الدرس في شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الصلاة من أعظم وسائل تزكية النفوس وتطهير القلوب، مستدلاً بآيات قرآنية تربط الفلاح بالصلاة والخشوع فيها، وتؤكد أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا أُدِّيت بخشوع وتدبر. كما يناقش حديثاً ضعيفاً يزعم أن الصلاة قد لا تمنع المعصية، موضحاً أن العيب في كمال الصلاة لا في أصلها، وأن المصلي خير من تاركها حتى مع وجود معصية.
يبيّن المقطع أن الصلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر إلا إذا أديت بخشوع وحضور قلب وتدبر، مستدلاً بأقوال ابن تيمية وابن عثيمين والفوزان على أن مجرد أداء الحركات دون روح الصلاة يُعد إضاعة لحقوقها ولا يُثمر ثمرتها في تزكية السلوك. ويؤكد أن الخشوع هو الشرط الجوهري لانتفاع العبد بصلاته.
يوضح المقطع أن الصلاة الصحيحة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتكفر السيئات، مستدلاً بآية هود 114 وقصة الرجل الذي قبل أجنبية، وبحديث سلمان عن تساقط الخطايا كورق الشجر اليابس عند الوضوء والصلاة. ويشير إلى أن المداومة على الصلاة بطهارة وخشوع تمحو الصغائر وترفع الدرجات.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى وجود أدلة كثيرة سيُتطرق لها في الدرس القادم، ويختتم بالدعاء بالنفع والعلم النافع. ويوصي الحضور بالمحافظة على الصلاة بخشوع لتحقيق ثمارها في تزكية النفس وتكفير الذنوب.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد تقدم معنا في دروس ماضية الكلام على أهمية تزكية النفس وتطهيرها من الأدران والأنجاس، وذكرنا أسبابًا من أسباب تزكية النفس، منها الإخلاص لله عز وجل، ومنها كذلك القرآن الكريم. وفي هذا المجلس -إن شاء الله- نأخذ سببًا آخر من أسباب تزكية النفوس، ألا وهي الصلاة. فالصلاة يا عباد الله من أعظم ما يطهر القلوب ويزكي النفوس، وقد أشار ربنا سبحانه وتعالى إلى ذلك في كتابه، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14-15]. فالفلاح يُقرن مع الصلاة، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]. فمن زكت نفسه وطهر قلبه فهذه علامة فلاحه بإذن الله سبحانه وتعالى. فالصلاة يا عباد الله عصمة من نجس المعاصي وتصفية من أدرانها. وأما أنها عصمة من نجس المعاصي، فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا أداها العبد كما ينبغي، إذا خشع فيها وتدبر معانيها وحافظ عليها، فلن تجد هذا المصلي مرتكبا للفواحش والمنكرات بنص هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. وقد جاء في مسند الإمام أحمد، وقال عنه الشيخ الألباني: إن إسناده صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن فلانًا يصلي الليل كله»، فإذا أصبح سرق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سينهاه ما تقول» أو قال: «ستمنعه صلاته، ستمنعه صلاته». فهذا دليل على أن الصلاة تمنع صاحبها من فعل المنكرات والفواحش والموبقات. وأما حديث: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلم يزدد من الله إلا بعدا»، فهذا الحديث حكم عليه العلماء بالنكارة وشدة الضعف. فقال ابن القيم رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى الكبرى: قال هذا الحديث -يعني: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا- قال: هذا الحديث ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه. ثم قال: وعلى كل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدا، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي وأقرب إلى الله منه، وإن كان فاسقا. فلا يُعذر فيقال: هذا يصلي لكنه لا يزال مقيمًا على المعاصي، إذن أيش الفائدة من صلاة؟ إذن يترك الصلاة؟ لا، فإن عدم نهي الصلاة له عن الفحشاء والمنكر بسبب خلل في صلاته، بسبب خلل في صلاته. فالله سبحانه وتعالى قد ذكر في كتابه أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وكلامه سبحانه وتعالى صدق وحق. فإذن إذا سأل سائل: لماذا بعض الناس يصلي ولكن لا يزال مقيمًا على المعاصي؟ فقد أجاب العلماء على هذا السؤال، ونقرأ بعض كلامهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله كما جاء ذلك في مجموع الفتاوى: «الصلاة إذا أتى بها -أو إذا أتي بها- كما أمر، نهته عن الفحشاء والمنكر. وإذا لم تنهه دل على تضيعه لحقوقها، وإن كان مطيعًا -مطيعًا بماذا؟ بأداء الصلاة- لأنه لبى أمر الله فهو مطيع بإقامتها». ثم قال: «وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: 59]، وإضاعتها التفريط في واجباتها وإن كان يصليها». إذا هذا الذي لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر عنده خلل، وهو عدم القيام بواجباتها من الخشوع فيها ومن الإقبال فيها على الله سبحانه وتعالى. وهكذا يقول العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله كما في تفسيره لسورة البقرة: «أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب، فهي صلاة جوارح: حركات مجرد حركات، ركوع سجود، لا صلاة قلب. قال: ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبر تنفتح عليه -أو تنفتح عليه- أبواب واسعة عظيمة من الهواجس التي لا فائدة منها». يعني إذا دخل إلى الصلاة أتاه الشيطان بمشاريعه الدنيوية، أتاه الشيطان بأمور ربما قد نسيها قبل أن يدخل إلى الصلاة فيذكره بها في الصلاة حتى يصرفه عن لب وروح هذه الصلاة والانتفاع بها والانتفاع بها. ولذلك يقول هنا ابن العثيمين: «ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبر تنفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجس التي لا فائدة منها، ولذلك من حين أن يسلم تنجلي عنه وتذهب -تنجلي عنه وتذهب- يعني هذه الهواجس ما تأتيه إلا في الصلاة». قال: «لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة، فلا بد أن يسلو بها عن كل هم، فلا يكون الإنسان منتفعًا بهذه الصلاة إلا إذا أقبل عليها بخشوع وسكينة وتدبر وتعقل لما يفعل فيها ولما يقال». وهكذا يقول الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى كما في كتابه المنتقى من الفتاوى: «للصلاة الصحيحة تأثير في سلوك العبد وأعماله الأخرى، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. قال: فالذي يصلي بحضور قلب وخشوع واستحضار لعظمة الله، هذا يخرج بصلاة مفيدة، يخرج بصلاة مفيدة نافعة تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ويحصل بها على الفلاح. قال: أما الذي يصلي صلاة صورية، يعني مجرد حركات بالجوارح، صلاة صورية من غير حضور قلب ومن غير خشوع، قلبه في واد وجسمه في واد آخر، فهذا لا يحصل من صلاته على طائل، لا يحصل من صلاته على طائل». وهكذا يقول ابن باز رحمه الله تعالى: «فإذا كان المسلم يصلي ومع هذا مقيمًا على المعاصي، فهذا معناه أنه لم يؤد الصلاة كما ينبغي، معناه أنه لم يقمها كما ينبغي، ولو أقامها كما ينبغي لنهته عن الفحشاء والمنكر». وهكذا من الأمور التي بها تزكى النفوس بالصلاة: أن الصلاة تصفية من أدران المعاصي. فإذا سولت نفسك لك بمعصية، فإن الصلاة من مكفرات هذه الذنوب، تكفر الذنوب وتنقي القلوب من أدران هذه المعاصي، وهذا عليه أدلة كثيرة في القرآن وفي السنة. أما القرآن، فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]. فقد جاء في البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أصبت قبلة من امرأة لا تحل لي. سولت له نفسه فقبل امرأة لا تحل له، امرأة أجنبية. فسكت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أصليت معنا؟» قال: نعم. فتلى عليه هذه الآية، فقال له هذا الرجل: «ألي خاصة يا رسول الله؟» قال: «بل هي لجميع أمتي». فهذا دليل على أن الصلاة سبب لتكفير الذنوب والخطايا. والحسنات أكثر المفسرين فسروها في هذه الآية بالصلاة لورود السبب فيها، لورود السبب فيها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أصليت معنا؟» ففسرت الحسنات هنا بالصلاة. ولكن عموم الآية يدل كذلك على أن بعض الأعمال الصالحة سبب أيضًا لتكفير السيئات، لتكفير السيئات. وكل ما يتعلق بالصلاة من الوضوء ومن الخطوات إليها ونحو ذلك فهي أيضًا من أسباب تكفير السيئات، وقد ورد بذلك كما تقدم الأحاديث الكثيرة. ففي مسند الإمام أحمد، ويصحح العلامة الألباني في صحيحة الترغيب -والترغيب والترغيب- من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غصنًا يابسًا، غصن شجرة يابس، أخذه فهزه حتى تحات ورقه. معروف أن الشجر اليابس إذا هززته تساقطت أوراقه، فهز هذه الشجرة حتى تحاتت أوراقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان: «يا سلمان، ألا تسألني لما أفعل هذا؟ لماذا فعلت هذا؟» فقال سلمان: «قلت: ولما تفعله؟ ما أدري، الله أعلم لما تفعله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أراد أن يعلم الصحابة درسًا عمليًا، درسًا عمليًا يرون ذلك بأعينهم». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس، تحاتت خطاياه كما تحاتت هذا الورق، كما تحاتت هذا الورق». ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾. وهناك أدلة كثيرة لعلنا نتطرق لبعضها في الدرس القادم لانتهاء الوقت. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما تعلمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.