شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 11

شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 11

الدرس في شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الصلاة سبب لتكفير الصغائر وتزكية النفس

تعد الصلاة من أعظم أسباب تزكية النفس حيث تكفر الصغائر واللمم اليومية والأسبوعية والسنوية بشرط الإحسان في الوضوء والخشوع. ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بالنهر الجاري ليبين أثر الصلاة في تطهير القلب من أدران الذنوب.

الصلاة نور وتكفير للذنوب

شبه النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس بنهر يغتسل فيه المسلم خمس مرات لتمحو الخطايا وتطهر القلوب. أكد العلماء أن الصلاة نور يضيء للعبد في قلبه ووجهه وقبره ويوم حشره.

أثر الصلاة في تزكية النفس وتقوية القلب

الصلاة غذاء للقلب وقوة للنفس ويظهر أثرها نوراً على وجوه المصلين. تعين على الصبر وأداء الواجبات وترك المحرمات وتجعل العبد نشيطاً طيب النفس.

تزكية النفوس بالصلاة وختام الدرس

أشار المتحدث إلى أن الصلاة تُزكي النفوس وأجل بقية المسائل إلى درس قادم. ختم الدرس بقوله والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فقد أخذنا في الدرس الماضي سببًا من أسباب تزكية النفس، ألا وهي الصلاة. وأخذنا وجهين من أوجه كون الصلاة تزكي النفس: الوجه الأول: أن الصلاة عصمة من نجس المعاصي، والوجه الآخر: أن الصلاة تصفية من أدران المعاصي. وأخذنا الأدلة على ذلك، وفي الثاني أخذنا بعض الأدلة في كون الصلاة تصفية من أدران المعاصي. فمن حكمة الله عز وجل أن شرع لنا هذه الصلاة؛ لأن الإنسان لا يسلم في يومه وليلته من الوقوع في شيء من اللمم، ومن صوائر الذنوب، فجعلت مثل هذه الصلوات أسبابًا لتكفير تلك السيئات. ومن أدلة ذلك أيضًا ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». فهذا الحديث أفاد أولًا: أن المراد بتكفير الصلوات هو الصغائر، أما الكبائر فهي تحتاج إلى توبة خاصة. والكبائر لربما يتحرى أو يتحرز منها كثير مننا، لكن الصغائر قلما من يسلم من الوقوع فيها، قلما من يسلم من الوقوع فيها. فمن حكمة الله عز وجل أن جعل هذه الصلوات مكفرات. وأفاد أيضًا هذا الحديث: أن الصلوات منها ما يكون تكفيرًا يوميًا، ومنها ما يكون تكفيرًا أسبوعيًا. فقوله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس» هذا تكفير يومي؛ صليت العصر فهذه الصلاة سبب لتكفير الذنوب ما قبل هذه الصلاة، ثم جاء وقت المغرب صليت المغرب، هذا تكفير لما قد يحصل من العبد من ذنوب بين صلاة العصر والمغرب، وهكذا بقية الصلوات، فهذا تكفير يومي. وفي هذا الحديث أيضًا تكفير أسبوعي، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «والجمعة إلى الجمعة»، فالمراد بالجمعة هنا الصلاة كما ذكر ذلك بعض شراح الحديث، فمن أدى صلاة الجمعة فتكفيه هذه الصلاة ذنوب الأسبوع الماضي، الأسبوع الماضي. وهناك أيضًا للصلوات تكفير سنوي في قوله عليه الصلاة والسلام: «ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، والمراد بالقيام هنا الصلاة. وهكذا قيام ليلة القدر، قال عليه الصلاة والسلام: «ومن قام ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». فانظروا يا عباد الله إلى عظم هذه الصلاة وإلى أهميتها في تزكية النفوس وتطهير القلوب. وكذلك مما يدل على أن الصلاة تكفر السيئات ما جاء في حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله» رواه مسلم. فهذا الحديث أفاد أن الصلاة التي تكون سببًا في تكفير الذنوب هي أن يحسن المصلي وضوءها، وكذلك خشوعها وركوعها، أن يؤديها كما أمر الله سبحانه وتعالى بقلبه وجوارحه، لا بجوارحه فحسب، كما تقدم معنا في الدرس الماضي. وأفاد هذا الحديث أيضًا أن تكفير السيئات إنما يكون في الصغائر دون الكبائر: «ما لم يؤت كبيرة». وأيضًا مما يدل على أن الصلوات تطهر العبد من أدران الذنوب والمعاصي ما جاء أيضًا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه في اليوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم: إنسان معه نهر جارٍ ماء طيب عذب عند باب بيته، كل يوم يغتسل منه خمس مرات، هل سيبقى في جسده وسخ أو روائح كريهة؟ أبدًا، سيكون غاية في النظافة واللمعان والحسن والجمال بسبب هذا الاغتسال في اليوم خمس مرات. اليوم ربما الواحد منا يغتسل في اليوم مرة واحدة فيجد النظافة ويجد كذلك النقاء في جسده، فكيف بهذا يغتسل في اليوم خمس مرات؟ هل يبقى من درنه شيء؟ الدرن هو الوسخ. قالوا: لا يا رسول الله، ما يبقى من درنه شيء. قال: «فكذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بها الخطايا، يمحو الله بها الخطايا». فالصلوات الخمس تطهر القلوب كما أن النهر العذب الجاري يطهر الأبدان. يقول الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي رحمه الله تعالى: «الاستغفار والعبادة، وخصوصًا الصلاة، مكفرات للذنوب؛ فإن الله رتب مغفرة ذنب داود على استغفاره وصلاته أو سجوده». ويشير إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ﴾ [ص: 24-25]. فبسبب استغفاره وصلاته غفر الله عز وجل له ما قد وقع فيه. الصلاة يا عباد الله من أوجه تزكيتها للنفوس أنها نور، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والصلاة نور، والصلاة نور». يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: الصلاة نور، فمعناها: تمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب، كما أن النور يستضاء به. إذا كنت في ظلمة وما معك مصباح يضيء لك الطريق، ربما تتخبط، حفرة تقع فيها، حجرة يعني تصطدم بها، شوكة تقع عليها، ما ترى ظلمة. فكذلك الصلاة هي نور تنور المسلم في هذه الحياة بين ظلمات الفتن، وما أكثرها في هذا الزمان، فالصلاة نور للمسلم يهتدي به في ظلمات الفتن وألماها في هذه الدنيا. يقول الإمام النووي رحمه الله: وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به، وقيل: يكون أجرها نورًا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصلي. وهذا أمر مشاهد: أهل الصلاة ترى النور على وجوههم من أثر نور الصلاة، من أثر نور الصلاة. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: الصلاة نور، قال مطلقًا: فهي نور للمؤمنين في قلوبهم، نور للمؤمنين في قلوبهم وبصائرهم، وهي نور للمؤمنين في قبورهم، لا سيما صلاة الليل، كما قال أبو الدرداء: «صلوا في ظلم الليل لظلمة القبور، صلوا في ظلم الليل لظلمة القبور». قال: وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة وعلى الصراط. فصدق النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة نور للقلوب، وكذلك يظهر هذا النور الذي استضاء به القلب على الجوارح، على الجوارح. يقول أيضًا العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله: قوله: «الصلاة نور»، قال: فالصلاة نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره. ولهذا تجد أكثر الناس نورًا في الوجوه أكثرهم صلاة وأخشعهم فيها لله عز وجل. قال: وكذلك تكون نورًا للإنسان في قلبه، هذه الصلاة تكون نورًا للإنسان في قلبه، تفتح عليه أو تفتح عليه باب المعرفة بالله سبحانه وتعالى، وباب المعرفة في أحكام الله وأفعاله وأسمائه وصفاته، وهي نور في قبر الإنسان، وهي نور في حشره يوم القيامة، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: أن من حافظ عليها أي الصلاة كانت له نورًا ونجاة وبرهانًا يوم القيامة، قال: ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة يوم القيامة. ثم قال: فهي نور للإنسان في جميع أحواله. يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله مواصلًا كلامه: فهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها، وأن يحرص عليها، وأن يكثر منها حتى يكثر نوره وعلمه وإيمانه. فكما أننا عباد الله نحرص في هذه الأيام على الصلاة والمحافظة عليها، فينبغي علينا أن نستمر على ذلك ونحن في ختام هذا الشهر، وأن لا نترك هذه الصلاة لما علمت من فضلها ومن أثرها ومن عظيم نفعها على تزكية نفوسنا. يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29]: كثير من الناس يفهم من هذه الآية أن المراد بالسيمة هي العلامة السوداء التي تكون هنا بسبب مثلًا كثرة السجود، لا، هذا تفسير خاطئ. اسمع إلى كلام هذا المفسر العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، يقول في قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: قال: أي قد أثرت العبادة من كثرتها وحسنها في وجوههم حتى استنارت، حتى استنارت. ثم قال: لما استنارت بالصلاة بواطنهم استنارت بالجلال ظواهرهم، استنارت بالجلال، الجلال يعني البهاء والحسن والنور الذي يظهر على أوجه المصلين، على أوجه المصلين المصلين. يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: الصلاة قوت قلوب المؤمنين وغذاؤها بما اجتمعت عليه من ذكر الله ومناجاته وقربه. قال: فمن أتم صلاته فقد استوفى غذاء قلبه وروحه، فما دام على ذلك فقد استوفى غذاء قلبه وروحه ما دام على ذلك. ثم قال: فما دام على ذلك كملت قوته ودامت صحته وعافيته، ومن لم يتم صلاته فلم يستوفِ قلبه وروحه قوتها وغذاءها، فجاع قلبه وضعف، وربما مرض أو مات لفقد غذائه، كما يمرض الجسد ويسقم إذا لم يكمل تناول غذائه وقوته الملائم له. فهذا يشبه هنا الحافظ ابن رجب الصلاة بقوت القلوب، غذاء القلوب، مثل أن هذا الجسد نعتني بغذائه من المآكل والمشارب، فهذا القلب يحتاج إلى غذاء، ومن أعظم غذاء القلوب وقوت القلوب الصلاة؛ لما فيها من ذكر الله ومن مناجاته سبحانه وتعالى والقرب منه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مسلم من حديث أبي هريرة: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وهو ساجد». أي في الصلاة، فهنا أطلق الجزء وأراد به الكل، وأراد به الكل، أي أنه ساجد في صلاته، ليس مجرد السجود ولو خارج الصلاة، وإنما المراد بالسجود في الصلاة، بالسجود في الصلاة. الصلاة يا عباد الله من أوجه كذلك تزكيتها للنفس أنها تعين على الصبر، وعلى فعل الشاق من الأعمال، وعلى كذلك مجاهدة النفس على الأعمال الصالحة التي بها زكاء النفوس. بالصلاة يعينك الله سبحانه وتعالى لأداء الواجبات ولترك المحرمات، وهذا المعنى في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45]، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: الصلاة من أسرارها أنها تعين على الصبر؛ لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع، لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع. وذكر الله من أعظم أسباب عون الله سبحانه وتعالى للعبد، ومن أعظم أسباب نشاطه وقوته، كما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا نام يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا نام ثلاث عقد، يقول: نم عليك ليل طويل، قال: فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة، فإذا قام وتوضأ انحلت العقدة الثانية، وإذا قام فصلى انحلت العقدة الثالثة، فأصبح نشيطًا طيب النفس». انظر: بسبب الصلاة يصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح كسلان خبيث النفس إذا لم يذكر الله ويصلي عند قيامه من نومه، صار في نهاره كسلان خبيث النفس متثاقلًا عن أعماله الدينية والدنيوية. فالصلاة من أعظم ما يعين العبد على القيام بأعمال دينه ودنياه. يقول العلامة السعدي رحمه الله: أمر الله بالصلاة خصوصًا وبالذكر عموما، وبذلك تحصل للعبد ملكة، تحصل للعبد ملكة قوية في تحمل الأثقال وفعل الشاق من الأعمال. صدق رحمه الله تعالى، فتجد أهل الصلاة من أنشط الناس ومن أطيب الناس نفوسًا وقلوبًا؛ لأن هذه الصلاة قد أثرت في قلوبهم. فهذا شيء مما تتزكى به النفوس بالصلاة. وبقيت بعض الأمور الأخرى نؤجلها إن شاء الله إلى درس قادم بإذن الله. إلى هنا والله تعالى أعلم.