التعليق على منظومة الزمزمي  39

التعليق على منظومة الزمزمي 39

الدرس في التعليق على منظومة الزمزمي 39، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في العقد الخامس ومباحث المعاني

يتناول العقد الخامس من المنظومة مباحث المعاني المتعلقة بالأحكام الشرعية، ويشدد على أهمية فهم هذه المباحث الأصولية. يرتبط هذا الفهم بالعلوم الأخرى مثل العقيدة والفقه ومصطلح الحديث.

تعريف العام وأقسامه في اللغة والاصطلاح

يعرف العام بأنه اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر، وله ألفاظ خاصة مثل الأسماء الموصولة وكل وجميع. يقسم العام إلى ثلاثة أقسام.

العام المحفوظ وأدلته من القرآن الكريم

يتناول مفهوم العام المحفوظ الذي يبقى على عمومه دون تخصيص، ويقدم أمثلة من القرآن الكريم. يظهر ندرة الأمثلة على العموم الذي لم يخصّص.

آراء الفقهاء حول العام الباقي على عمومه في القرآن

يناقش آراء السيوطي والزركشي حول وجود العام الباقي على عمومه في القرآن، ويتم التوفيق بين الآراء باختلاف المجالات. يرى السيوطي ندرته في الأحكام بينما يثبت الزركشي وجوده بكثرة في أمور متعلقة بذات الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: العقد الخامس، العقد مر معنا مرارا وتكرارا بأنه القلادة، فالمؤلف رحمه الله تعالى، أي ناظم، جعل هذه المنظومة كشكل قلائد، أي عقد عقد بعد عقد، وها نحن الآن في العقد الخامس. وقد أسلفنا في مقدمة النظم على أن الناظم جعل هذه المنظومة تقوم على ستة عقود، فإذا هذا العقد ما قبل الأخير. قال: العقد الخامس، قال: ما يرجع إلى مباحث المعاني المتعلقة بالأحكام، وهو أربعة عشر نوعا. إذن هذا العقد، المبحث الخامس، جعله في ماذا؟ فيما يرجع، ما اسم موصول بمعنى الذي، أي الذي يرجع يرجع إلى ماذا؟ أي هذا العقد سيتكلم حول مبحث خاص، قال: إلى مباحث المعاني. والعقد الرابع مر معنا، بماذا جعله المؤلف وخصه؟ خصه بماذا؟ ما يرجع إلى الألفاظ. إذن هذا العقد يقابل العقد السابق، ما مضى ما يتعلق بالألفاظ، والآن ما يتعلق بالمعاني. بقي مسألة، وهو هل هناك انفكاك بين الألفاظ والمعاني؟ الصحيح لا، ما عندي انفكاك، بل ما من لفظ إلا وله معنى، وكما قيل: أن المعاني مسكوبة في قوالب الألفاظ، المعاني مسكوبة في قوالب الألفاظ. فما من لفظة إلا ولها معنى، أي لفظة تأتي بها لها معنى، لها مدلول. طيب، فكيف هنا المؤلف غير؟ فكيف جعل مبحثا متعلقا بالألفاظ؟ ثم ها هنا مبحثا متعلقا بالمعاني؟ وكأنه فصل بين هذا وبين ذياء وهذا لا يمكن أصلا. فما الذي عن المؤلف رحمه الله تعالى الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى في مبحث الألفاظ؟ مع الاعتراف بأن ما من لفظ إلا وله معنى. الذي أراده المؤلف في المبحث السابق أن يتكلم عن الكلمات التي تكون فيها الأهمية للفظ والمعاني تبع. هذا المبحث سيكون الكلام حول ما يكون النظر المهم في معانيها، وأما اللفظة فهي تبع. هذا الذي أراد. مثال ما مضى في المبحث السابق، تكلم عن الألفاظ، بماذا تكلمنا حول الألفاظ؟ ما هي الألفاظ المعربة، المشتركة، المترادفة، المتواطئة، المجاز، الاستعارة؟ تكلمنا عن ألفاظ، تكلمنا أو اهتممنا بالألفاظ، هذه الألفاظ. وأما معانيها، تكلمنا لكن ليس بذلك الاعتبار المهم، حول هذه الألفاظ موجودة أو غير موجودة، تكلمنا في ذات اللفظ، وله هي لها معاني، وقد مرت تعاريف لها معاني، لكن كان الاهتمام منصب على اللفظ من حيث الوجود والاستعمال. هذه المباحث، المعاني هي نعم معاني منسكبة في قوالب ألفاظ، لكن سيكون الاهتمام الأكبر على المعنى، ما نهتم بالألفاظ، ستتكلم حول ألفاظ موجودة، ستأتينا لكن ما تتضمنه من معنى، وما يترتب عليه من معنى، هذا الذي سيكون فيه الخوض. فإذا نفهم هذه الأبواب على هذا الفهم، أن المؤلف تكلم عما مضى في الألفاظ، بحيث أن الرؤية في اللفظ والمعنى تبع، وأما ها هنا الكلام عن المعنى أولا، والألفاظ تتبع. قال رحمه الله تعالى: ما يرجع إلى مباحث المعاني المتعلقة بالأحكام، وهنا أراد الأحكام الشرعية، أي سيتكلم عن معاني متعلقة بالأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية منها أحكام تكليفية، ومنها أحكام وضعية. قال: وهو أربعة عشر نوعا. وستأتي معنى العموم والخصوص والتخصيص والمفهوم والتأويل والإجمال والمطلق والمقيد، ستأتي، هذا كلها أسماء متعلقة بالمعاني. ولو تلاحظ يا عبد الله أن هذه المباحث أصولية بحتة، تتعلق بأصول الفقه، وهذه فيه فائدة، فيه فائدة طالب العلم أن يعلم أن العلوم يكمل بعضها بعضا، العلوم يكمل بعضها بعضا. صحيح، أحيانا إخواني في الله تجد أن بعض الطلبة لربما يعزف عن بعض الفنون، لكن لو ربما أصول الفقه مثلا يعزف عنه، يقول: هذا كله جدل ونقاش وأمور نظرية، تأخذ علي وقت، وليس تحتها طائل ولا فائدة، وهكذا يقول، يقول عن حسب همه. لكن هكذا صحيح، إذا أردت أن تشق يا عبد الله مضمار العلم، ستتعب وأنت عار عن هذا الفن، فن أصول الفقه، لأن هذا الفن سيلحقك في غيره من الأبواب، تخيل أنت بلا أصول الفقه، ستدخل إلى العقيدة، العقيدة في بعض المباحث متعلقة بها، تتعلق بأصول الفقه، منها التأويل، مسائل المجاز، مسائل أصولية. ستجد في باب الأسماء والصفات، كيف ستفعل؟ ما تستطيع، لابد أنك تدرس، تفهم. أذكر كان بعض من درسنا عنده، إذا وصل إلى باب المجاز، يقول الإخوان مروا مروا على هذا الباب، محذوف، محذوف، لا يدرس، هذا سنأتينا مع النقاش مع أهل الأهواء والمعطلة، سندخل معهم في باب التأويل، في باب المجاز، والرد عليهم. لا تصدر أن ترد إلا إذا فهمت هذا الباب، تفهم هذا الباب، سترد عليهم، إذا ما عندك فهم، يقول: يا أخي الله هذا المجاز، يقول: إيش المجاز؟ أنا ما أفهم، يقول: إيش تفهمك في المجاز؟ إذا ابتعد عن الساحة، لا، إذا تحتاج إلى فهم. تدخل في باب الفقه، حتى الفقهيات ما يسمى الفروع، ستأتيك مسائل متعلقة بمباحث أصولية، الحاضر مقدم على الإباحة، النسخ، مسائل للنسخ، هذا ناسخ هذا منسوخ، مسائل طويلة، كله العام والخاص، المطلق والمقيد، تنازع الفقهاء في مسائل كثيرة، مرجعها إلى أصول الفقه، كيف ستفعل؟ بل حتى لو دخلت إلى مصطلح الحديث، إذا دخلت إلى مصطلح الحديث، مثلا إذا دخلت إلى تدريب الراوي، إذا دخلت إلى نزهة النظر، جعلوا أبوابا خاصة بالنسخ، النسخ والمنسوخ، وهي مباحث أصولية. إذن ما ستذهب إلى مكان يا طالب العلم، ولتجد أن العلوم ستلاحقك، إذن ما لم يفر إلا أنك تحاول يا عبد الله أن توطن نفسك أن تتفهم هذه العلوم، علوم اللغة، علوم العقيدة، علوم الآلة، علوم البلاغة، علوم الأصول، علوم مصطلح، تحاول أن تكون لك فيها سهم، بحيث تأخذ منها ما يعينك على فهم العلوم. الآن انظر، هذا فن علوم القرآن الكريم، صح أو لا؟ هذه المنظومة، معلوم القرآن، لأن ما سيأتينا العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل، هذا ما حصولية، إذن ستذهب إلى أي باب من أبواب العلم، ستجد هذا الباب. فاغتنم الفرصة يا عبد الله في دراسة هذه المباحث، بل استغل الفرصة في كل فن، كل فن يأتيك، حاول أنك وأنت طالب علم، هذه مهمتك، أنت طالب علم تطلب العلم، فأحرص يا عبد الله أنت في هذا المركز المبارك لأخينا أبي يوسف حفظه الله تعالى ورعاه، له مباحث طيبة جدا في باب الأصول، في هذا الباب، يستفاد منه، وكان فتح الدروس على يده، يرحمه الله خير في هذه المباحث في أصول فقه، فأنت محتاج إليها. فإذا كنت تستعظم يا عبد الله الأبواب الكتب الكبيرة، فلا أقل رسالة صغيرة، لأنك أنت محتاج لهذا الباب، أما لك تهرب تهرب تهرب تهرب، كحال بعض الذي يهرب من علم النحو، يقول: هذا النحو لا، لنحو جئتكم، ولا فيه أرغب، ما أريد، لا، حال يفتحيه. فكيف ستتعلم يا عبد الله وأنت بلا نحو؟ العقيدة والتوحيد يقوم على هذا الباب، بل معظم العراك بين أهل السنة والمخالفين في باب اللغة، بل هم ما توطنوا وقامت سيقانهم إلا على باب اللغة، لكي يرمون من هذا الباب، من هذا الباب اللغة، وباب النحو، وباقي العلوم كذلك. قد مرت عن المباحث، بل معظم المباحث اللغوية، مباحث علوم القرآن فيها تحتاج إلى علم اللغة وعلم النحو، فأنت يا عبد الله وطن نفسك، فهذا إشارة إخواني في الله والتنبيه لهذا المبحث، هذا مبحث متعلق بعلوم القرآن، وفيه كذلك تعلق بأصول فقه، فطالب العلم يحاول أن يكون عنده ماذا؟ علمان، ولو بشيء يسير، مفاتيح، مفاتيح لهذه العلوم، حتى يستطيع أن يدخل ماذا؟ ويشق طريقه في باقي العلوم. قال رحمه الله تعالى: الأول العام الباقي على عمومه، أول مبحث من المباحث المتعلقة بالمعاني التي لها تعلق بالأحكام الشرعية، مبحث العام. فقال رحمه الله تعالى: العام الباقي على عمومه، ما هو العام؟ العام في لغة العرب بمعنى الشامل، بمعنى الشامل، ما أخذ من قولك: عممت الناس بالعطاء، عممت الناس، أي شملت الناس، شملت الناس بالعطاء. فالعام بمعنى الشامل، وهذا المعنى اللغوي منه أخذ المعنى الاصطلاحي، إذ أن العام حتى في باب الاصطلاح عند أهله يرمى به هذا المقصد، وهو ماذا؟ الشمول، لكن طبعا بقيود، جعل قيودا حتى يتميز، يتميز. إذن ما هو العام؟ فيه عند العلماء، العام عند العلماء لهم فيه عدة تعاريف، لكن التعريف المسرى في هذا الباب وهذا المقام هو قولهم: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر، هذا هو العام. العام هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر، هذا هو ضابط العموم، أو ضابط العام. فالعام، اللفظ، إذن العام يفتقر إلى اللفظ، يفتقر إلى اللفظ، ولهذا يذكرون عبارة، يقولون: أن العام من عوارض الألفاظ، من عوارض الألفاظ. أن يفتقر إلى اللفظ، يحتاج إلى شيء تتلفظ به حتى يفهم منه العام، وهذا أمر مهم، لما الذي ماذا؟ سيهمك في دراستك المطولات أن تعلم أن العام مسألة لفظية، مسألة لفظية. وخرج بهذا الأفعال، يصرح بعضهم أن الأفعال لا يستفاد منها عموم، الأفعال لا تأتي إلى فعل ثم تحكم على أن هذا الفعل يستفاد منه العموم، ما يمكن، لأن الأفعال تحتها ظروف خاصة، قد تقع لملابسات خاصة، بخلاف النطق، بخلاف اللفظ. فمن هنا جعل بعض من أول ركيزة في باب العموم أنه متعلقة بالألفاظ، فقالوا: العام هو اللفظ، قال: اللفظ المستغرق، المستغرق بمعنى المستوعب، بمعنى المستوعب، فيه استيعاب. إذن العموم هو اللفظ، وهذا اللفظ فيه ماذا؟ استيعاب، استيعاب، لماذا؟ لجميع أفراده، لجميع أفراده. إذن خرج بهذا أشياء، ومن هذه الأشياء خرجت مثل أسماء الأعلام، زيد، خالد، فلان، هذا ليس عاما لأنه يتعلق بشخص واحد. فالفاظ العام تكون فيه استعاب، فيقول: أعطيت محمدا، ما فيه عموم، محمد اسم علم يدل على واحد. فخرج بهذا، فالعام هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر، بلا حصر، يكون يشمل الجميع، لا يكون له حد. فإذا جاء لفظ فيه نوع شمول إلا أنه محصور، هذا ما يسمى عاما، تقول مثل: أعطيت أو أعطي مئة مسكين كذا وكذا، مئة مسكين، هل هذا عام؟ بلا، هذا ليس عاما، يقول أخي: مئة مسكين، لماذا ليس عاما؟ لأنه محصور بعدد. بل لو قال: قال أعطي مليون مسكين، مليون، يقول: ليس هذا عموم، ليس عندي عموم، لماذا؟ لأنك ذكرت لفظا محصورا محصورا بعدد، والعموم لا ينحصر، ما هناك شيء يحصره، وإنما ينطلق يشمل على كل من كان له هذا الوصف، يدخل في عمومه. أما إذا وجد العموم، ووجد تضييق بوصف أو شخص، فإنه يخرج عن العموم، هذا إخواني في الله باختصار، وإلا هناك قيود، بعض العلماء يلتزم ببعض القيود المهمة، لكن في موخر هذا مختصر، ليس هذا أوانه. لكن نفهم هذا التعريف، العام هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر. إن الأبرار لفي نعيم، الأبرار كل الأبرار في نعيم، هذا العموم، لا أحد يستثنى من هذا العموم أبدا، لا أحد يستثنى. فإذا ذكرت لك لفظ العموم، يفهم منه هذا الاستقراق والاستيعاب لجميع أفراده. فقال رحمه الله تعالى: طيب، العام إخواني في الله مما يعين في فهم هذا الباب، وتجد في المطولات والكتب المفصلة في هذا الباب أنهم يذكرون لك أن العام له ألفاظ. وهذا باتفاق العلماء، باتفاق أهل العلم، أن العام له ألفاظ، له أساليب، له تراكيب خاصة، عن طريقها ستتعرف إلى وجود العام، قد تمر على القرآن تقرأه، تمر عليك صيغ من صيغ العموم وأنت لا تشعر، تدرب عليها، تدرب عليها. مثال ما يذكر العلماء من ألفاظ العموم تدل على العموم، مثاله الأسماء الموصولة، الأسماء الموصولة من صيغ العموم، كذلك ما يتعلق بالتعريف بآلة الاستغراقية، كذلك كل وجميع، هذه كلمات بذاتها بمادتها تدل على العموم. عندك النكرة، سواء كانت نكرة في سياق النفي أو سياق النهي أو سياق الشرط أو كان في سياق الاستفهام الإنكاري أو في سياق الامتنان، كل هذه نكرة جاءت في أحد هذه السياقات، فهي تفيد العموم، تفيد العموم. الأسماء كذلك موصولة تفيد العموم، وهكذا كثير، هذا تجده في المطولات، فهي ألفاظ وصيغ وأساليب وتراكيب، أسلوب الشرط يفيد العموم، من جاء إليك فأعطه، من جاء إليك، هذا لفظ عام، لأن اسم موصول، وهكذا. فأسماء العموم له ألفاظ تتبع، يذكرون العموم في أبوابها، فبه تتعرف إلى العام. إذن عندي إخواني في الله هذا العام، قال مؤلف رحمه الله تعالى: الأول العام الباقي على عمومه. العام إذا عرفنا ما هو العام، يذكر العلماء هنا فائدة في أقسام العام، العام ينقسم إلى أقسام ثلاث، وبها بدأ المؤلف ذكر هنا الأول، ثم ذكر الثاني، ثم ذكر الثالث. قال: أول العام الباقي على عمومه، الثاني العام المخصوص، الثالث العام الذي أريد به الخصوص، هذا سيأتينا، سيأتينا، ويكون الكلام في محله عليه، لكن نبدأ بالأمر الأول. قال رحمه الله تعالى: الأول العام الباقي على عمومه، العام علمنا ما هو العام، هو اللفظ المستقرق لجميع أفراد بلا حصر، الحصر. العام الباقي، الباقي بمعنى الذي بقي، هنا الموصولة بمعنى الذي، الذي بقي، بقي بمعنى البقاء والاستمرار. المؤلف يريد أن يتكلم عن العام الذي بقي، ولا زال باقيا، واستمر على العموم، واستمر على العموم. وهذه إشارة لما سيأتي من أنواع العموم، لأن أحيانا يأتي ألفاظ هي عامة، لكنها لا تدل على العموم، لا تدل عليه، وهو العام المخصوص أو العام الذي أريد به الخصوص، وهذا كما قد سيأتينا. فهنا كلامه على العام الباقي على عمومه، وهذا يسميه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى العام المحفوظ، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وقد عبر عن هذا في بعض فتاوى في مجموع الفتاوى، يأتي بقول، يقول: والعام المحفوظ مقدم على العام المخصوص. فأنت ربما يشكل عليك العام المحفوظ، ما معنى العام المحفوظ؟ هذا الذي أراده شيخ الإسلام، هو العام الباقي على عمومه. فقوله محفوظ، أي أنه حفظ من التخصيص، حفظ من التخصيص، هذا معنى العام ماذا؟ المحفوظ. وهو العام الباقي على عمومه. قال رحمه الله تعالى: وعز إلا قوله والله بكل شيء أي عليم، وذا، وقوله خلقكم من نفس واحدة فخذوا دون لبسي، في هذين البيتين، المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى أهم المسائل المتعلقة بالعام. فقال رحمه الله تعالى: وعز، ما معنى عز؟ عز يعز، بكسر العين، بمعنى ندر، بمعنى قل. ما معنى قل وندر؟ ولماذا أتى هنا وعز؟ هذا سنجد تركه في آخر مبحث، وهو أن الناظم تابعا للسيوطي، أراد أن يبين لك أن هذا النوع الأمثل فيه قليل جدا. ما هي الأمثلة؟ الأمثلة الدالة على عام لا زال على عمومه، عام لا زال على عمومه، هذه الأمثلة فيه قليل، وقليل جدا، ولهذا قال: وعز، أي هذا أمر عزيز، أن أتي لكم بمثال عليه، وذا سيأتي في آخر المبحث. قال: وعز إلا قوله، إلا استثناء، استثناء، استثناء. قال: وعز إلا قوله والله بكل شيء أي عليم، وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، هذه الآية فيها مثال لما أراده المؤلف من ذكر لفظ عام بقي على عمومه، ما جاءه التخصيص، ما جاءه حصر على شيء دون شيء. قال: وعز إلا قوله والله بكل شيء أي عليم. فقوله بكل شيء، من أين استفاد العموم؟ من لفظ كل، كما قلنا: أن من صيغ العموم، عن طريقها تعرف أسلوب العام، فعنده في هذه الآية من أساليب العموم كلمة كل، كل تفيد العموم. كل إذا هذا عامة، وأين اللفظ الذي يشمله العموم؟ شيء، فكل شيء ماذا؟ لا يعزب عن علم الله، فربنا سبحانه وتعالى علمه محيط بكل شيء، هذا عموم، هذا تعميم، هذا لفظ عام، بكل شيء، هل هناك شيء خرج عن علم الله؟ أبدا. هل يمكن أحد أن يستدرك؟ هل يمكن لأحد أن يستثني؟ يقول: نعم، أنا أقر بأن الله علم كل شيء إلا، ما يمكن أن يقول إلا، العام يبقى على العموم. وفي هذا رد لمن ناقش فيه وجادل في هذه المسألة، كالبعض الفلاسفة الذين يتكلمون في علم الله، فيقولون: بأن الله علم الكليات ولم يعلم الجزئيات، أن الله علم الكليات ولن يعلم الجزئيات، هذا باطل. بماذا ترد عليه يا عبد الله؟ بهذه الآية: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، كل شيء، لا يخرج عن علم الله، يدخل في ذلك الكليات، يدخل في ذلك الجزئيات، يدخل في ذلك الموجودات، يدخل في ذلك المعدومات، يدخل في ذلك المستحيلات، كل شيء يدخل في علم الله. قال: من قال من سلفنا؟ ناقشوا، ناقشوا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا، ما أحد ينكر علم الله، لأن الله بكل شيء عليم. فإذا استفدنا من هذه الآية بماذا؟ أن علم الله شامل، بماذا استفدنا من صيغة العموم كل؟ فهذا لفظ مستغرق لجميع أفراده بلا حصر، فما من شيء إلا وهو داخل ماذا؟ يشمله علم الله سبحانه وتعالى. قال: وعز إلا قوله والله بكل شيء أي عليم، ذا، فقول ذا اسم إشارة، وما المشار إليه؟ المثال، ذا هذا المثال الذي جئتك به، والله بكل شيء عليم. قال: وذا، وذا هو، ما معنى؟ أي هذا هو مثال لعموم باق على عمومه، لعام باق على عمومه، أي هذا المثال، والله بكل شيء عليم، هذا هو، أي هذا عام باق على عمومه، لم يأتيه حصر، لم يأتيه تخصيص، لم يأتي استثناء، بل هو قائم على عمومه، والله بكل شيء عليم. قال رحمه الله تعالى: وقوله، هذا المثال الثاني، يضرب لنا مثالا آخر كذلك على عمومي، وعلى لفظ العموم. قال: وقوله خلقكم من نفس واحدة، فخذوا دون لبسي. وقوله، أي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، هذه الآية استفيد منها العموم، وأين العموم؟ في كاف الخطاب، ربنا يخاطب من؟ من الذي خلق الله؟ كل أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد خلقها الله، ما من أحد من البشر إلا وقد خلقه الله، هذا العموم. فالخلق عام، خلق الله جميع الأفراد، جميع البشر، لماذا خلقهم؟ من نفس واحدة، من نفس واحدة. قال: وقوله خلقكم من نفس واحدة، فخذوا دون لبسي. فقوله، إذن: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، فيها عموم، وجه العموم الخطاب، أن الله خاطب جميع الخلق، بأن الله خلقهم جميعا، هل هناك أحد يستثنى؟ لا أحد يستثنى، لا أحد، بل كلهم خلق من خلق الله، خلقهم الله من نفس واحدة. قال: فخذوا، أي خذ هذا المثال، هذا المثال الثاني، خذه، وتأمل فيه حتى يتضح لك معالم الماذا؟ العام. قال: فخذوا دون لبسي، لبس بمعنى الخلط، اللبس يأتي بمعنى الخلط، حتى لا تختلط عليك الأمور. مقياس العام الذي رأيت من الأمثلة، أشياء عامة، ويأتي اللبس بمعنى الخلط، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، ما معنى يلبسوا؟ أي لم يخالطوا إيمانهم بظلم، أي بشرك. فاللبس يأتي بمعنى الخلط، إذن هذه الأمثلة، المؤلف رحمه الله تعالى أتى لنا بمثال يدل على العموم الباقي على عمومه، أي ألفاظ مستغرقة لجميع أفراده. المثال الأول: أن جميع الأشياء تحت علم الله، هذا عام باقي على عمومه، المثال الثاني: أن الله خلق جميع البشر من نفس واحدة، وهذا أيضا عام باقي على عمومه. نأتي الآن إلى اللفظة الأولى، قوله رحمه الله تعالى: وعز، قلنا: عز بمعنى ندرة، بمعنى قلة، ما الذي أراده الناظم؟ طبعا الناظم ما أتى بشيء من عنده، إنما أتى بما يوجد في كتاب النقاية للسيوطي. في كتاب النقاية، السيوطي رحمه الله تعالى صرح بأن إتيان مثال لعام باقي على عمومه، قال: هذا أمر نادر، وقليل جدا. وعبارته رحمه الله تعالى قال: قال: الباقي على عمومه، مثاله عزيز. وما من عام إلا وخص، وما من عام إلا وخص، يعني قالنا: أنا ما أستطيع أن أتيكم بمثال فيه عام باقي على عمومه، لأن ما كلما أتي بمثال فيه عموم، تجد تخصيص يأتيه خصوصا، إما بمتصلة أو منفصلة، بقرائن، بالسياق، بالسباق، تأتي المخصصات تخرج هذا اللفظ عن عمومها. فلهذا قال: عزيز، هذا في النقاية، إلا أنه في الإتقان، السيوطي رحمه الله تعالى في كتاب الإتقان، ذكر هذه العبارة عن من؟ ذكر رحمه الله تعالى عن البلقيني، أن البلقيني هو كذلك صرح بهذه العبارة من قبل، وبيّن أن العام الباقي على عمومه مثاله عزيز. مثاله عزيز، إذن السيوطي ليس من عنده، وإنما أتى ممن قبله، ذكروا هذا الأمر على أن إتيان بمثال سليم، هذا نادر. إذن هذا رأي السيوطي رحمه الله تعالى، عبر عنه الذي يشكل الآن قول الزركشي رحمه الله تعالى: أن العام الباقي عمومه كثير، كثير في القرآن. إذا كيف نفعل؟ السيوطي يقول: ما وجدت مثالا قليل جدا، بينما الزركشي رحمه الله تعالى أثبت العكس، أثبت أن وجود العموم الباقي على عمومه هذا كثير في القرآن، بل مثل لنا بأمثلة كثيرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، أحد نكرة في سياق النفي، تفيد العموم. إذن هذا عام، ما أحد يظلم، هل هناك أحد يظلم؟ يظلم ربه؟ حاشا وكلا، هذا عام، هذا عام، فباق على عمومه. وهكذا، والله أخرى: ﴿خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، هذه كلها ألفاظ عموم. الله خلق جميع الخلق، وهو الذي رزق جميع الخلق، وهو الذي يميت جميع الخلق، وهو الذي يحيي جميع الخلق، هذه كلها عمومات، وباقية على عمومها، هل هناك رازق غير الله؟ أبدا، هل هناك خالق غير الله؟ أبدا. هل هناك محيي غير الله؟ أبدا، فكلها عمومات باقية على عمومها. بل قال علماء: كل ما فيه ذكر ليوم القيامة، هذا من عموم حساب الخلق، وبعث الخلق، والنشور الخلق، كل ذلك من ألفاظ العموم الباقية على عمومها، وأمثلة كثيرة. إذن كيف الجمع؟ السيوطي رحمه الله تعالى يرى أن الأمثلة على بقاء العام على العموم قليلة، بل نادرة، وما وجد، بل يكاد لا يجد شيئا. وبينما الزركشي فتح الباب، ذكرنا عشرات الآيات الدالة على العام بقي على عمومه. هل هناك نوع لبس؟ نعم هناك لبس، ما الذي عناه السيوطي بعدم وجوده؟ وما الذي أراده الزركشي بوجوده؟ هنا يا إخوان المناط هنا ينبغي أن يحقق المناط حتى نرفع، ما الذي أراده السيوطي؟ وما الذي أراده الزركشي؟ الذي أراده السيوطي رحمه الله تعالى، وكلامه حق، أنه يتكلم في باب الأحكام، يتكلم في باب الأحكام الشرعية، في باب الأحكام الشرعية المتعلق بأعمال المكلفين، أني ما وجدت مثالا صحيحا، لم أجد مثالا في هذا الباب. وأما الزركشي رحمه الله تعالى، فأين أمثلته؟ هل تكلم في أحكام، مسألة أحكام شرعية؟ لا، تكلم في أمور عامة، أمور متعلقة بذات الرب سبحانه وتعالى، والسيوطي إنما يريد مثالا متعلقا بأعمال العباد، باقيا على عمومه، ما وجدت. وأما الزركشي، وإنما أتى لنا بماذا؟ بالعام الباقي عمومه متعلق بذات الله سبحانه وتعالى، هنا اختلف، هنا اختلف في هذا الباب. فإذا السيوطي أشار إلى أمر، والزركشي أثبت أمرا آخر، وبهذا نعلم أن لكل واحد صحة، وجهة نظره. فكون أنك تأتي بأدلة باقية على عمومها تحت الشريعة بعامة، تجد أمثلة كثيرة، لكن كونك تدخل إلى أعمال العباد، وتريد أن تختار لفظا باقيا على عمومه، لا تكاد تجد مثاله. أقيم الصلاة، أقيم الصلاة، حكم شرعي، طيب هل كل أحد يقيم الصلاة؟ هو لفظ عام، أقيم الصلاة من ألفاظ العموم، طيب هل كل أحد؟ ما عندي مخصصات، هل أحد يخرج من هذا العموم؟ يخرج المجنون، يخرج الصبي، يخرج العبد على قول من قال به، يخرج الساهي، يخرج الناس، وقس على ذلك يا عبد الله. جميع الأحكام الشرعية، كلما جئت لي بحكم عام في الأحكام الشرعية، تجد مخصصا في باب البيوع، كما سيأتي في العام المخصوص، في باب البيوع، في باب الربا، في باب النكاح، في باب الجهاد، في باب الطلاق، في باب الإيلاء، ما من باب حكم شرعي. باب الطهارة، باب الصلاة، باب الصيام، باب الحج، باب الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، ولله على الناس، لفظ عام، حج البيت، لمن استطاع إليه السبيل، من الذي خرج؟ غير المستطيع، هذا مخصص. إذن تجد أن ما من لفظ عام، هذا الذي عناه السيوطي، السيوطي يقول: يعز أن أجد كلما وجدت لفظا عاما، تنظر في التفاصيل، في مخصصات فيه، هناك ما يخصص، هذا الذي عز عليه رحمه الله تعالى. إذن بهذا نفهم إخوانا في الله ما الذي أراده السيوطي بأنه عزيز، أن يأتي بمثال، أنه ما وجد مثالا يذكر بأحكام شرعية، أي حكم شرعي متعلق بأفعال المكلفين، باقي على عمومه. إلا أنه قال: من الطريف ما يذكر، أتى بعبارة طيبة، قال رحمه الله تعالى: وقد استخرجت، يحكي عن نفسه، قال: وقد استخرجت من القرآن بعد الفكر آية، يعني يقول: من شدة ما تعنى، بحث في هذا المبحث، أراد عموما عاما باقيا في باب الأحكام الشرعية، بعدما شغل الذهن، وقف على آية، آية واحدة. قال رحمه الله تعالى: وقد استخرجت من القرآن بعد الفكر آية، وهي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، قال: فإنها لا مخصص لها، هذا نعم، هذا هو المثال، وجدته، حرمت عليكم أمهاتكم، هل أنت استثناء في الأمهات؟ لا، يقول هكذا. هذه الآية التي وجدها على عمومها، هذا ذكره كذلك في الإتقان، رحمه الله رحمة واسعة. فالحاصل إخواني في الله هذا ما يتعلق بمسلك عقد هذا الباب، يتكلم هذا الباب حول المعاني التي تتعلق بالأحكام الشرعية. وأول ما بدأ به العام، وسأتي معنى أقسام العام في دروس قادمة بإذن الله، واعلم أن العام الذي بين أيدينا هو عام باق على عمومه، وهو اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر، بحيث ليس هناك حصر له، ولا حصر أفراده. وهذا كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: يأتي بصيغ موجودة، مذكورة في الكتب المفصلة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.