تعالى ما اشتركا فيه من الحكم والعلم، ثم ذكر ممتاز به كل واحد منهما عن الآخر، وهذا يدلنا على أهمية الفهم، وأن العلم ليس كل شيء". قال: "المثال الثاني: إذا كان عندك وعاءان، أحدهما فيه ماء ساخن دافئ، والآخر فيه ماء بارد قارس. أنا عندي ماء بدون همزة، والصواب: ماء بالهمزة. قال: والآخر فيه ماء بارد قارس، يعني شديد البرودة، والفصل فصل الشتاء. فجاء رجل يريد الاغتسال من الجنابة، فقال بعض الناس: ما عندي... بعد الناس بالدال، صوابه بالضاد. فقال بعض الناس: الأفضل أن تستخدم الماء البارد، وذلك وذلك لأن الماء البارد فيه مشقة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره». الحديث، والحديث في مسلم من حديث أبي هريرة. الآن هذا الشخص فهم من الحديث هذا الفهم، ففهم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إسباغ الوضوء على المكاره» أن تتعمد اختيار الأشق، وإن كان يوجد عندك الأيسر. فلو وجد عندك ماء دافئ وماء بارد، وأنت في فصل الشتاء قمة في البرودة، فهم هذا أن الأفضل أن تغتسل من الماء البارد، فهم هذا الفهم حتى يدخل في هذا الفضل: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قال: إسباغ الوضوء على المكاره». وهذا فهم خاطئ، ليبين لك الشيخ رحمه الله أن المسألة ليست مسألة حفظ الأدلة، هو يحفظ هذا الحديث ويعلم بهذا الحديث، لكن فهمه فهم ماذا؟ خاطئ، على غير الصواب، على غير الصواب. فلذلك قال الشيخ هنا: يعني إسباغ في أيام البرد، فإذا أسبغت الوضوء بالماء البارد كان أفضل من أن تسبغ الوضوء بالماء الدافئ المناسب لطبيعة الجو. فالرجل أفتى بأن استخدام الماء البارد أفضل، واستدل بالحديث السابق. فهل الخطأ في العلم أم في الفهم؟ الجواب: في الفهم، ليس في العلم؛ فهو يعلم الحديث، لكنه أخطأ في فهمه. قال: "الجواب: أن الخطأ في الفهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إسباغ الوضوء على المكاره»، ولم يقل: أن تختار الماء البارد للوضوء. وفرق بين التعبيرين. لو كان الوارد في الحديث التعبير الثاني لقلنا: الوضوء على المكاره، أي إذن ما هو التفسير الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: «إسباغ الوضوء على المكاره»؟ قال: أي أن الإنسان لا يمنعه برودة الماء من إسباغ الوضوء. فلو لم يوجد معك إلا هذا الماء البارد، واستخدامك لهذا الماء البارد ليس فيه مضرة من زيادة مرض أو من موت أو إلى غير ذلك، وإنما فيه مشقة خفيفة يسيرة، ولا يوجد عندك ما هو دافئ، فهنا تتحصل على هذا الأجر: «إسباغ الوضوء على المكاره»، إسباغ الوضوء على المكاره يعني على ما تكرهه لأنه لا يوجد إلا هذا، ولا يوجد ما هو أخف وأيسر منه. فهذا هو الفهم الصحيح لهذا الحديث". قال: "ثم نقول: هل يريد الله بعباده اليسر أم يريد بهم العسر؟ الجواب في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر». فإذن فتوى هذا الجاهل تعارض أصولًا وقواعد مهمة من أصول وقواعد هذا الدين، وهو التيسير. فالنبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. وهل اختيار الماء البارد أو الدافئ فيه إثم؟ ليس فيه إثم. فإذن إذا خيرت بين ماء بارد ودافئ والجو بارد، تختار الأيسر وهو الماء الدافئ. فإذن هذا فهم الحديث فهمًا مغلوطًا، فهمًا خاطئًا، فهمًا خاطئًا يخالف قواعد وأصول هذا الدين. وقس على هذا في أمور كثيرة، ترى العجب العجاب، ترى العجب العجاب في العبادات، سواء كان في الصلاة أو كذلك في ماذا؟ في الصلاة أو في الصيام أو في الحج أو في غيرها من العبادات، أو في غيرها من العبادات. فمثلًا بعض الناس يلزم المريض إذا صلى بتيمم أن إذا شفي يعيد الصلاة بوضوء، يعيد الصلاة بوضوء، وربما يذكر لك أدلة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. قال: الآن وجد الماء، الآن وجد الماء بعد أن شفي، فإذن يلزمه الإعادة. وهذا بعضهم يفتي به على أنه فقيه وعالم. إنسان مريض في المستشفى، قال له: أنت تصلي، قال له: أريد أن أصلي، قال: لا، تيمم، لكن إذا شفيت تتوضأ وتعيد الصلوات كلها. من قال بهذا؟ من أين فهم هذا الفهم من تلقاء نفسه؟ وإلا فالصواب أنه يجزئ التيمم عن الوضوء فيقوم مقامه تمامًا، ولا يلزم الإعادة. وقس على هذا في الحج، ترى العجب العجاب من الجهل. فبعض الناس يعلم أن من أعمال العمرة أو من أعمال الحج التقصير، العمرة من أعمالها مثلًا التقصير، يعلم هذا الحكم، فيفهم أن التقصير أن تأخذ جزءًا من الرأس، ما تعمم، ما تعمم حلق الرأس، وإنما تأخذ جزء من اليمين أو من الشمال، فيشوه نفسه ويشوه قصة شعره، وهذا خلاف السنة. التقصير معناه التخفيف من جميع أجزاء الرأس، من جميع أجزاء الرأس. وقس على هذا، ترى العجب العجاب في مسألة الأحكام الشرعية، وفي الفهم الخاطئ لنصوص الكتاب والسنة، لنصوص الكتاب والسنة. فإذن طالب العلم يحرص على أن يحفظ الأدلة، وأن يفهم هذه الأدلة الفهم الصحيح، الفهم الصحيح، ويستمد ذلك من كلام العلماء وكلام أهل العلم، ولله الحمد والمنة. فإن العلماء قد فسروا القرآن الكريم تفسيرًا واضحًا بينًا منقولًا عن الصحابة الذين أنزل عليهم القرآن، ومن بعدهم من تلامذتهم من التابعين، ومن تبعهم بإحسان. وهكذا السنة شرحت شروحات كثيرة، سواء كان صحيح البخاري أو صحيح مسلم، أو سنن الترمذي، أو سنن أبي داود، أو سنن النسائي، أو غيرها من الكتب المصنفة في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقل ما يمر بك حديث إلا وتجد له شرحًا، وتجد له شرحًا لأهل العلم. فلا تستقل بفهمك، ولا تستنبط من تلقاء نفسك، وإنما تفهم الكتاب والسنة كما فهمه السلف الصالح، وهذا معنى قولنا: كتاب وسنة على فهم السلف الصالح". قال: "فأقول لطلبة العلم: إن قضية الفهم قضية مهمة، فعلينا أن نفهم ماذا أراد الله من عباده؟ هل أراد أن يشق عليهم في أداء العبادات، أم أراد بهم اليسر؟ ولا شك أن الله عز وجل يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر. فهذه بعض الآداب مما ينبغي لطالب العلم أن يكون متأثرًا بها في علمه، حتى يكون قدوة صالحة، وحتى يكون داعيًا إلى الخير وإمامًا في دين الله عز وجل. فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، فصل آداب طالب العلم. وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم نشرع في الفصل الثاني، وهو: الأسباب المعينة على طلب العلم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر"