الدرس في التعليق على كشف الشبهات 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
نوح عليه السلام كان أول رسول يرسله الله لقومه بعد أن غلوا في الصالحين ووقعوا في الشرك، حيث كان قومه في البداية على التوحيد ثم عبدوا أصنامًا تمثل رجالًا صالحين ماتوا. الغلو في الصالحين هو أول ما حصل الشرك في الأرض.
الشرك بدأ بسبب الغلو في الصالحين، حيث عبد الناس أصنامًا تمثل رجالًا صالحين ماتوا، وهذا ما حدث مع قوم نوح وإبراهيم عليهما السلام. هذا الغلو أدى إلى الشرك بالله.
المقطع يشير إلى كتابة ترجمة نوح عليه السلام، كما يتناول انتقاد بعض العلماء للبخاري ومسلم في بعض الأحاديث، لكن عدد هذه الانتقادات قليل نسبيًا. بعض العلماء لم ينتقدوهم بشكل كبير.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، قال الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لما ذكر التوحيد، قال: وهو الذي بعث به الرسل، فأولهم نوح، وتكلمنا على قول المؤلف: أولهم نوح. قال: أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا. فهذا قوله: "لما غلوا أرسله" إلى قوله: "كان قومه"؛ لأن الرسل كانت ترسل إلى أقوامها. ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في "الصحيحين" عن جابر: "وأن الرسول كان يبعث إلى قومها". قال عليه الصلاة والسلام: "وعذرك إلى الناس كأعذارك إلى قومك". فصله الله وعنده وجد إلى قومه. وكان قوم نوح قبل ذلك كانوا على الخير، على التوحيد، كما قال ابن عباس -رضي الله عنه-: "قد توارد العلماء على أنه قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد". ثم حدث بعد ذلك الشرك، حدث بعد ذلك الشرك. ولما حدث الشرك أرسل الله -عز وجل- نوحًا إلى قومه. وحدث ذلك الشرك في قومه أول ما حدث الشرك حدث عنده. وكان أولًا كما قال ابن عباس: رجال صالحين في قومه. وهذا الأثر أخرجه الإمام أحمد في "المسند الصحيح"، أي أثر ابن عباس لما ذكر أن هذه الأسماء هي أسماء رجال صالحين في قوم نوح. ثم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا صورًا لهم حتى لا ينسوهم وينشطوا في العبادة. فجاءهم الشيطان من هذا الباب: صوروا صورهم لعلهم إذا تذكروهم ينشطون في العبادة. ثم إنهم لما نسوا العلم، عبث بهم الشيطان، فجاء للذين بعدهم، رأوا أن آباءهم يعظمون هذه الصور، فرأوا أن تعظيم هذه الصور لا بد أن فيه شيء، فقاموا فعبدوها، فحصل الشرك بعد ذلك. فأرسل الله -عز وجل- نوحًا يدعوهم إلى الله. فهذا الذي ذكره ابن عباس -رضي الله عنه-. وذكر ذلك البخاري، إلا أن بعض المتأخرين استشكل أمرًا في رواية هذا الأثر؛ لأن الأثر رواه البخاري من طريق ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس. وانتقد الذين انتقدوا هذا الأثر بأمرين اثنين. أولًا، قالوا: إن عبد الرزاق ذكر هذا الحديث أو الأثر في "مصنفه" من طريق ابن جريج، عن عطاء ابن أبي مسلم الخراساني، عن ابن عباس. وأيضًا يقال: إن هناك كتابًا لعطاء ابن أبي مسلم الخراساني، وذكر فيه هذا الأثر. والأمر الثالث، قالوا: إن عطاء بن أبي مسلم الخراساني لم يسمع تفسير "صورة البقرة" أو تفسيرًا من ابن عباس. والأمر المهم أن هذه الانتقادات بعض هذا العلماء رد بها بعضهم، قال: ليست صحيحة. وذكر الحافظ ابن حجر هذا الإشكال في "الفتح"، وقال: إن عندي أن هذا أثر رواه ابن جريج، عن عطاء الخراساني، قال: عطاء بن أبي رباح؛ لأنه لو كان عطاء الخراساني ما سيكون في "البخاري". لماذا؟ لأن عطاء بن أبي مسلم الخراساني لم يسمع من ابن عباس؛ فسيكون لهذا الأثر مقطع. وعطاء بن أبي رباح الخراساني استشهد في آخره. فالمهم أن فيه شيء من الانتقاد عند بعض العلماء. قال الحافظ: الظاهر أن البخاري رجح رواية ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح. وأما وجوده في "المصنف" لعبد الرزاق، فالله أعلم هل هو من الناسخ أو من رواة "المصنف". الدبري هو الذي ذكر أنه الخراساني. فالمهم أن هذا التسليط في الرواية لا يضر. وقد ولو كان هذا الأثر يذكر العلماء الذين انتقدوا البخاري، ومسلم أن الدارقطني قد فتش "البخاري" و"مسلم" تشتيتًا عظيمًا، وانتقد روايات كثيرة. معناه: ليست كثيرة بالنسبة لعدد الأحاديث؛ معناه أنها قريبة من مئة أو مئتين كما يقول. لكن هذا بالنسبة للحديث الموجود في "البخاري" و"مسلم" سيكون لا شيء؛ شيء يسير؛ مئتا حديث مكررة في التتبع؛ هذه الأحاديث بالنسبة لما جاء في "البخاري" و"مسلم" سيكون لا شيء؛ شيء قليل يعتبر نسبيًا. وأيضًا ليس كلها الصواب فيها عند الدارقطني؛ بل أكثرها التي انتقاها الدارقطني عن البخاري، خاصة انتقاها الصواب عن البخاري. فالمهم أنه أردت أن أذكر أن الدارقطني -رحمه الله- قد فتش "البخاري" و"مسلم" في حديث المتقدمين، كذلك أبو إسحاق الإسفراييني أيضًا ذكر في "الأطراف" بعض الانتقادات، وكذلك غيرهم من العلماء الذين اهتموا بهذا العلم. فلم ينكر أحد من العلم المتقدمين الذين هم عرضوا هذا العلم أن هذا الأطراف في "البخاري" منتقد. وإنما ذكره بعض المتأخرين الذين أرادوا أن يعلوا هذا الشيء لأنفسهم، وبعضهم لأجل إعلاء فقط، ليس لأجل شيء؛ لأن هذا الأثر خج على أهل التصوف، خج على أهل القبورية؛ لأن هذا الأثر يبين أن الشرك حصل بسبب الغلو في الصالحين، حصل الشرك أول ما حصل في الأرض بسبب الغلو في الصالحين، وهم الآن يغلون في الصالحين؛ فلهذا فالآخر لا يناسبهم. الغلو؛ هذا الأثر لا يناسبهم. وأيضًا مع أنه يؤيد الأدلة التي جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة -رضي الله عنها- لما قالت: إن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبي -صلى الله عليه وسلم- كنيسة رأتاها في الحبشة وما فيها من الصور. فقال عليه الصلاة والسلام: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا تلك الصور". وجاء في رواية: "بنوا على قبره مسجدًا وصوروا تلك الصور". "أولئك شرار الخلق عند الله". فهذا يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أن الشرك حصل أيضًا عند أهل الكتاب بسبب غلوهم في الصالحين. فكذلك أيضًا أول ما حصل الشرك في الغلو في الصالحين. ولهذا قال الشيخ هنا في كلامه -يعني هذا قال-: أرسله إلى قومه "لما غلوا في الصالحين". والغلو هو مجاوزة الحد. الغلو هو مجاوزة الحد المعدود فيه على جهة الإفراط. مجاوزة الحد المعدود فيه على جهة الإفراط؛ معنى الغلو يعتبر إفراطًا في معناه. شيء زائد. ولهذا قال العلماء: إن مسألة الغلو قائم على أمرين: إما بالتجاوز في الحد، وهو الإفراط في الأمر، أو الزيادة في حد شرع، الزيادة في حد شرع؛ فيحصل الغلو إما بالأمر الأول أو بالأمر الثاني؛ إما بالإفراط في الأشياء، وإما بمجاوزة الحد بالزيادة. فهذا قال ما قلنا: الأثر الذي جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- صحيح. وقد ذكر أيضًا هذا غير واحد ليس من رواية ابن عباس؛ جاءت الروايات فكاد يذكروها عن قوم نوح، وأنهم كانوا لما غلوا في الصالحين أرسل الله -عز وجل- إليهم نوحًا يبين لهم التوحيد. الله -عز وجل- يبين لهم ويهديهم إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى-. ونأخذ من هذا أن أول ما حصل الشرك في هذه الأمة -أقصد في هذه الأمة- هو الشرك في الصالحين؛ لأن الشرك الحاصل في الأرواح على نوعين: إما أرواح الصالحين، وإما أرواح الكوافر. أن العبادة صارت في أرواح الصالحين، وفي أرواح الكوافر. في أرواح الصالحين: من ذلك ما حصل عند قوم نوح. وفي أرواح الكوافر: من ذلك ما حصل عند قوم إبراهيم. فذكر في بعض الكتب: أن قوم إبراهيم اتخذوا صورًا لأرواح الكواكب؛ كانوا يعبدون الكواكب. الصابئة الذين كانوا في زمن إبراهيم يعبدون الكواكب؛ يعبدون الشمس، يعبدون القمر، يعبدون هذه النجوم: الزهرة والمشتري. فيظنون: يصورون لهم صورة؛ أن صورة لهذا الكوكب. فيجعلون لهم صنمًا؛ حتى لا يقال: كيف يعبدون الكواكب؟ وإبراهيم -عليه السلام- حسر أصنامهم. هم أصلا يعبدون الكواكب، لكن صوروا هذه الكواكب على صورة أرواح الإنسان، ثم عبدوها؛ يعني جعلوا لها أصنامًا، ونحتوها، وصوروا هذه الصور في عقولهم، في أذهانهم؛ لأن هذه يؤلهونها؛ أن الصور كواكب. فقاموا جعلوا لهم صنمًا، وعبدوا هذه الأصنام. أنه كانت أصنام كثيرة؛ حتى قال إبراهيم -نبي الله عليه الصلاة والسلام-: "بل فعله كبيرهم هذا". فسألوه: لما كسر أصنامهم؟ فلهذا كما قلنا: إن الشرك حدث في أمرين: إما في أرواح الصالحين، وإما في أرواح الكوافر. حتى شرك الذي حصل في الجاهلية قبل أن يبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- حصل في أرواح الصالحين. عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما دخل الإسلام، وجد العرب يعبدون الأصنام، ويعبدون الصالحين. فجاء بلال إلى مكة، وأيضًا زرع في الناس قضية الأصنام هذه؛ حتى عادوا هذه الأصنام التي كانت من قبل موجودة في زمن نوح -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- فإنها وجدت أيضًا عند العرب بعد ذلك؛ لما انتشر الشرك عند العرب، عبدت تلك الأصنام مرة أخرى؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف -رحمه الله-. فنخلص من هذا كلام أن الشيخ -رحمه الله- أراد أن يبين أن الشرك لما حصل في قوم نوح أول ما حصل هو الغلو في الصالحين: ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا. فأصل ذلك الشرك وهو أول شرك حصل في الأرض. فهذا ما يبقى إن شاء الله تعالى. نكتب به الله تعالى ترجمة نوح -عليه السلام-. ترجمة نوح -عليه السلام-.