الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 104، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يقرر المؤلف قاعدة شرعية تنص على أن ما يعرض للأنبياء من يأس أو وساوس هي أمور عارضة طارئة لا تستقر في قلوبهم ولا تنال من عصمتهم. وتأتي هذه القاعدة لرد الشبهات التي توهم ضعف الأنبياء، مبينة أن إنكار وقوعها بدعوى العصمة هو غلط ومخالفة للنص القرآني.
يبيّن المقطع أن الابتلاءات والشبهات التي تصيب أهل الحق هي من حكمة الله لتثبيتهم وزيادة إيمانهم عند انتصار الحق. وأن تساؤل الأنبياء عن النصر ليس شكاً بل استبطاء لشدة البلاء، بخلاف المنافقين الذين يزدادون شكاً.
يشرح المقطع كيف أن النصر الإلهي يأتي بعد شدة فيكتسب حلاوة خاصة، وأن عوارض اليأس والوسوسة في قلوب الرسل أمور عارضة يُبطلها الله ويثبت آياته. ويستشهد بقصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسل ومثال يوسف وحديث النبي عن رد كيد الشيطان.
بعد أن تعرض يوسف عليه السلام لابتلاء شديد، دعا ربه قائلاً: "رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه". يعكس هذا الدعاء قوة إيمانه واختياره للطاعة والصبر على المعصية، مقدماً السجن على الفتنة.
نعم، قَاعِدَةٌ: فَمَنْ لَمْ يُحْكِمُهَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْغَلَطِ فِي فَهْمِ بَعْضِ الْآيَاتِ مَا أَوْجَبَ الْخُرُوجَ عَنِ اللَّهِ بِالنَّقْلِ، وَمَا أَحْرَمَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي وُصُولِهَا عَلَى الْحَقِّ الصَّرِيحِ، الْأَسْبَابُ الْمُزْعِجَةُ تَدْفَعُهَا، أَوْ لِشُبُهٍ قَوِيَّةٍ تُثِيرُهَا. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا إِذَا رَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ وَالْحَقِّ الصَّرِيحِ وَتَقَابَلَ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ فَزَهَقَ الْبَاطِلُ وَثَبَتَ الْحَقُّ، حَصَلَتِ الْعَاقِبَةُ الْحَسَنَةُ وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حِكَمٌ بَالِغَةٌ وَآيَاتٌ مُتَتَابِعَةٌ، وَلِمُتَقَبِّلِ هَذَا أَمْثِلَةٌ. وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ إِيمَانًا وَيَقِينًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ وَعِيدِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَنْبَغِي عَلَى الْأُمَمِ أَنْ تَعْتَقِدَ فِي الرَّسُولِ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ ذُرْوَةَ الْعُلْيَا، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ضِدِّهِ. وَلَكِنْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ، قَدْ يَعْرِضُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُزْعِجَةِ الْمُنَافِيَةِ حِسًّا بِمَا عُلِمَ يَقِينًا مَا يَجِبُ لِهَؤُلَاءِ الْكِمَالِ، أَنْ يَسْتَبْطِئُوا مَعَهُ النَّصْرَ، وَيَقُولُوا: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟ وَقَدْ يَقَعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْقُلُوبِ شَيْءٌ مِنْ عَوَارِضِ الْيَأْسِ حَسْبَ قُوَّةِ الْوَارِدَاتِ وَتَأْثِيرِهَا فِي الْقُلُوبِ. ثُمَّ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ تَنْجَلِي هَذِهِ الْحَالَةُ، وَيَصِيرُ لِنَصْرِ اللَّهِ وَصِدْقِ مَوْعُودِهِ مِنَ الْوَقْعِ وَالْبُشْرَى وَالْآثَارِ الْعَجِيبَةِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يُحْصَلُ بِدُونِ هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. فَهَذَا الْوَارِدُ الَّذِي لَا قَرَارَ لَهُ، وَلَمَّا حَقَّقَ الْحَقَائِقَ وَأَذْهَبَ مَحَلَّهُ وَتَلَاشَى، لَا يُنْكَرُ، وَيُطْلَبُ مِنَ الْآيَاتِ تَأْوِيلَاتٌ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِهَا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ، بَلْ مِنْ صَرِيحِهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، يَلْقَى مِنَ الشُّبُهِ مَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ، ثُمَّ ذَكَرُوا الْحِكْمَ الْعَظِيمَةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى هَذَا الْإِلْقَاءِ، وَأَنَّ نِهَايَةَ الْأَمْرِ وَعَافِيَتَهُ أَنَّ اللَّهَ يُبْطِلُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. فَقَدْ أَخْبَرَ بِوُقُوعِ هَذَا الْأَمْرِ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ لِهَذِهِ الْحِكَمِ الَّتِي ذَكَرَهَا. فَمَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ ذَلِكَ، إِمَّا أَنَّ الرُّسُلَ لَا رَيْبَ وَلَا شَكَّ مَعْصُومُونَ، وَظَنَّ أَنَّ هَذَا يُنَافِي الْعِصْمَةَ، فَقَدْ غَلِطَ أَكْبَرَ غَلَطٍ. وَلَوْ فَهِمَ أَنَّ الْأُمُورَ الْعَارِضَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْأُمُورِ الثَّابِتَةِ، لَمْ يَقُلْ قَوْلًا خَالَفَ فِيهِ الْوَاقِعَ، وَمَا لَفَأَ نِصْفَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ، نَصْفٌ، وَخَالَفَ نِصْفَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ. حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ. وَبَعْدَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يُرِيدُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ ذِكْرِهَا أَنْ يَرُدَّ مَا قَدْ يَقَعُ مِنْ شُبُهٍ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَوِ الْأَثْقِيَاءَ وَقَعَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الضَّعْفِ، أَوْ مِنْ كَذَلِكَ الْوُقُوعِ فِي الشَّكِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الْأُمُورَ الْعَارِضَةَ، وَمَعْنَى الْعَارِضَةِ: الْأُمُورُ الَّتِي تَأْتِي نَادِرَةً، تَأْتِي نَادِرَةً وَتَعْرِضُ عَلَى الْقَلْبِ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ وَعَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ فِي الْقُلُوبِ. وَإِذَا قَالَ: لَا قَرَارَ لَهَا بِسَبَبِ الْمُزْعِجَاتِ أَوِ الشُّبُهَاتِ، يَعْنِي: هَذِهِ الْأُمُورَ الْعَارِضَةَ قَدْ تَرِدُ عَلَى قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَكِنْ لَا تَسْتَقِرُّ فِي قُلُوبِهِمْ. وَسَبَبُ هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ: الْأُمُورُ الْمُزْعِجَةُ كَتَأَخُّرِ نَصْرٍ، أَوْ كَذَلِكَ وُقُوعِ هَزِيمَةٍ، أَوْ شِدَّةِ ابْتِلَاءٍ، وَالشُّبُهَاتِ يَعْنِي: مَا يُلْقِيهِ أَعْدَاؤُهُمْ مِنْ شُبُهَاتٍ قَوِيَّةٍ قَدْ مَا يَكُونُ عِنْدَهُمْ رَدٌّ فِي الْحَالِ. لِذَلِكَ قَالَ: قَدْ تَرِدُ عَلَى الْحَقِّ وَالْأُمُورِ الْيَقِينِيَّةِ، وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا تَضْمَحِلُّ وَتَزُولُ، يَعْنِي: مَا تَسْتَمِرُّ وَلَا تَسْتَقِرُّ فِي الْقُلُوبِ، وَلَا تَسْتَقِرُّ فِي الْقُلُوبِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بَشَرٌ قَدْ تَعْرِضُ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، وَلَكِنْ لَا يُسَرْسِلُ فِيهَا، وَلَا كَذَلِكَ يُصَدِّقُهَا، بَلْ يَدْفَعُهَا وَيُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي دَفْعِهَا، يُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي دَفْعِهَا. فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَسُرْعَانَ مَا تَضْمَحِلُّ، تَضْمَحِلُّ يَعْنِي: تَضْعُفُ وَتَذْهَبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، تَذْهَبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَتَزُولُ فِي النِّهَايَةِ، تَزُولُ فِي النِّهَايَةِ. قَالَ: وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ، لِمَاذَا شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ؟ حَتَّى لَا يُظَنَّ بِالْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ قَدْ عَصَوْا، وَقَدْ وَقَعُوا فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِتَرْكِهِ. وَلِذَلِكَ قَدْ وَرَدَتْ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ. فَمَنْ لَمْ يُحْكِمْهَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْغَلَطِ فِي فَهْمِ بَعْضِ الْآيَاتِ غَلَطٌ فِيهَا، وَفَهِمَ مِنْهَا فَهْمًا خَاطِئًا، مَا أَوْجَبَ الْخُرُوجَ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ، يَعْنِي: يُفَسِّرُهَا تَفْسِيرًا لَمْ يُفَسِّرْ بِهِ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَمَنْ عَرَفَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي وُصُولِهَا عَلَى الْحَقِّ الصَّرِيحِ لِأَسْبَابٍ مُزْعِجَةٍ تَدْفَعُهَا، أَوْ لِشُبُهٍ قَوِيَّةٍ تُحْدِثُهَا، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا إِذَا رَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ وَالْحَقِّ الصَّرِيحِ وَتَقَابَلَ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ فَزَهَقَ الْبَاطِلُ وَثَبَتَ الْحَقُّ، حَصَلَتِ الْعَاقِبَةُ الْحَسَنَةُ، يَعْنِي: مِنْ حِكَمِ وُصُولِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُثَبِّتُ أَهْلَ الْحَقِّ عَلَى الْحَقِّ. فَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَافِيًا دَائِمًا وَأَبَدًا، فَكَمَا يُقَالُ: لَا يُعْرَفُ الْحَقُّ إِلَّا مَنْ وَقَعَ فِي الْبَاطِلِ، صَحْ؟ وَلَا يُعْرَفُ الْعَافِيَةُ إِلَّا مَنْ فَقَدَ الصِّحَّةَ. وَهَكَذَا أَنْتَ عَلَى الْحَقِّ قَدْ تَرُبُّ عَلَيْكَ بَعْضُ الشُّبُهَاتِ، قَدْ تَرُبُّ عَلَيْكَ بَعْضُ الْابْتِلَاءَاتِ، فَلَمَّا تَرِدُ هَذِهِ الشُّبُهَاتُ وَهَذِهِ الْعَوَارِضُ وَتُصَارِعُ أَهْلَ الْبَاطِلِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَنْتَصِرُ عَلَيْهِمْ، هَذَا يَكُونُ فِيهِ عَاقِبَةٌ حَسَنَةٌ، فَيَزْدَادُ إِيمَانُكَ وَيَقِينُكَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ. زِيَادَةُ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ: مَثَلُ ذَلِكَ، مَثَلًا أَنْتَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مُوقِنٌ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ النَّصْرَ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. فَلَا تَقُلْ: كَيْفَ نَحْنُ الْآنَ عَلَى الْحَقِّ، أَيْنَ هَذَا الْوَعْدُ؟ نَحْنُ الْآنَ مُسْتَضْعَفُونَ، نَحْنُ الْآنَ ادْفَعْ هَذِهِ الْمُعَارَضَاتِ، ادْفَعْهَا لِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْآنَ لِعَدَمِ تَوَفُّرِ أَسْبَابِ النَّصْرِ، فَمَتَى حَقَّقْتَ أَسْبَابَ النَّصْرِ حَقَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكَ النَّصْرَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، فَلَا تَتَزَعْزَعْ، وَيَكُونَ هَذَا الِابْتِلَاءُ سَبَبًا لِشَكِّكَ، أَوْ لِضَعْفِكَ، أَوْ لِكَذَلِكَ تَرَدُّدِكَ فِيمَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَمِنْ كَذَلِكَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَ هَذَا مُرَادُهُ. إِذَا جَاءَ النَّصْرُ ازْدَادَ الْمُؤْمِنُ يَقِينًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، سَلَّمُوا لِأَمْرِ اللَّهِ، فَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى جَاءَهُمُ النَّصْرُ. وَلَكِنْ مَاذَا قَالَ الْمُنَافِقُونَ؟ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ شَكٍّ وَأَهْلُ نِفَاقٍ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. فَانْظُرُوا الْفَرْقَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ. فَالْمُؤْمِنُ نَعَمْ قَدْ تَأْتِيهِ أُمُورٌ عَارِضَةٌ، وَلَكِنْ هِيَ لَا تَسْتَمِرُّ وَلَا تَطُولُ وَلَا تَسْتَقِرُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ سُرْعَانَ مَا تَذْهَبُ وَتَزُولُ. ثُمَّ مَثَّلَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى ذَلِكَ، فَمَثَّلَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِ الْأَنْبِيَاءِ: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟ فَ هَذَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾. لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ هَذَا أَنَّهُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ، إِنَّمَا هَذَا شَيْءٌ عَارِضٌ عَرَضَ لَهُمْ بِسَبَبِ تَأَخُّرِ النَّصْرِ وَشِدَّةِ الْبَلَاءِ وَشِدَّةِ الْبَلَاءِ، فَهِيَ أُمُورٌ مُزْعِجَةٌ. ثُمَّ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ. وَمِثْلُهُ مَا جَاءَ فِي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. يَعْنِي: قَالُوا ذَلِكَ لَيْسَ لِاسْتِقْرَارِ هَذَا الْأَمْرِ فِي أَنْفُسِهِمْ، إِنَّمَا لِأَنَّهُ أَمْرٌ عَارِضٌ عَرَضَ لَهُمْ بِسَبَبِ تَأَخُّرِ النَّصْرِ. وَلِذَلِكَ قَالَ هُنَا: فَمِنْهَا أَنَّ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَكْمَلُ الْخَلْقِ إِيمَانًا، هَذِهِ مُقَدِّمَةٌ حَتَّى لَا تَظُنَّ فِي الرُّسُلِ أَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ، وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ وَعِيدِهِ. وَهَذَا أَمْرٌ يَنْبَغِي عَلَى الْأُمَمِ أَنْ تَعْتَقِدَ فِي الرُّسُلِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوا، أَوْ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوا ذُرْوَتَهَا الْعُلْيَا، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ضِدِّهِ، يَعْنِي: مَعْصُومُونَ مِنَ الشَّكِ وَالرَّيْبِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ. وَلَكِنْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُزْعِجَةِ الْمُنَافِيَةِ حِسًّا لِمَا عُلِمَ يَقِينًا مَا يُوجِبُ لِهَؤُلَاءِ الْكِمَالِ أَنْ يَسْتَبْطِئُوا مَعَهُ النَّصْرَ، فَقَطْ مِثْلُ اسْتِبْطَاءِ النَّصْرِ، فَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا نَصْرَ سَيَأْتِي، إِنَّمَا هُوَ تَأَخُّرُ النَّصْرِ، قَالُوا ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّأَخُّرِ وَالِابْتِلَاءِ وَالِابْتِلَاءِ. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ. وَلِذَلِكَ قَالَ: وَيَقُولُونَ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟ وَقَدْ يَقَعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْقُلُوبِ شَيْءٌ مِنْ عَوَارِضِ الْيَأْسِ حَسْبَ قُوَّةِ الْوَارِدَاتِ وَتَأْثِيرِهَا فِي الْقُلُوبِ. ثُمَّ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ تَنْجَلِي هَذِهِ الْحَالَةُ، وَيَصِيرُ لِنَصْرِ اللَّهِ وَصِدْقِ مَوْعُودِهِ مِنَ الْوَقْعِ وَالْبُشْرَى وَالْآثَارِ الْعَجِيبَةِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يُحْصَلُ بِدُونِ هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي تَمَامِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. انْظُرُوا، لِأَنَّهُ لَمَّا يَأْتِي النَّصْرُ بَعْدَ الشِّدَّةِ يَكُونُ لَهُ حَلَاوَةٌ، صَحْ؟ يَكُونُ لَهُ حَلَاوَةٌ بِعَكْسِ لَوْ جَاءَ النَّصْرُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، مَا يَكُونُ لَهُ ذَاكَ الْفَرَحُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ ابْتِلَاءٌ وَلَمْ يَسْبِقْهُ شِدَّةٌ. فَهِمْتُمْ هَذَا الْآنَ؟ فَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَيَصِيرُ لِنَصْرِ اللَّهِ وَصِدْقِ مَوْعُودِهِ مِنَ الْوَقْعِ وَالْبُشْرَى وَالْآثَارِ الْعَجِيبَةِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يُحْصَلُ بِدُونِ هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلِهَذَا قَالَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْآيَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ مَثَلًا آخَرَ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. مَا مَعْنَى إِذَا تَمَنَّى؟ يَعْنِي: إِذَا قَرَأَ، إِذَا تَمَنَّى يَعْنِي: إِذَا قَرَأَ، مَا يُتْلَى عَلَيْهِ، يَتَدَخَّلُ الشَّيْطَانُ وَيُرِيدُ هَذَا الشَّيْطَانُ أَنْ يَدْسَّ شَيْئًا مِنَ الْكَلِمَاتِ، حَتَّى إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ آيَاتِهِ. يَعْنِي: مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ لَا يَثْبُتُ. وَفِيهِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ هَذِهِ الشُّبُهَ، يَعْنِي: سُرْعَانَ مَا تَضْمَحِلُّ وَتَزُولُ، لَا تَثْبُتُ وَلَا تَسْتَقِرُّ، وَلَا تَسْتَقِرُّ. وَلِذَلِكَ قَالَ هُنَا: أَيْ يُلْقِي مِنَ الشُّبُهِ مَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ فِيمَا يَقْرَؤُهُ هَذَا الرَّسُولُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْحِكْمَ الْعَظِيمَةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى هَذَا الْإِلْقَاءِ، وَأَنَّ نِهَايَةَ الْأَمْرِ عَاقِبَتُهُ أَنَّ اللَّهَ يُبْطِلُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ، مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ يُبْطِلُهُ اللَّهُ وَيَنْسَخُهُ، وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ، يَعْنِي: يُثْبِتُ آيَاتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. فَقَدْ أَخْبَرَ بِوُقُوعِ هَذَا الْأَمْرِ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ لِهَذِهِ الْحِكَمِ الَّتِي ذَكَرَهَا. فَمَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ لَا رَيْبَ وَلَا شَكَّ مَعْصُومُونَ، وَظَنَّ أَنَّ هَذَا يُنَافِي الْعِصْمَةَ، فَقَدْ غَلِطَ أَكْبَرَ غَلَطٍ. يَعْنِي: مَنْ ظَنَّ أَنَّ الرُّسُلَ وَقَعُوا فِيمَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ هَذَا قَدْ غَلِطَ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَاهُ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الرُّسُلَ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ، لِأَنَّهُ أَصْلًا نُسِخَ، إِنَّمَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ، فَبِمُجَرَّدِ هَذَا الْإِلْقَاءِ نُسِخَ هَذَا الشَّيْطَانُ وَذَهَبَتْ هَذِهِ الشُّبُهُ، فَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الشُّبُهُ فِي قُلُوبِهِمْ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَظَنَّ أَنَّ هَذَا يُنَافِي الْعِصْمَةَ فَقَدْ غَلِطَ أَكْبَرَ. وَلَوْ فَهِمَ أَنَّ الْأُمُورَ الْعَارِضَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْأُمُورِ الثَّابِتَةِ، لَمْ يَقُلْ قَوْلًا خَالَفَ فِيهِ الْوَاقِعَ، يَعْنِي: هَذِهِ الْأُمُورَ الْعَارِضَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْأُمُورِ الثَّابِتَةِ، وَإِنَّمَا نَعَمْ قَدْ تَرِدُ فَيَنْتَزِعِجُ الرَّسُولُ بِهَذَا الْإِلْقَاءِ، وَلَكِنْ لَا يَعْمَلُ بِهِ، وَلَا يَقْبَلُهُ، وَلَا يَسْتَقِرُّ فِي قَلْبِهِ، وَلَا يَسْتَقِرُّ فِي قَلْبِهِ. طَيِّبٌ، اقْرَأْ نَكْمِلُ الْقَاعِدَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمِنْ هَذَا، عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْمُفَسِّرِينَ، وَمِنْ أَحَدٍ، عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْمُفَسِّرِينَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾، أَنَّهُ ظَنٌّ عَرَضَ فِي الْحَالِ ثُمَّ زَالَ، نَظَرُهُ وَثَوَاتُهُ الْعَارِضَةُ فِي حُسْنِ الزَّوَالِ الَّتِي يَفْرَحُهَا الْعَبْدُ حِينَ تَرِدُ قَلْبَهُ. وَلَكِنْ، وَلَكِنَّ إِيمَانَهُ وَيَقِينَهُ يَذْهَبُ بِهَا وَيَذْهَبُهَا. وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَكَا إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ هَذِهِ الْحَالَةَ الَّتِي أَقْلَقَتْهُمْ، أَقْلَقَتْهُمْ، أَقْلَقَتْهُمْ، مُبَشِّرًا لَهُمْ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ». وَيُشْبِهُ هَذَا الْعَوَارِضَ الْعَوَارِضَ الَّتِي تَعْرِضُ بِإِرَادَةِ الْإِيمَانِ لِقُوَّةِ وَارِدٍ مِنْ شَهْوَةٍ أَوْ غَضَبٍ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ كَامِلَ الْإِيمَانِ قَدْ يَرِدُ فِي قَلْبِهِ مُحَمَّدٌ، وَإِرَادَةٌ لِفِعْلِ بَعْضِ الْمُعَاصِي الَّتِي تَنَاقُضُ الْإِيمَانَ الْوَاجِبَ، ثُمَّ يَأْتِي بُرْهَانُ الْإِيمَانِ وَقُوَّةُ مَا مَعَ الْعَبْدِ، وَقُوَّةُ مَا مَعَ الْعَبْدِ مِنَ الْغَيْبَةِ التَّامَّةِ، فَيَدْفَعُ هَذَا الْعَارِضَ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى مَا مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَمُرَاقَبَةِ اللَّهِ وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ، دَفَعَ هَذَا الْهَمَّ وَالْمَحَلَّةَ، وَصَارَتْ إِرَادَتُهُ التَّامَّةُ فِيمَا يُرْضِي رَبَّهُ. وَلِهَذَا بَعْدَ الْمُعَالَجَةِ الشَّهِيدَةِ الَّتِي لَا يُغْفَرُ عَلَيْهَا إِلَّا الْخَوَاصُّ مِنَ الْخَلْقِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾